نحت الذات

19 تشرين الأول 2016 | 00:00

رسائل فرنسوا ميتيران إلى آن تانجو.

نادراً ما يُجمع الفرنسيون على أحد، أو على شيء. شعب متأفف، دائم التذمّر، يطلب الكمال في عالم قائم على النواقص. حالة واحدة تجمعهم: العشق. الملوك العشاق. الكرادلة العاشقون. الامبراطور، وقد اذل أوروبا فأذلته النساء، ثم الرؤساء.
باريس في طوابير منذ أيام للحصول على نسخة من "رسائل" كتبها فرنسوا ميتيران إلى آن تانجو، خلال علاقة استمرت نحو 30 عاماً، وبدأت فيما هي طالبة فنون وفلسفة في التاسعة عشرة، وهو سياسي محترف ومحنك في السادسة والأربعين. لم يكن يعرف أنه سوف يحقق ذات يوم حلماً متخيلاً: أن يخوض معركة الرئاسة في وجه شارل ديغول، وبعدها، أن يصل إلى الاليزيه كأول رئيس اشتراكي في تاريخ القصر والجمهورية.
كان يحب النساء وأن يكتب لهن الرسائل. من الواضح أن فرنسوا لم يكن يكتب إلى آن، بل إلى نفسه. كان يكتب فصول سيرته الذاتية في مدوّنة الايام، كي تصبح بعد غيابه، مرجعاً من المراجع التي تركها للفرنسيين وهو يستكمل ملحمته: نحت صورته التاريخية.
كان النحت عملاً يومياً. ميتيران اليميني ينتقل إلى اليسار، لكنه في اليسار يظل محافظاً وكاثوليكياً، كما علمته أمه وجدته. أو هكذا يقول لمسعفته النفسية ماري دو هنزل(1)، التي اختارها في الأشهر الأخيرة من عمره، تساعده في تقبل الموت.
جزء متعمد من المنحوتة، وفصل آخر من عشق النساء. الحقيقة، تريدُ أن تحوّل نفسها إلى اسطورة. وهذا المثقف البارع، يجول بين النساء مثل أي فارس فرنسي في روايات الكسندر دوما، متسلقاً الاسوار في الليل، منتظراً عند النوافذ، ومحافظاً على منزله الشرعي بكامل الاصول. في أي حال، حتى الفرنسي العادي، كان له منزل اضافي. ومن لا يتوافر له المنزل، يؤويه الفندق الصغير. المجاور للمكتب.
كانت جانيت فلانر، مراسلة "النيويوركر" في باريس، واحدة من كبار الأدباء الذين صنعوا اسطورة المدينة الادبية في ذاكرة الاميركيين. وقد كتبت مرة أن الفرنسي يعيش حياته الحقيقية ما بين الخامسة والسابعة مساء. بعد انتهاء العمل، وقبل العودة إلى المنزل. ودرجوا على تسمية تلك العلاقات Le cinq a sept، لا بد من شيفرة يتعامل بها الجميع.
الذي لم تذكره صحيفة فرنسية إلى الآن، هو أن فرنسوا ميتيران، قبل أن يشرع في كتابة الرسائل الألف إلى تانجو، كتب 2000 رسالة إلى عشيقة سابقة هي ماري لويز تيراس. لكن آن هي التي احتفظ بها إلى النهاية، وهي التي كتب لها الأدب الإباحي الشاعري، وهي التي كان يروي لها ما هي "الكليشيهات" التي سيرددها في خطابه امام مؤتمر الحزب: الاشتراكية. الامبريالية. الرأسمالية.
يعود غبريال غارسيا ماركيز إلى بلدته، اراكاتاكا، بعد غياب طويل، متشوقاً لرؤية ذكرياته الماضية، متلهفاً لتلمس الاماكن. وإذ يبلغ مدخل البلدة وتبدو الطرق الوعرة والاراضي البور، "تحوَّل كل شيء إلى ادب". صارت اراكاتاكا فصلاً في كتاب، لا في حياة. يخيل إلي أن فرنسوا ميتيران في كل مؤلفاته، كان يحوّل الناس والأشياء والسياسات، الى أدب.
كان يشعر أن فرنسا، في نهاية المطاف، ليست سوى مباراة دائمة في اللغة. مجرد فكرة ديكارتية تحولت إلى قاعدة جيومترية : أنا أفكر، إذن، انا موجود. لا وجود دون فكر. عدم إلى عدم. كتب الزميل اياد ابو شقرا في "الشرق الوسط" معلقاً على انتخابات المغرب، أن السياسي الذي لا يفهم إلا في السياسة، عديم. وذكر أن من بين جميع السياسيين العرب الذين يعرفهم، المغاربة هم الاكثر شغفاً ثقافياً. وكم هذا صحيح. وعندما كان محمد بن عيسى وزيراً للثقافة قبل أن يصبح وزيرا للخارجية، كان يمثل المثقف والوعي العربي في أرقى صوره. ولا نعرف لماذا لم نرَ سي بن عيسى رئيساً لمعهد العالم العربي في باريس.
في فرنسا على السياسي أن يحصل اولاً على درجة الكفاءة الثقافية. على العلوم في التاريخ. أن يكون على مستوى أربعة قرون من الاسماء، التي ملأت الأدب العالمي. والعصر الذي عاش فيه ميتيران كان حياة جان - بول سارتر، واندريه مالرو، و "الغريب" البير كامو، وشعر صديقه سان جون بيرس، وعظمة مسرح إيونيسكو، الروماني الذي تبنته باريس، في مَن تبنت من لاجئي الفكر والحب والجمال وبوهيميات ارصفة السين والتشرد في عراء الوجود.
حاول جيسكار - ديستان، سلف ميتيران، الانتماء إلى نادي الكتاب عندما اصدر "السلطة والحياة" في جزءين. لم تنجح التجربة كثيراً. كانت له ذكريات مثيرة، كمثل يوم اخبره المستشار الالماني هلموت شميت انه لقيط من أب مصرفي يهودي. أو يوم تطلع هو إلى المرآة فرأى الشيخوخة تنهمر على وجهه بالسنين. لكنه لم يرتق مرتبة الادباء، التي تبوأها خلال الجمهورية الخامسة شارل ديغول وغريمه فرنسوا ميتيران. حاول الثاني تقليد الأول في كل شيء، وخصوصاً في المذكرات، لكن من أين تأتي بتجربة ديغول؟ من أين تأتي بتجربة فرنسا من النازية وبرفاقية تشرشل وروزفلت وستالين، وبالانتصار على يوضاس فرنسا، ذات يوم الماريشال بيتان؟
لذلك، اكتفى ميتيران بتجارب الحداثة، ومنها العشق وأدب العشق. ومثلما ضم ديغول إلى كنفه كبار الأدباء والصحافيين، ضم ميتيران الصف الثاني منهم. فأين يمكن أن تعثر على مالرو وفرنسوا مورياك وريمون ارون وأوبير بوف - ميري، مؤسس "الموند"، الذي كان يستدعيه ديغول منتصف الليل ليقول له، يا بوف - ميري، انت صحافي عظيم، ولكن كفرنسي كبير، يجب أن تدرك أن السياسة الحقيقية ليست اطلاقاً ما تقرأه في "الموند". وعلى أي حال من الأفضل لنا جميعاً أن تبقى على مثاليتك المرهفة.
السياسة والصحافة الفكرية المرعبة؟ هل هذا ما رمى إليه اياد ابو شقرا في اختيار المثال المغربي كنقيض حاد لمستويات معظم السياسيين العرب؟ لكن اياد انتقى المغاربة وحدهم لأنه لم يتعرف أيضاً إلى التوانسة، أو إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة، ناهيك بأهل الديار، من كمال جنبلاط إلى شارل حلو.
في مذكرات شارل حلو ("دار النهار") نرى فصولاً في السياسة وفصولاً في الحميمية التي لا يبوح بها إلا رؤساء فرنسا. لكنه كإنسان شرقي، يتوقف دون ما يمضي إليه الفرنسيون، الخارجون من تاثيرين واضحين: جرأة روسو على النفس البشرية، والمدرسة الوجودية التي استولت على عقول الفرنسيين ومذاهبهم الفكرية، بعد الحرب العالمية الثانية.
الاعتراف بعاديات الإنسان ومواطن الضعف، كان جزءاً من الأدب والسياسة في فرنسا المعاصرة. أما العشيقة فكانت رمزاً من رموز الرجولة ومتعة الثرثرة في الصالونات. وفي أيام فرساي، كان التقرب إلى العشيقة أجدى من الحاشية الملكية، أو حتى إلى الحضرة الملكية نفسها. وفي السلطنة العثمانية، حلت هذه المشكلة البشرية بالجواري. العشرات، واحياناً المئات منهن. وكانت تسلم ادارة شؤون الحرملك إلى خصي، منعاً للقيل والقال.
حاول المجتمع البروتستانتي "البيوريتاني" في بريطانيا والولايات المتحدة ابقاء اخبار العشق بعيداً عن أعين العامة والسنتها. ولكن بعدما ذاعت اخبار جون ف. كينيدي ومخادع (ومسابح) البيت الابيض، انصرف المؤرخون إلى البحث في خفايا السِيَر المُغلقة، من روزفلت إلى ايزنهاور. ووفقاً للمؤرخين، فإن هاري ترومان الذي رمى اليابان بقنبلة ذرية، هو الوحيد الذي عاش حياة زوجية صارمة، خوفاً من صرامة زوجته. وإذ ظهر دونالد ترامب في افق السياسة الكبرى ودرب الرئاسة، تحول عشق القصور إلى وجبة سريعة وهامبرغر على الماشي. لا رسائل ادبية ولا حب ولا شعر. لقد جعل كينيدي خطيب تنصيبه شاعر أميركا روبرت فروست. ولا شك لحظة في انه اذا فاز دونالد ترامب فسوف يكون خطيب التنصيب مدير ملهى في لاس فيغاس. ومعه فرقته.
كانت سيرة فرنسوا ميتيران درساً في الضعف البشري، وفي الاستسلام له. وقد حرص على تدوينه، لمعرفته أن الفرنسيين يرون البطولة في هذا الضعف. ليس هذا وارداً في آداب الألمان، حيث كل ما عرفناه أن المستشار هلموت كول كان يأنس إلى رفقة سكرتيرته بينما كانت زوجته تنصرف إلى تأليف كتب الطبخ.
فيلسوف، مفكر، عاشق وسياسي. بعد أن يخرج الفرنسيون من اغواء ميتيران الجديد، سوف ينتبهون إلى انهم ليسوا أمام رسائل عشق، بل امام حالة بشرية. رجل يذهب إلى عالمة نفس، وزوجته إلى أخرى. ورئيس دولة يتصل يومياً بعاملة ثالثة كي تساعده في ضعفه الاخير على مواجهة الموت.
يقرر ميتيران أن ترافقه ماري دو هنزل في زيارته الرسمية للهند لكي يذهبا معاً إلى "الممرات الأخيرة إلى الموت" التي ترعاها الأم تيريزا. لكنه يغير رأيه فتذهب دو هنزل بمفردها وتجد ان الأم تيريزا ليست هناك. يقال لها: "لقد سافرت بعدما ابلغت أن ميتيران لن يأتي. كانت تريده أن يرى عذاب الفقراء".
(1) Marie de Hennezel, Croire aux forces de l'esprit, Fayard.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard