عن فيلم "صمت الراعي" للمخرج العراقي رعد مْشَتَّت زهرة التي تلمع كالفضة

28 تشرين الثاني 2016 | 00:00

"صمت الراعي" لرعد مشتت.

المكان: قرية العين، محافظة السماوة، جنوب غرب العراق.

الزمان: العام 1987.
يُصاب راعي الغنم، صابر، بالدهشة والذهول والصدمة حين يرى بالمصادفة، بينما كان يرعى الغنم، ضباطًا وجنوداً من الحرس الخاص بالديكتاتور ترافقهم حافلات نقل كبيرة وجرّافات تحفر في الأرض حفرة واسعة زجّوا فيها بعد ذلك بمجموعة كبيرة من الرجال والنساء الأكراد، ثم أطلقوا عليهم النار بدمٍ بارد لتعود الجرافات وتهيل التراب على أجسادهم، وذلك بعدما أنزلوهم مقيَّدين، وسط التضرع والصراخ، من الحافلات التي كانت تقلهم.
زهرة بنت حميد الصِـﮔر، التي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، لم تعد في اليوم نفسه إلى بيت أهلها، بعدما ذهبت لتجلب الماء لعائلتها من النهر. وفي اليوم نفسه أيضًا يذهب سعود إلى دائرة التجنيد في المحافظة ولا يعود. كان سعود وحيداً يُعيل أخته وبنتيها، وكان الأمل كبيراً بتأجيل خدمته وعودته إلى أخته التي قُتل زوجها وأخوتها في الحرب ولم يبق لها سواه، فهو الأخ والصديق والأب والرجل الحامي الذي يقوم مقام الزوج بالنسبة لها والخال والعم والأب بالنسبة لبنتيها. لكنه لم يعد.
أما صابر الراعي فيقرر الصمت وعدم الحديث عمّا شاهده حتى لزوجته التي كان يبادلها الحب، وذلك خوفًا من بطش النظام. لكن سلوكه مع زوجته يتغير تحت تأثير الصدمة وبشاعة الجريمة. لم يعد يشغل باله بالحب ولم يستطع الاقتراب منها فعاشت متألمةً بين صمته وظنونها بأنه يحب امرأة أخرى.
تنتشر الشائعات وتسري الظنون في رؤوس بيت الصِـﮔر، بعدما فقدوا الأمل بالعثور على زهرة، بأن سعود غرر بها وأخذها "نِهيبة / خَطيفة" لكن شقيقتها تقول لأمها: لا يمّة، زهرة تلمع مثل الفضة.
يذهب رجال بيت الصِـﮔر إلى بيت سعود فلا يجدون غيرها والبنات. لم يجدوا رجالاً، فـ"الرجال أكلتهم الحرب"، كما قالت لهم، لذلك يقررون عدم المساس بها وببناتها، وذلك وفقًا لما تقتضيه التقاليد والقيم العشائرية. بعد أن ينتهي البحث عن سعود من دون جدوى أيضًا، يقرر حميد الصِـﮔر، والد زهرة، بأن ينزع عقاله من رأسه وبألاّ يجلس بعد اليوم في مجلسٍ فيه رجال حتى يغسل عاره.
بعد مرور ستة عشر عامًا، أي بعد سقوط نظام البطش والديكتاتورية في العام 2003، تتكشف الحقائق وتتوضح الملابسات في قضية زهرة وسعود، مثلما تكشفت حقيقة الآلاف من الجرائم التي ارتكبها النظام السابق وسط صمتٍ لا يشبه صمت صابر الراعي الذي لم يكن أمامه سوى هذا الخيار "مقابل خيار حق الحياة"، أما صمت المحيط الذي كان يغطي جرائم النظام فقد كان يتغذى على كبده المحروق ويلهو بمصائر الناس التي زادتها بعض العادات والتقاليد حلكةً وسواداً.
يعود سعود إلى قريته بعد أن تتحطم أبواب السجون فيخرج مع من خرجوا منها. كانت السلطات قد ساقته إلى الحرب من دون أن يأخذ الفرصة لإعلام ذويه، لأنهم "كانوا يجندون كل شيءٍ يتنفس"، كما قال لأخته وهو يروي لها ولبنتيها قصة غيابه. وقع في الأسر الإيراني، عاد مع أقرانه الأسرى، تسلمتهم المخابرات وزجّت بهم في الشعبة الخامسة بتهمة التجنّد لصالح العدو أثناء فترة الأسر.
في الوقت نفسه، وبينما يسلّم حميد الصِـﮔر بندقية لإبنه اليافع ليقتل سعود وزهرة التي ظنوا أنها قد عادت معه، يدخل عليه صابر ليكشف له ما رأى في ذلك اليوم في مشهدٍ درامي يقطع أنفاس المشاهد: كانت زهرة تراقب المجزرة فلاحظها الجنود وأمر الضابط بجلبها ودفنها مع الأكراد في المقبرة الجماعية.
ستة عشر عامًا وزهرة اليافعة تلمع كالفضة، ولكن تحت التراب. ستة عشر عامًا وزهرة البريئة تدفنها ظنون التقاليد كما دفنت براءتها الجرّافات. ستة عشر عامًا وقلوب ذويها تحترق بينما "رجال الزيتوني" يواصلون التنزّه بجرافاتهم في كل الأمكنة. ستة عشر عامًا ولم يعرف سعود بعد ما إذا كان خائنًا أم بطلاً؟ لكنَّ زهرة خرجت من المقبرة الجماعية، بعد كل هذا، أشلاءً لامعةً كالفضة.
اعتمد رعد مْشَتَّت الذي كتب سيناريو الفلم وحواراته أيضًا، جملاً قصيرة تنضح بالشاعرية، خصوصًا لمن يعرفون لهجة الجنوب العراقي، وحمّلها بعفوية فيضًا من المعاني المكثفة التي جاء صمت المَشاهد الأخرى ليضاهيها في بلاغة بصرية تكشف عمق المأساة.
في هذا الصدد يقول مشتت في إحدى مقابلاته الصحافية: "إن منبع الشاعرية هو بيئة الحكاية، فالجنوب العراقي في خطابه الشفوي اليومي يمتلك غنىً لغويّاً كبيراً تبرق حدته وكثافته ورمزيته في الأزمات". لكن مشتت لا يستبعد "أن يكون الشاعر القابع في أعماقه حاضراً في كل ما يفعل"، فهو الآتي إلى السينما من الشعر، حيث صدرت له حتى الآن أربع مجموعات شعرية.
مثّل "صمت الراعي" كل من: محمود أبو العباس، آلاء نجم، مرتضى حبيب، شيماء خليل، سامر قحطان، نهار سادايو وإنعام عبد المجيد. التصوير لزياد تركي والموسيقى لدُرَيد فاضل والمونتاج لمحمود مشتت، وهو من انتاج وزارة الثقافة العراقية التي أنتجت في إطار مشروع "بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013" ثلاثة وثلاثين فيلمًا توزعت بين الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة والطويلة.
بعد الانتهاء من تصويره صيف العام 2014 وجد "صمت الراعي" طريقه سريعًا إلى المهرجانات العربية والدولية فشارك في العام نفسه في مهرجان أبو ظبي السينمائي، وفي العام التالي اُفتتح به مهرجان الفيلم العربي في امستردام وعُرض في مدن هولندية أخرى ثم شارك في مهرجان ميونيخ الدولي وحصد جائزة "أحمد الحضري" في مهرجان الاسكندرية مناصفةً مع الفيلم السوري "رسائل الكرز" ثمَّ شارك في مهرجان دهوك (اقليم كردستان) ومهرجان سان فرنسيسكو وحصل في تموز من العام 2016 على تنويه خاص من لجنة التحكيم في مهرجان وهران السينمائي في الجزائر حتى حط رحاله في مهرجان الأفلام العربية في زيوريخ فعُرض في حضور مشتت الذي أجاب عن أسئلة الحاضرين بعد العرض.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard