اصحي يا مصر

13 كانون الأول 2016 | 00:00

مصر تقاوم الفتنة والفتنة تلاحقها. ترفض الانهيار، لكنه يتربص بها. تسعى عبثا الى تفادي المصير المشؤوم الذي حل في بلاد الشام وبلاد الرافدين وليبيا، لكن العدوى تتأهب بكل ما أوتيت من قوة لاختراق قلب بلاد النيل وحدودها التي صارت هشة وركيكة. لم تعرف مصر في تاريخها انكشافا على المخاطر كالذي تعيشه الآن. النار تطوقها من سيناء ومن كل جانب. الوحدة الوطنية تعاني في العناية الفائقة. احلام الثورة تبخرت. البؤس والشقاء ينهشان لقمة فقرائها من افواههم. الهموم اليومية للمواطنين تحولت كوابيس. الاقتصاد يختنق، والمورد السياحي صار من ذكريات الماضي. وكي يكتمل سواد المشهد سال الدم البريء في حرم الكنيسة البطرسية في القاهرة.

الافتراء على الاقباط والهجمات على دور عبادتهم امران مزمنان . حدثا قبل الثورة وهما يحدثان بعدها وبعد عودة العسكر الى رأس السلطة. واذا كانت هذه التفجيرات من صنع "محلي" بهدف الحاق الاذى بنظام السيسي للتعجيل في انهياره، فإن التجربة السورية تشير الى نتائج معاكسة، اذ يمكن هذا النظام اتخاذ هجمات كهذه ذريعة لفرض نظام الطوارئ وتبرير قمع الحريات تحت شعار الحرب على الارهاب. اما اذا كان القرار خارجياً بغض النظر عن هوية المنفذ، فان ذلك يعني ان الفتنة باتت جاهزة، لتكون الداء الادهى، والعلة الاخطر القادرة على هدم هيكل الثورة والدولة والجيش على رأس مصر ورؤوس أهلها.
أصل العلة الطائفية في مصر كان ولا يزال في العجز التاريخي للدولة عن تأسيس نظام يرضي كل المكونات المصرية، وتخليها عمدا عن ممارسة دورها في ترسيخ المواطنة وحماية الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين. ومع عدم التصدي الجدي لجوهر المشكلة وارساء مصالحة وطنية، تترك مصر لقمة سائغة لـ "المؤامرة".
مصر أيضاً في عين العاصفة، مثلها مثل العراق وسوريا وليبيا. وليس من قبيل المصادفة ان تتزامن تطوراتها السياسية والامنية مع تسريب تقارير أمنية اسرائيلية وأميركية عن "حقوق" المسيحيين المصريين في المطالبة بحماية دولية من "خطر" المسلمين، وان مصر العليا (الصعيد) منطقة تستحق ممارسة حق تقرير المصير، وان الحاجة الاستراتيجية للغرب الى مصر موحدة من أجل تأمين قناة السويس وطريق الهند ووادي النيل انتفت ولم تعد ضرورة!
بالامس، احترق السودان، جار وادي النيل، بفعل الحرب الطائفية والاقصاء ونبذ الآخر، وتشظى دولتين، فيما العراق ينهار بشراً وقيماً واقتصاداً تحت وطأة الصراعات الأهلية القاتلة والمدمرة، ونار العدوى الطائفية أحرقت سوريا وكذلك اليمن. لكن للفتنة في مصر طعماً أشد مرارة، ذلك ان انتصارها هناك ضربة قاضية لما تبقى من آمال عربية.

amine.kamourieh@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard