لماذا يتحوّل تلامذة لبنان عن تعلّم اللغة الفرنسية؟

15 تموز 2013 | 00:00

عندما قرأت في إحدى الصحف مقالةً بعنوان: "عندما تُكسِّر مسابقة اللغة الفرنسية رأس تلامذة البريفيه" شعرت مجدداً بقيمة الأصوات الضائعة التي تصرخ في الوديان، فتضيع صرختها مهما كانت صادقة وأمينة.

فمنذ أكثر من ربع قرن ونحن نصيح، ليسمع صوتنا الفرنسيون، أو من يعنيهم الأمر في بلد الفرنكوفونية
لبنان: "يا سامعين الصوت، انقذوا لغتكم الفرنسية" ولا
أحد يستجيب. وكأن الفرنكوفونية قد تحوّلت إلى موجة سياسية متقهقرة لا دخل لها بتلك اللغة الأنيقة وتراثها الأدبي الرفيع.
بدأ صوت الإنذار يتصاعد من المدرسة الرسمية، التي تفوّق تلامذتها تاريخياً في كل المواد، ما عدا اللغة الفرنسية التي لم تمتدّ إليها يد العون لإنقاذها. وسرعان ما غزت العاهة المدارس الخاصة، التي راحت تتحوّل سريعاً في تدريس اللغات الأجنبية من الفرنسية إلى الانكليزية، إذ ارتفع عدد تلامذة القسم الانكليزي عموماً من 30 إلى 45%، بينما انخفض عدد تلامذة القسم الفرنسي من 70 إلى 55% من تلامذة لبنان، وذلك خلال عقد واحدٍ من الزمن. والانقلاب على الفرنسية يتابع سيره، فلم يعد يحدّ من التقهقر السريع لتعلّم اللغة الفرنسية، غير عملية الدعم السلبي المتمثلة في اعتماد اللغة الانكليزية لغة أجنبية ثانية، يكتسبها تلامذة الفرنسية بسرعة وكفاءة عالية تعادل كفاءتهم في الفرنسية (كلغة أجنبية أولى) أو تزيد.
أما العلّة المخفيّة فتوجد فعلاً في لجنة الامتحانات الرسمية التي - لا ندري لأي سبب أو هدف - تصرّ على طرح الأسئلة التعجيزية. فلو قارنّا معدّلات علامة اللغة الانكليزية مع معدّلات علامة اللغة الفرنسية في الامتحانات الرسمية وفي كل الشهادات، لظهر لنا بوضوح ساطع ارتفاع وتفوّق معدّلات اللغة الانكليزية، وارتفاع وتفوّق نسب النجاح فيها.
وعلى الرغم من تفاقم هذه الظاهرة التي سبق
للتفتيش التربوي أن سلّط الأضواء عليها، فأوصى
المعنيّين بها والقائمين عليها بمعالجتها من كل جوانبها، إعداداً وإعادة نظر بالطرائق الفجّة في طرح الأسئلة؛ إلاّ أن المعنيّين استمروا في غيّهم، وأمعنوا في وضع مسابقات لا ينفذ بها إلاّ من نفذ بسلطان، وذلك لغاية في نفس يعقوب، نرى ملامحها ولا نؤيّدها البتة لطلاقها مع أي بعد تربوي وأخلاقي سليم.
نقول لهؤلاء: أنتم لا تؤذون بمسابقاتكم المحنّطة هذه تلامذة المدارس الرسمية فقط، ولا قسماً كبيراً جداً من تلامذة المدارس الخاصة أيضاً، إنما أنتم تسيئون إلى اللغة الفرنسية ذاتها، وتدقّون مسماراً فـي نعش تعليمها، بعدما يئس متعلّموها مـن الفلاح فيها، لتفسح نهائياً في المجال أمام اللغة الانكليزية، كلغة متفوّقة تحتل ساحة التعليم في لبنان. ونحن على يقين في أن هذا النهج لا يسرّ قلوب القيّمين على المراكز الثقافية الفرنسية في بلدنا، الذين لم يقصّروا - مشكورين - في إقامة دورات تدريب وورش عمل في معاهد فرنسا العليا، للمفتشين والمرشدين والإداريين التربويين اللبنانيين.
فهل بدأ ذلك كلّه، بسبب غيّكم، يذهب أدراج الرياح؟

 مفتش عام تربوي سابق.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard