كتاب - "نادي السيارات" لعلاء الأسواني: الجوع المزدوج وصناعة البطل

16 تموز 2013 | 00:00

يرابط الكاتب المصري علاء الأسواني في روايته الجديدة "نادي السيارات" عند شواطئ الماضي القريب، فيحرك شخصياته ضمن احتمالات زمنية أُشبعت نقدا وتحليلا، مما يتيح له حرية توجيه الانطباعات نحو مكامنها المنشودة من دون الوقوع في مصائد الرقابة والتشدد السلفي، مكتفياً برسم البيئة الشعبية الحاضنة لآفة العبودية، والمسؤولة عن فسيفساء الوضع السياسي الحالي في مصر.

بطل الرواية الفعلي يدعى الكوو، ويرمز إلى شخصية العبد المهيمن، الذي يفرض الخنوع على المهمشين من خلال تحكمه بلقمة عيشهم. تكليف العبد بسوط الرعية كان دوما خيار أولي الأمر منذ عهود الخلافة، إذ يتيح فرصة تفريغ الأحقاد الفردية له، ويكرس السلطة بالبطش وزرع الخوف في النفوس الشقية. هي الفكرة التي تلخصها عبارة اغتصاب الارادة. لذلك يعتني الأسواني جيدا برسم شخصية الكوو، ليبدو كأنه ظل الشيطان على الأرض. فهو نوبي أسود كرِّس لخدمة ولي العهد فاروق، فتمددت سلطاته بمرور الزمن وطالت شؤون مصر من خلال هيمنته على نادي السيارات.
وطّد الكوو سلطته الخفية تدريجا عبر سياسة التواطؤ التي كان لها أكبر الأثر في كسب ثقة فاروق منذ يفاعته المبكرة، ثم قبض على مفاتيح شهوته ورسخ مبدأ تلبية الرغبات الجنسية وتصعيدها حتى أسر الشاب في هوسه الجنسي. وبعدما حفظ عن ظهر قلب شخصية الملك واشارات حالته النفسية، ونجح في توظيف خبرته الحياتية الواسعة وذكائه الفطري الحاد الذي مكّنه من سبر أغوار الناس، استوى على عرشه وغدا بوّابة الملك الحقيقية. من خلال اللف والدوران وسرد الوقائع ببراعة، كان يدفع الملك الى استخلاص النتائج التي يريدها بالضبط. أما وظيفته الرسمية فتمثلت في كونه الرئيس الأعلى للخدم في القصور الملكية، والمتحكم الأوحد في حياتهم وأرزاقهم ومصائرهم، وهي علاقة استبدادية مازوخية يصفها الأسواني بزوجة يشبعها زوجها جنسيا بشكل كامل ورائع، لكنها تشكو مع ذلك من حدة طباعه، ويستطرد بأننا لن نعرف ابداً إن كانت تعاني أم تستمتع بمعاملته القاسية. هذه السطوة القاهرة للكوو على الخدم، تزول فورا وتنقلب إلى النقيض امام الأجانب. فالكوو يذعن للأجانب عن تبجيل صادق، لأنه يؤمن بتفوق الجنس الأبيض. فالانحناء امام الأجنبي لا يقلل من هيبته وانما يضاعفها. من هذا المنطلق أسس في نادي السيارات مافيا، تحفظ مصالح المحتل الانكليزي وازلامه المحليين وفي مقدمهم الملك.
يُبرز الأسواني المجتمع المحلي متخذاً من عائلة عبد العزيز همام معبرا إلى الشارع المصري، فيبسط هموم أفرادها ومشكلاتهم الصغيرة وعراكهم مع الحياة في سبيل البقاء. من الأب عبد العزيز الذي كان من أعيان الصعيد، هوت به المحن فهاجر مع أسرته إلى القاهرة وعمل في نادي السيارات، وثابر على خصاله الحميدة في تكريم أهل بلده، إلى أن قتلته ذلاً صفعة من يد معاون الكوو. ثم خلفه ابنه محمود كموزع للطلبات، وابنه كامل الطالب الجامعي كمساعد لأمين المستودع اليوناني. أما ابنه سعيد فكان انتهازيا جشعا، تنصل من أعباء الأسرة، واستهتر بالأزمة المالية الخانقة التي أودت بحياة والده.
حكم الكوو من خلال نظامه البوليسي، الخدم على مدى عشرين عاما: عين يقظة وقبضة فولاذية وسيطرة مطلقة، بدأت تتقوض بأن زرعت أوديت اليهودية، عبدون كجاسوس في نادي السيارات. لم يستطع الكوو ترويضه لأنه مدعوم من رئيس النادي البريطاني رايت، عشيق أوديت، التي بدورها تظهر كمقابل للعنصري الإنكليزي وتطرفه في احتقار المصريين، بشخصيتها المميزة كملحدة تتحدى القوميات واللصوصية البريطانية وتنتمي الى الانسان. مع عبدون المنضوي تحت جناح تنظيم سياسي، بدأ تحريض الخدم على الثورة ضد ظلم الكوو، مما قسم الطاقم بين غالبية ترفض التمرد بحكم الاستكانة، وأقلية تؤيد التغيير.
كان الهدف من زرع الجاسوس في نادي السيارات التقاط صورة للملك الفاسق المقامر وهو يلهو في المكان الذي تدار منه مصر، مما كشف مؤامرة ابن عم الملك شامل ومساعدته أوديت، ومالت المقارنة لصالح شامل المثقف. دفع الخدم عقابا جماعيا طال رزقهم مدة ثلاثة أشهر، فأنهى تمرد الفئة القليلة ووطّن المذلة في نفوس الأغلبية. سيق المتمردون إلى السجن حيث ضُربوا بوحشية، وتعرضت نساؤهم للاغتصاب، ثم أعيدوا إلى نادي السيارات في براقع النساء إذلالاً لهم، وهو تلميح إلى انتقام العبد وبطشه. أما كامل، الشريك في المؤامرة السياسية، فعومل كبطل مؤجل محكوم بلقمة العيش.
يضع الأسواني يده على مفاتيح الشخصية المصرية، موضحاً كيف يتم تطويع الجوع الجنسي واستثماره سياسيا، بدءا من الأسرة حين تُرسم صورة عائشة نموذجا للغواية الآثمة الفاحشة، لتأتي ابنتها فتربط ممارسة الجنس مع زوجها سعيد بالثواب والعقاب حتى تُحكم السيطرة عليه. بدوره يبيع سعيد شقيقته من تاجر أغنام عاجز جنسيا تحت ستار الزواج ليضمن عمله. بينما يبيع محمود البسيط الطيب، الجنس للعجائز المتصابيات كسباً لمصروف إضافي. صور تترسخ عن عبودية تتكئ على ذل الحاجة وبطش الغريزة، مما يجعل ميتسي ابنة رايت المتحررة من عقدة الكبت الجنسي، تعرض حبها على كامل من دون مواربة أو مطامع سلطوية، لتصبح أيقونة تترجم تمردها على النفاق البريطاني، في إطار ألفة حميمية وتقرب من الحياة الحقيقية، مما يفتح باب التساؤل عن ماهية الوقود الحضاري وناره!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard