تحية الى ذوي النخوة

7 تموز 2013 | 00:00

حينما جاورتُهم على منصّة "الاتحادية" لألقي كلمتي يوم الأحد 30 يونيو، شعرتُ أنني أجاور شعب مصر كاملاً، متمثلاً في الثلاثة الشباب أولئك، محمود بدر، محمد عبد العظيم، حسن شاهين، لأواجه ملايين المصريين من الحشود التي ملأت شوارع مصر الجديدة جوار القصر الرئاسي الذي أهانه مرسي وحاشيته، مثلما حاولوا أن يهينوا اسم مصر، الذي لا يُهان.

يحقُّ لي، بمجرد تحرّر مصر، أن أطالب بوسام "قلادة النيل" الرفيع لأولئك الشباب الذين ابتكروا هذه الفكرة العبقرية التي كانت الشرارة الأولى في تحرر مصر من الطاغوت "الإخواني" البغيض. تعمدتُ أن أؤجّل تعرّفي الشخصي إلى شباب "حركة تَمَرَّد" إلى فترة طويلة، حتى أنتصر لـ"الفكرة"، وليس لـ"الأشخاص". فالأشخاص عابرون، والأفكار تدوم. أحببتُهم من دون ان أعرفهم، واحترمتُهم من دون أن أصافحهم. لأنهم فعلوا ما أخفقنا نحن، النخبة الثقافية والفكرية والسياسية في مصر، وما أخفقت أن تفعله الأحزاب المختلفة وكتلة المعارضة. لم يصدّعوا أدمغتنا على شاشات الفضائيات، ولم يرهقوا الميكروفونات بحناجرهم، ولم يثقلوا آذاننا بهتافات رنّانة لا تحمل سوى الصدى. بل صمّموا ورقة صغيرة بسيطة مكتوب عليها "تمرّد"، Rebel وتحتها أسطر عدة توضح أسباب وجوب سحب الثقة من المدعوّ محمد مرسي عيسى العياط، رئيس جمهورية مصر، بعد عام من استيلائه على السلطة بشراء ذمم الفقراء بأكياس السكّر وقوارير الزيت، وشراء ذمم البسطاء بمغازلاتهم بشعارات الإسلام. تحت عنوان "تمرَّد"، ثلاث خانات: الاسم، الرقم القومي، التوقيع. ثم طبعوا من هذه الورقة بضعة مئات طافوا بها الميادين والشوارع والبيوت. تفاعل الشعب مع أولئك الشباب بشكل هائل، لكأن كل مواطن مصري كان ينتظر يد السماء لتمتدّ إليه، فامتدّت في صورة "استمارة تمرّد". فكان كل مواطن يوقّع استمارة، ثم يأخذ واحدة فارغة يقوم بطباعتها على نفقته الخاصة مئات عدة أخرى، ويجمع عبرها توقيعات جديدة، حتى اجتمع خلال شهر ونصف شهر فقط، ما زاد على 22 مليون استمارة صحيحة الصوت مع نهار 30 يونيو ٢٠١٣، الموعد المزمع للموجة الثانية من ثورة يناير 2011، التي كانت كالطوفان البشريّ الهادر. وربما لو امتدت المدة لوصلت التوقيعات إلى 89 مليوناً ونصف المليون صوت، وهو تعداد الشعب المصري بعد خصم فصيل "الإخوان" (نصف مليون).
من هم شباب "تمرد"؟ كلّ ما في الأمر أنهم مصريون، يخشون على مستقبل هذا الوطن المهدَد. كل ما في الأمر أنهم لمسوا، مثلما لمسنا جميعا، كمّ التخريب العمديّ الذي يمارسه فصيل "الإخوان"، على حاضر مصر وتاريخها وهويتها وسيادتها بين الدول. كلّ ما في الأمر أنهم يكرهون "الكذب"، فخرجوا ضدّ مَن "إذا حدَّث كذِب"، ويكرهون "الحنثَ بالقسَم" فعارضوا مَن "إذا عاهد أخلف"، ويكرهون "الخيانة"، فعارضوا مَن "إذا أؤتُمِنَ خان"، ويكرهون "الفُجْرَ في الخصومة"، فطالبوا بإسقاط مَن إذا "خاصَمَ فَجَر". كلّ ما في الأمر أنهم شباب ذوو نخوة لم ينسوا دمَ الشهداء الذي نسيه مرسي وجماعته الإرهابية. لم يكتف مرسي بنسيانهم، بل أراق دماءً جديدة عند "الاتحادية" استوجبت القصاصَ منه، تماماً كما استوجبت الدماءُ الأولى القصاصَ من حبيب العادلي ونظامه الذي أسقطناه. كلّ ما في الأمر أنهم ذوو كرامة يرفضون أن تتسوّل مصرُ من العالم لتبني اقتصادها الذي دمّره مرسي، وأن تبيع لحمها (أراضيها) لمن يدفع من ذوي العُقال في قطر وغيرها. كلّ ما في الأمر أنهم شرفاء يحترمون القانون فخرجوا لإسقاط رجل اغتصب كرسي مصر باسم الديموقراطية، وما إن استقر له المقام حتى ركل الديموقراطية ودهس القانون وأصدر إعلانًا يجعل منه إلهًا فوق المساءلة. كلّ ما في الأمر أنهم أذكياء يعلمون أن الدستور يكتبه الشعب بطوائفه كافةً، فخرجوا ضدّ دستور لم يكتبه إلا المرشد. كل ما في الأمر أن ماء النيل يجري في عروقهم فقدّسوا هذه الأرض ورفضوا أن تغدو كعكة يوزّعها مرسي على أهله وعشيرته في حماس والسودان وليبيا وقطر وإسرائيل. كلُّ ما في الأمر أنهم أصلاء أغضبهم حال فقراء مصر الذين ازدادوا في عهد مرسي شظفًا، بعدما سرقت جماعة "الإخوان" السلع الأساسية من وقود وقمح وعقارات ليبتزوا الشعب المنهك ويسرقوا أصواته ويضمنوا ولاءه على مبدأ: "جوّعْ شعبَك يتبعك". كلّ ما في الأمر أنهم قرأوا التاريخ فأنبأهم أن الاحتلال الغربي كان أرفق من احتلال "الإخوان". لأن الإنكليز والفرنسيين ذوو علم وثقافة وتنوير، فأدخلوا في مصر خط السكة الحديد، والمطبعة والأوبرا والسينما والعلوم وغيرها من منجزات الغرب، وفكّوا لغز حجر رشيد، فقرأنا تاريخ أجدادنا العظام، بينما الاحتلال "الإخواني" لم يقدم إلى مصر إلا الخراب والتفتيت بمعول حثيث يعمل على مدار الساعة. لأنهم مصريون مستنيرون، رفضوا تصديع النسيج المواطني الذي يمارسه "الإخوان" وأتباعهم فجعلونا شيعًا فرقاء متناحرة. لأنهم واعون بخطر الشاطر، أطلقوا حملة "تمرّد" لسحب الثقة من مرسي العياط بجمع ملايين التوقيعات لإجبار النظام الفاشي على الرحيل؛ لاختيار رئيس مدني يُصلح ما أفسده "الإخوان". حملة قوبلت بترحيب المصريين في أنحاء مصر.
تحية احترام لبعض رموز "تمرد": محمود بدر، محمد عبد العظيم، حسن شاهين، وغيرهم من أبناء مصر البررة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard