انقلابات تركيا عسكرية ومدنية ... وديكتاتورية

9 كانون الأول 2016 | 00:00

تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا معروف: 1960، 1971، 1980، 1997، وأخيراً 2016، أما تاريخ الانقلابات السياسية فلا يظهر كفاية، لأنه يحدث من دون دبابات ولا أعلام، وهكذا يمكن أن نشير الى: انقلاب بولنت أجاويد على عصمت اينونو، ومسعود يلماز على طورغوت أوزال، ورجب طيب أردوغان على معلمه نجم الدين أربكان، ثم على شركائه تباعاً وأبرزهم فتح الله غولن، وعلى رفاق دربه مثل: عبدالله غول وأحمد داود أوغلو وبولنت أرينتش... إنه صاحب الرقم القياسي في الانقلابات السياسية على من شاركوه مسيرة الحكم. فهل كان الانقلاب العسكري الأخير في 15 تموز 2016 من تدبيره أيضاً؟
يطل كتاب "انقلابات تركيا" من عدنان منديريس الى رجب طيب أردوغان، لمحمد نور الدين (دار الريس) على خلفية النزعة العسكرية في تركيا وعلاقتها بالسلطة السياسية منذ أول انقلاب عسكري في العهد الجمهوري عام 1960 (أول انقلاب في الدولة العثمانية عام 1909، قام به قادة "الاتحاد والترقي" فخلعوا السلطان عبد الحميد الثاني ونصّبوا محمد رشاد الخامس) ويتوقف عند المحاولات الانقلابية التي فشلت أو اكتشفت قبل حصولها. ويعرض الخلافات بين غولين وأردوغان الذي اتهمه بأنه يقف وراء انقلاب الصيف وتداعياته التي تجاوزت اي انقلاب سابق، ويتطرق الى الظروف التي شهدتها تركيا في الأشهر التي سبقت المحاولة الانقلابية، وكانت مقدمة لها، وتفاصيلها وتداعياتها داخلياً وخارجياً، بما تكشّفت عنه حتى الآن.
وضع مصطفى أتاتورك أسس نفوذ الجيش في الحياة السياسية منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، ورسّخها خليفته عصمت اينونو، الى أن حدث الانقلاب الأول عام 1960، ضد نفوذ الحزب الديموقراطي الذي حقّق أعلى نسبة في الانتخابات النيابية عام 1950، في وجه الحزب الجمهوري الذي سيطر على الجمهورية منذ عام 1923. أوصلت الانتخابات جلال بايار الى رئاسة الجمهورية وعدنان منديريس الى رئاسة الحكومة، وكرّر الحزب الديموقراطي فوزه الكاسح في انتخابات 1954 و1957 المبكرة. وفي هذه المرحلة صارت تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي عام 1952، بعدما تبنت السياسات الغربية. أطيح الرئيسان بانقلاب عام 1960، وقال الانقلابيون أنهم يواجهون النزعة الديكتاتورية والاسلامية لمنديريس الذي استخف بالجيش فصار مرتّب الضابط يشتري قنينة "كازوز"، فسمّوا "ضباط الكازوز".
اتُهمت الولايات المتحدة بأنها كانت وراء الانقلاب لإزاحة منديريس بعدما أبدى رغبة في التوجه نحو الاتحاد السوفياتي. كما اتهمت بأنها مهندسة الانقلابات الباقية، الا الانقلاب الأخير، إذ قيل إنها ساهمت في إحباطه لمصلحة أردوغان. كانت دائماً الانقلابات تحدث بذريعة مواجهة القوى والحركات الاسلامية، والمحافظة على قيم الجمهورية العلمانية، إلا في انقلاب الصيف الماضي، فإن الولايات المتحدة دعمت حكم أردوغان الاسلامي في مواجهة الجيش والعلمانية، وهو منحاها الجديد الذي اعتمدته منذ غزو العراق، بل في مواجهة الدخول السوفياتي الى أفغانستان عام 1979.
خرج أردوغان من صفوف حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، وبعدما حُظر الحزب تأسس بدلاً منه حزب الفضيلة بزعامة رجائي قوتان، فحصل انقسام داخله بين التقليديين يقودهم قوتان والمجددين بزعامة عبدالله غول مدعوماً من أردوغان. وبعدما حُظِر الفضيلة تأسّس حزبان: السعادة بزعامة قوتان – أربكان والعدالة والتنمية بزعامة أردوغان، وذلك سنة 2001.
سجن أردوغان بعد انقلاب 29 شباط 1997، أربعة أشهر وعشرة أيام، بتهمة "بث التفرقة والكراهية"، فاضطر الى تقديم استقالته من رئاسة بلدية اسطنبول، ومنع من مزاولة السياسة والانضمام الى أي حزب. سافر عام 2000 الى الولايات المتحدة حيث التقى غولين. وفي واشنطن وضعت مبادئ تأسيس حزب العدالة والتنمية، بمشاركة الاثنين مع مسؤولين أميركيين. ونسج أردوغان علاقات أولية مع شخصيات نافذة في الادارة الأميركية. ويقول نور الدين: "كتب الكثير عن سعي الولايات المتحدة لتأسيس حزب اسلامي معتدل يحل مكان زعامة حزب نجم الدين أربكان ويكون عاملاً مساعداً للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط الكبير". ويقول أحد الشهود على الاجتماعات آنذاك أن حزب العدالة والتنمية "هو "مشروع أميركي" للاسلام المعتدل".
ذلك قبل أن يقع الخلاف بين أردوغان وغولين عام 2009، على جملة قضايا، ومنها اللقاءات السرية لرئيس الاستخبارات التركية حاقان فيدان مع الأكراد. وعلى الاثر أخذ أردوغان ينتقم من غولين فأغلق مدارس "الجماعة"، وحين ووجه أردوغان بقضايا الفساد التي شارك فيها ابنه، تلاعب بالقوانين للسيطرة على القضاء، فأقال قضاة وعيّن بدلاً منهم وقضى على استقلالية السلطة القضائية، وأخذ طريقه الى "ديكتاتورية" الرئيس.
خطا أردوغان الى الديكتاتورية خطوات نفّذها: انتخاب الشعب لرئيس الجمهورية مباشرة، تعديل الصلاحيات لحكم رئاسي يكون فيه زمام الأمور في يده وحده، إبعاد غول عن السلطة والحزب معاً "بمؤامرة مكشوفة"، وإبداله بأحمد داود أوغلو على رأس الحزب والحكومة، ثم إبعاد أوغلو نفسه بالألاعيب السياسية كي يتفرّد بالسلطة. و"يمضي أردوغان في برنامجه الهادف الى فرض نظام رئاسي وصولاً الى إلغاء منصب رئاسة الحكومة. واللافت أنّ أحمد داود أوغلو أصبح في شبه إقامة جبرية ويمنع على أي مسؤول رسمي التواصل معه بقرار من أردوغان نفسه". ("السفير" 2016/12/6).
اتهم بعض الصحف أردوغان بإثارة الفوضى في تركيا قبل الانتخابات المبكرة سنة 2015، بتفجيرات مشبوهة في مناطق كردية (سوروتش وديار بكر) في مهرجان لحزب الشعوب الديموقراطي الكردي اتهمت بها السلطات التركية تنظيم "داعش" من دون أن يتبناها التنظيم، لكنها أثّرت في نتائج الانتخابات، فزاد عدد أعضاء كتلته النيابية من دون أن تمنحه القدرة على تحقيق طموحاته ومشاريعه... إلا إذا خدمته تداعيات انقلاب الصيف.
ما حصل بين مساء الجمعة بدء الانقلاب، وصباح السبت، إجهاضه، سيبقى غامضاً الى حد كبير، لكن ثمة ملاحظات: افتقدت المحاولة الانقلابية رتباً عسكرية عليا، الادوات المستخدمة كانت متواضعة ومحدودة، وافتقدت الهدف السياسي الجاد والمشروع الواضح للتحرّك، ولم تحدد أهدافها التي يباشرها كل انقلاب حكماً، كاستهداف القصر الجمهوري ورئاسة الحكومة والاذاعة، (قيل إن الانقلابيين استعجلوا الانقلاب قبل قرار قضائي باعتقالهم سيتم في الرابعة فجر السبت).
الأمر الواضح أنّ اردوغان استغل المحاولة الانقلابية لتصفية تركة غولين وكل معارضيه في أركان الدولة وقطاعاتها واداراتها، مستخدماً "جيشه" من البوليس والاستخبارات. والأكيد أنّ المحاولة جزء من حالة الاعتراض داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع التركيين على سياسة أردوغان ونهجه، خصوصاً في الموضوع نفسه الذي قامت عليه الانقلابات السابقة أي المحافظة على علمانية الدولة، والحؤول دون "الديكتاتورية" المدنية التي يسعى اليها اردوغان.

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard