كتاب عبدالرؤوف سنو: العلاقات السعودية - اللبنانية

1 تشرين الأول 2016 | 00:00

في كتابه "السعودية ولبنان: السياسة والإقتصاد 1943-2011"، يقدم عبدالرؤوف سنو دراسة مستفيضة وشاملة في جزءين لأهمية تلك العلاقات، السياسية منها والإقتصادية ومسارها التاريخي، كما المصالح المشتركة، منذ تكون لبنان الحديث بعد نيله الإستقلال عام 1943.

تأتي أهمية هذا الكتاب كونه يوثق مرحلة تاريخية وحديثة لمجمل الحضور السعودي في السياسة اللبنانية. (النشر والتوزيع لـ"دار الفرات" في بيروت 2016). ويشمل هذا البحث الموسوعي موثقاً مفصَلَ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وما شهده البلد قبل وبعد من أحداث سياسية وتوترات دموية وسقوط حكومات، وصولاً الى إسقاط حكومة نجل الراحل.
يقدم المؤلف للكتاب بالكلام عن علاقات المملكة السياسية والإقتصادية بلبنان خلال المرحلة الأولية من الإستقلال التي تجلت إهتماماً به، بعيداً من التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية، فضلاً عن دعم صيغة تعايش طوائفه، التي رأت المملكة أنها تقوم على جناحيه المسلم والمسيحي.
ثم أضحت العلاقات بين البلدين أكثر عمقاً، منذ حرب لبنان حيث "انغمست المملكة في الأزمة اللبنانية للمساعدة على إيجاد حل سياسي لها، وذلك عبر مبادرات عديدة، توجت في آخر الأمر بإتفاق الطائف".
في فصول ثلاثة مليئة بالتوصيف والتوثيق والتحليل، نجح المؤلف في عرض علاقة المملكة بإشكاليات السياسة اللبنانية وتطوراتها منذ اندلاع الحرب وصولاً الى "اتفاق الطائف".
وكان المؤلف حدد هذه الإشكاليات فاختصرها بكيفية تعاطي المملكة الفاعل على الساحة اللبنانية في ضوء بعدها الجغرافي عنها، أيضاً وقوع لبنان في دائرة الجيو - بوليتيك لكل من إسرائيل وسوريا، وأخيراً إيران. إضافة الى ذلك، عدم وجود أحزاب أو ميليشيات تابعة لها إذ أن علاقاتها بالقوى اللبنانية لا ترقى أبداً الى مستوى علاقات سوريا بحلفائها اللبنانيين والفلسطينيين، ولا الى علاقة "حزب الله" بإيران.
وبالمجمل بدت السعودية غير قادرة على التأثير في الأوضاع اللبنانية، مع العلم أن تحركها الديبلوماسي كان يأخذ بعين الإعتبار السياسة الأميركية تجاه المنطقة ولبنان.
أعطى سنّو شواهد كثيرة، منذ الستينات وحتى سقوط حكومة سعد الحريري في 12 كانون الثاني 2011، على ضعف السياسة السعودية تجاه لبنان وتباينها في بعض الأحيان. وبرأيه أنه في تلك الحقبة، ما قبل "الطائف"، كانت المملكة تتحدث عن نقيضين لا يجتمعان، هما الحفاظ على سيادة لبنان من جهة وحرية النشاط الفدائي الفلسطيني على أرضه من جهة أخرى. وعام 1979، سحبت وحداتها العسكرية من لبنان وهي في ذروة دعمها له، تاركة الجيش السوري وحده في الميدان.
كما لم تتمكن من وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982 ولا منع إقتحام عاصمته. وفشل السعوديون بين عامي 1978 و1984 في حل أزمة لبنان، وعجزوا عن إجبار سوريا وإسرائيل على سحب جيشيهما منه، حتى أنهم لم يستطيعوا أن "يمونوا" على النظام السوري للإبقاء على ياسر عرفات في لبنان، وبلغ الأمر أنهم "توسلوا" الأسد خلال حرب المخيمات الفلسطينية (1985 – 1987) لإيصال الامدادات إلى المخيمات. صفحات (126 – 213).
عن إقرار "الطائف"، يقول المؤلف إنه جاء وفقاً لمسار سعودي أساسه "تهدئة الأوضاع في لبنان". ويرى أن "الجهد السعودي اللافت منذ عام 1975 الذي تحول إلى دور في الثمانينات، حيث سجلت المملكة نجاحات محدودة هنا وهناك، من دون أن تتمكن من تحقيق حل جذري ونهائي للأزمة اللبنانية، تمظهر عام 1989 في مبادرة حصلت على دعم دولي". (ص 305).
ويضيف أن ثمة عوامل دفعت المملكة للسير قدماً في المبادرة التي انبثق عنها "إتفاق الطائف" وهي:
- الإنهيار الدستوري والأمني الخطير الذي لحق بلبنان بعد تعذر إجراء إنتخابات رئاسية عام 1988 وتعيين قائد الجيش العماد ميشال عون رئيساً لحكومة إنتقالية مقرها بعبدا، وقيام حكومة مضادة في الشطر الغربي من بيروت برئاسة سليم الحص تدّعي الشرعية لنفسها فيما هي ترزح تحت النفوذ السوري.
- حرب التحرير التي أعلنها العماد عون على سوريا في آذار 1989، وتجاوزت خطوطاً حمراء إقليمية، مما زاد من الشرخ السياسي، وألهب الوضع الأمني اللبناني.
- رغبة أميركية في إنهاء ملف الأزمة اللبنانية.
- رغبة عربية في تعريب الأزمة اللبنانية، وهو مسعى سعودي في الأساس بدأ عام 1975 وتواصل رغم الإخفاقات العديدة.
- التوافق السوفياتي – الأميركي على تسوية الوضع اللبناني بعد إنتهاء الحرب الباردة.
يلخص المؤلف السياسة السعودية اللاحقة تجاه لبنان مع مجيء الحريري إلى الحكم، بأنها "مرحلة جذب السوريين للإمساك بالوضع الداخلي، وتحديداً بـ"حزب الله"، الذي كان نفوذه يمتد على الساحة اللبنانية ويمثل حالة شيعية أصولية مرفوضة من قبلها". وتحفظت الرياض تجاه كل ما يزعج سوريا في لبنان، وكان يهمها بالدرجة الأولى أن يكون لبنان مستقراً وهادئاً، وأن يصل رفيق الحريري إلى رئاسة الوزراء لتثبيت الإستقرار وإعادة الإعمار والحفاظ على مصالحها وفتح آفاق الإستثمار أمام مواطنيها، وكان ذلك يتطلب توافقاً مع سوريا.
إنصب سخط السعودية على النظام السوري إثر إغتيال الحريري فاعتبرته مسؤولاً عن الجريمة التي وقعت في ظل هيمنته على البلاد، وأن ما حدث يستهدف شطب دورها في لبنان والمنطقة.
وبرأي المؤلف أن "السعوديين إعتقدوا أن بإمكانهم ملء الفراغ في لبنان في حال خروج السوريين منه. لكنهم تناسوا قوة "حزب الله" وإيران على الساحة اللبنانية عبر التكتل الذي حمل إسم قوى 8 آذار". و"تركز اهتمام المملكة بعد إغتيال الحريري على هدف واحد، وهو إبعاد شبح الحرب المذهبية عن لبنان بين السّنة والشيعة، وتمتين الوحدة الوطنية، وإنتخاب رئيس للجمهورية خلفاً لإميل لحود، وألا تتحول البلاد بؤرة للإرهاب. لذا، زادت من لقاءاتها الثنائية مع إيران حول لبنان".
بعد أزمة إنتخاب رئيس خلفاً للحود، وفور "إجتياح بيروت" من جانب قوى "حزب الله " و"8 آذار"، أدركت المملكة ضعف حلفائها على الأرض وأن عليها الحفاظ على ماء وجهها بأن يكون لها دور في إستعادة الهدوء في البلاد. وأيدت "اتفاق الدوحة" الذي أدى إلى إنتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. هنا، في هذا المفصل، يرى المؤلف أن دور السعودية تراجع إلى حين قيام برلمان 2009. وخسرت السعودية أمام سوريا وإيران. ويلخص الأمر بفكرة تبناها، وهي أنها أي السعودية، لم تجرؤ، ولا مرة واحدة، على لعب "سياسة حافة الهاوية" التي أجادها السوريون.
إلى ذلك، عاملان لعبا دوراً مهماً في تفعيل العلاقات الاقتصادية. أولاً صعود الإقتصاد السعودي بعد الطفرة النفطية عام 1973 وتوظيف إستثمارات ضخمة في برامج التنمية الإجتماعية والإقتصادية، ما حوّل السوق السعودية قوة إمتصاص لكميات ضخمة من السلع والمنتجات الصناعية. أما العامل الثاني، فهو نظام لبنان الإقتصادي الحر وتحوّل بيروت بعد إنشاء إسرائيل إلى مركز إستقطات للتجارة والمال والخدمات. وبإقفال قناة السويس عام 1967، تحول جزء كبير من تجارة الخليج إلى لبنان.
يبقى القول إن من الصعوبة بمكان الإحاطة بكل محتويات الكتاب الموسوعي في هذه الأسطر. غير أن ما أوردته أعطى على ما أعتقد بانوراما مختصرة لمسار السياسة السعودية وإقتصادها خلال كل تلك السنوات الغابرة. وقد حاولت أن أكون في ما نقلته عن المؤلف أميناً على إظهار هذا التوثيق وتلك المواقف والتحاليل، بمعزل عن كل الآراء والإتجاهات المغايرة لرأيه.

كاتب لبناني

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard