إمّا أن يكون محامياً للأرملة واليتيم أو فليختر مهنة أخرى

30 أيلول 2016 | 00:00

مارس صلاح مطر المحاماة برهافة شاعر، والشعر باحتراف محامٍ، حتى قال فيه انطون قازان إنه "يجيد وضع اللغة العربية والأدب في خدمة المحاماة"، فجعل المهنة في خدمة الأرملة واليتيم، ونظم الشعر في خدمة الانسان والأوطان.
حدبه العدل، وله فيه جولات، وليس القانون إذا كان ظالماً، فالعدالة فوق القانون. فكيف تصير فوقه؟ حين تكون العدالة دفاعاً عن المظلوم، وليست تبرئة للجاني، والدفاع عن الأرملة واليتيم ولو مجاناً (حالة أم عادل) واحقاق الحق للفقير المقهور من موكلك الغني المتسلط، كمثل الاستاذ المظلوم في وجه صاحب المدرسة الظالم.
ذكرياته في كتابه "قبل المحاماة وفي ساحاتها" فيها الكثير من الشعر وطرائف مناسباته، قدر ما فيها من أخبار المحاماة. هو في المحاماة استاذ وفي الشعر تلميذ "عبقر".
سأختار من الشعر ما قاله في الشيخ عبدالله العلايلي بعد وفاته، وكانا صديقين يتشاوران في القضايا الادبية واللغوية والوطنية:
العاصفات عتت على أبوابي
فتحطمت إرباً وراح صِحابي
أنعي الى الأعراب بدر سمائهم
يهوي شهيد الضاد والآداب
وسبق ذلك، كما يروي، أن لفت العلايلي بيت من الشعر، ورد في قصيدته في ذكرى الأديب الخوري يوسف الحداد، فاتصل به، قائلاً: "رُبّ بيت يساوي قصيدة أو أكثر. والبيت المقصود:
وكم تعزّت وعزّت كربلاء بنا
وكم حملنا عن المصلوب صلبانا!
رفع راية العلمانية، وهي جذّابة دائماً للمثقفين، ومحبطة لهم في آن ما دام الاجتماع السياسي طائفياً، والنفوس نخرها سوس المذهبية، وآنذاك كان اللبنانيون يأملون في أن تعلو بهم العلمانية عن الطائفية، لكنهم ابتلوا بطبقة سياسية، عدا فسادها، ميزتها تقاسم الحصص الطائفية.
أمّا القضاء، فعدا صولاته وجولاته في قاعات محاكمه، لم يره فاعلاً ولا قادراً، إلاّ اذا كان مستقلاً معزّزاً عديداً ورفعةً. والكل يكون متكاملاً أو لا يكون. فها إن الزيادة الكريمة في الرواتب لم تغيّر واقع القضاء المتهالك.
وصف صلاح مطر نفسه بأنه جاء "ثورة على هذا العالم"، إذ جاء الدنيا عام 1940 في يوم عاصف من تشرين الثاني في تنورين البلدة الجبلية العالية. تلقّى دروسه الأولى في دير الراهبات، ثم في مدرسة شلّيطا، حيث تعلّم (الألف مثل القضيب، الباء مثل الصحن ولها نقطة من تحت، والطاه مثل المِهدّة...) وفي مدرسة المعارف بدا منتظماً و"حريصاً دائماً على أن أجلب معي (شقيّة) للموقدة"، فمن لا يفعل يطرد.
عام 1952 الى مدرسة الفرير في جبيل، مع مظاهر صعوبات اكتساب العلم آنذاك، لكن التفوق يضيّق على ضيق ذات اليد، فيقفز التلميذ من صف الى صف في سنة واحدة. وانتقال الى الكلية اللبنانية في الشويفات، وعودة الى الفرير. وفي كل ذلك كان ينمو في نفسه حب العربية واكتسابها والتفوق فيها. أما البريفيه ففي عينطورة تلميذاً داخلياً عام 1955، والبكالوريا في معهد الرسل في جونية. وتعلّم عروض الشعر وبحوره على الاب بولس يونس، وأخذ ينظم الشعر.
وبعد النجاح في البكالوريا والفلسفة عدل عن تعليم الأدب العربي الى الحقوق (اليسوعية 1955) بعدما نصحه الاب يوحنا قمير بذلك، إذ قال له: "هذه المهنة تدافع عن الفقراء والضعفاء"، ووصفها فولتير بأنها "أشرف المِهَنْ" اذا دافعت عن الأرملة واليتيم. والى التخرّج عام 1963. خلال مرحلة الدراسة أربع سنوات، مارس مهنة التعليم شافياً غليله.
باشر تدرّجه في مكتب النقيب جان نفاع "بمونة" من سعيد عقل.
وأبرز ما مرّ به أنه استقبل ملك المغرب في المكتب عام 1966 كمدّعى عليه من سائقه بعدما طرده من عمله. فكان ملكاً في تصرفه وتعويضه على السائق.
عام 1967 انتقل الى مكتب النقيب فيليبيدس، وحصل منه بصفته وكيل شركة "الفارك" على تعويض لأحد موكليه. كما أنه ترافع في وجه الدستوري ادمون ربّاط.
وانتقل الى مكتبه الخاص عام 1969. فتلقى دعوى موكل ضد البطريركية المارونية، فسعى الى حلّها حبياً، وهكذا كسبها. أما الحكم بالبراءة من الاحتيال، فأدى بالمتهم الى الزواج بحبيبته.

قانون تملّك الأجانب
كان قد صدر عام 1969 قانون تملّك الأجانب، الذي يجيز للعربي أو لمن هو من أصل لبناني تملّك 3 آلاف م2 في محافظة بيروت و5 آلاف في سائر المحافظات، دون أي ترخيص من مجلس الوزراء.
اعتبر كثيرون من رجال القانون أنّ القانون مجحف في حق لبنان وأرضه وعمّت موجة من الغضب. واذ كان المؤلف في زيارة لنقيب المحامين آنذاك ادمون كسبار وجده يتناقش مع أحد النواب المحامين في هذا القانون، قائلاً بغضب: كيف توافقون، أنتم النواب، على مثل هذا القانون؟". فأجاب: لا تخف، يا حضرة النقيب، لأن كل شيء مدروس ولا خوف على أرض لبنان.
ونظر النقيب الى مطر، سائلاً: "ما رأيك يا ابني في هذا القانون؟". أجبت هذا القانون سيئ وأنا أوافق على إجارة للعقارات طويلة تجيز البناء أو الاستثمار من دون التملّك الذي يبقى فقط للبنانيين. ولكن لا أوافق مطلقاً، لأن مساحة لبنان صغيرة، وفي أرضنا دماء أجدادنا وعظام أبطالنا".
فانتفض النقيب، وقال لي: "شفيت كل جروحي وأثلجت صدري".
وتوجه الى النائب بلهجة قاسية: يا فلان، هذا القانون يجب أن يُعدّل في ضوء ما سمعت". ولاحقاً عدّل هذا القانون، "ولكن التعديل لم يكن كافياً"، بحسب مطر.
كتبت أمل حداد نقيبة المحامين سابقاً في مقدمة الكتاب:"العمر لا بدّ من أن يمرّ بسيرة ذاتية، تروى بصدقٍ، وشهادات حيّةٍ، أمّا النفس ففيها حكايا تطارد الزمن، يجب أن تقال، وتعلَنَ للإفادة، وهل أفضل في حياة المرء من حَمْل الحرف ينقل أحاديث العمر على شقّ القلم؟".

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard