الرئاسة اللبنانية ليست مِنّة من أحد ولا ترضية لأحد

19 تشرين الأول 2016 | 00:00


كم نفتقدك اليوم يا غسّان تويني لتطلق في وجه ساسَة لبنان المُفلسين، صَرختك الشهيرة للعالم في الأمم المُتحدة عام 1978: "أتركوا شعبي يعيش!" فالشعب ينزف والدولة تتفكك بوتيرة مُقلقة والزعماء في ثرثرة رئاسية لا تُقارِب الأخطار المُحدِقة بالوطن والكيان. ويبقى السؤال، رئيس لمن؟ وعلى أية دولة؟ فلا كلام على إعادة تثبيت وتصحيح دستور الطائف الذي تم تحويره من دستور ديموقراطية عددية، يحفظ التنوع ضمن دولة واحدة، الى ديموقراطية توافقية أمست كونفدرالية طوائف. ولا كلام على رؤية الرئيس العتيد وخطته الاستراتيجية في أمور مِفصَليّة، ولا حديث عن قدراته وشبكة علاقته المُنزَّهة التي تُمكِّنُه من التحرُّك بسرعة وحِكمة مَحليّا وإقليميّا ودوليّا، لدرء الأخطار وتحييد لبنان. فالخطاب السياسي يَرقُص على إيقاعات كلمات كالسلَّة، والتفاهمات، وإعلان النوايا، والثنائيات. وكلها كلمات لمسارات تقاسم النفوذ والمَصالِح، تنقض الدستور في دولة مُقسَّمة لم يتم بعد إعلان كونفدراليتها. فمسار الحكم في لبنان منذ الطائف، هوتقسيمي كونفدرالي، أنتج "ثنائيات" طائفية هي اليوم القاعدة المُكوِّنة لدولة المُحاصصة الطائفية هذه وباب الدخول إليها. فالدولة اللبنانية ليست اليوم إلاّ دولة كونفدرالية مكوَّنة من أربع دويلات طائفية قائمة كل منها على ثنائية يُحرِّكُها "العصب الطائفي". وكل من هذه الثنائيات تساكنت مُجبرة في ما بينها، بعد أن تصادمت وأهرقت الدم بالأمس، وكل منها تحكم اليوم طائفتها وتختصر كل تنوع فيها. المشهد الرئاسي اليوم ليس إلا الحلقة الأخيرة لعملية تموضع هذه الثنائيات في ما بينها. فيبدو أن الثنائية المسيحيّة "الناشئة" حديثاً قبلت بالمسار التقسيمي الكونفدرالي ودخلت على الخط مُطالبة بحصَّتها من الثنائيات الأخرى التي سبقتها بأشواط في السيطرة على مفاصل ما تبقى من الدولة. فقدان البوصلة المسيحي هذا ليس إلا نتيجة حتمية للتناحر المسيحي في لبنان منذ الاستقلال وعدم قدرة المسيحيين الى اليوم على المُراجعة النقدية لأخطائهم ومساراتهم. فقبضوا منذ 1943 على السلطة ومفاصلها ورفضوا المشاركة الوطنية. فكانت بداية تحوير لآمال دولة دستور 1926 العلمانية الطابع والصعود الى الهاوية. فنمّوا بالمارونية السياسيّة، الطائفية السياسيّة على حساب القيمة الوطنية، فسقطوا هم وسقطت الجمهورية الأولى. فجاء الطائف في 1989 ولم يفهم المسيحيون، واستمروا في لعبة الرقص على الهاوية، فرفضوا توازنات دستور الطائف، وتناحروا وتصادموا في ما بينهم. فكانوا الأداة لدخول الوصاية التي استعملت الجميع وضربتهم وحوَّرَت توازنات دستور الطائف. فقامت السنيّة السياسيّة مُستفيدة من التراجُع المسيحيّ. وقامت من بعدها الشيعيّة السياسيّة للاستفادة من التراجع السني، خصوصاً بعد استشهاد الرئيس الحريري. وبدأت عملية نهش السلطة وتكوين الثنائيات. وبعد خروج الوصاية في 2005، لم تحصل المُراجعة المسيحية النقدية ولم يتم التأسيس لقاعدة مسيحيّة مُوسَّعة تضم كل الفعاليات والنخب يكون خطابها "وطنياً" يُعيد الزنبرك الى الساعة الوطنية. فذهب المسيحيون كل من جهته لدعم الثنائيات الأخرى المُتنافسة في ما بينها وعلى "الحصّة" المسيحيّة. فكانت محادل 8 و 14 القاتلة. ولم يوقف هذا التدحرج المسيحي انتخاب رئيس بالإجماع بعد أتفاق الدوحة. إلى أن وصلنا إلى الفراغ الرئاسي. فأكملت بكركي المسار الخاطئ بحصرها الرئاسة بأربعة أقطاب. وهذه مُعادلة إلغائية للرئيس والرئاسة، ألغت اثنين منهم، ودفعت باثنين منهم، الإخوة الأضداد، لتكوين ثنائية هشّة. فكان إعلان النوايا الذي يغوص في العموميّات والتناقضات، المكتوم فيها اكثر من المُعلن. فكيف مثلا يُمكن للنقيض المسيحي لمشروع "حزب الله" أن يتفاهم مع الحليف المسيحي الاستراتيجي للحزب؟ فعند ساعة الحقيقة من سيأكل من؟ الصحوة المسيحية مطلوبة اليوم، كي لا يسقطوا ويسقط لبنان نهائياً. فإعادة الدولة اللبنانية المخطوفة لا تتم من خلال تثبيت دولة الثنائيات، بل بالخروج منها من خلال خطة إنقاذ وطنية تأسيسية تعيد تثبيت الميثاق والصيغة، تضع إستراتيجية دفاعية وطنية جامعة يضبط الجيش اللبناني إيقاعها، تؤسِّس لسياسات إحياء دولة القانون ومُحاربة الفساد، وترسم خطة استثنائية لحماية لبنان وتحييده عن زوابع المنطقة المُتنامية من منطلقات لبنان أولا وتنقذ اقتصاده المُتلاشي ونقده المُهدَّد وتحل مُعضلة النازحين واللاجئين الخطيرة. عندها يكون الرئيس مشروع حل ولا تكون الرئاسة منّة من أحد ولا ترضية لأحد.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard