رسالة من ناهض حتّر

27 أيلول 2016 | 00:00

(عن الانترنت).

في يوم وداعه، اقتطف من نص رسالة وجّهها إليّ ناهض حتّر ونشرت في الزميلة "الاخبار" في 6 ايار2008، علّها تضيء على بعض جوانب رؤيته للنضال والقيم الانسانية، هذه الرؤية التي دفع ثمنها حياته:

"الرأسمال الرمزي، أيها العزيز، هو أثمن ما يملكه إنسان. أعني ذلك الرصيد من الصدقية والاحترام الذاتي والانفة والمشاعر المتّقدة ضدّ التعصّب والظلم والخطأ والفساد، والإحساس التلقائي بما هو عادل، وحب الوطن والناس والحقيقة، وما ينجم عن ذلك من الحضور الخاص لدى أصحاب الضمائر. الرأسمال الرمزي لا نصنعه في صفقة، ولا يمكن بناؤه بضربة معلّم، ولا ينشأ بقرار حكومي أو حزبي أو طائفي أو عشائري، ولا يفرضه منصب، ولا يمكن تحصيله في برنامج زمني. إنّه نسيج حيّ من حياة كاملة من المواقف والتضحيات والاصطفاف في الخندق الصحيح والولاء للشعب والآلام والثبات والكبوات والنهوض، ونظافة اليد والضمير، والإنسانية والغيرية.
(...) الآن، هناك جديد نوعي في تاريخ الصراع الاجتماعي والسياسي الكوني يؤكّد، على الأقل، أنّ الصراع هو الثابت، وأنّ موازين القوى متغيّرة. يمكننا الآن مرّة أخرى أن نناضل، ولدينا ما نقوله ونفعله في مواجهة الأعداء والحلفاء. لكن الأمر الأساسي هو في استعادة نظرتنا الأصلية للسياسة. فهي عندنا ليست فن الممكن، بل فنّ تطبيق الأخلاق في الحياة العامة. إنّ مداخلتنا هي بالأساس مداخلة أخلاقية مسلَّحة بالفكر النقدي والتنظيم. نحن لا نعترض فقط على الإمبريالية، ولكننا نعترض على الحرب والسيطرة والوصاية، بكل أشكالها وألوانها. ونحن لا نعترض على العنصرية الصهيونية فقط، بل نعترض على كل عنصرية وطنية أو دينية أو طائفية أو مذهبية. ونحن لا نعترض على الرأسمالية فقط، ولكننا نعترض على نمط الحياة الرأسمالي الاستهلاكي المعادي للروح وإنسانية الإنسان. نعم، لسنا مادّيّين - كما يُقال عنّا - إلّا في أدوات التحليل الاجتماعي، ولكننا أهل المثالية وورثة حركاتها وأنبيائها وقيمها. نحن ملح الأرض، فإذا فسد الملح...
(...) نحن، بالطبع، مع المقاومة، كفكرة وكممارسة، على أن تكون وطنية جامعة لا جزئية، في لبنان كما في العراق كما في فلسطين. والمقاومة بالنسبة إلينا إنسانية، هدفها صدّ العدوان والاحتلالات وتفكيك نظام السيطرة الأميركي والكيان الصهيوني، لكننا لسنا في خندق العداء للغرب أو لليهود. نحن نمضي نحو يسار اجتماعي يتخطّى السياسة اليومية وزواريبها، ويتخطى الحدود، ويبشر بالزمان الجديد والأخلاق الجديدة لحياة يحكمها الضمير لا المال ولا السلطة، وتبهجها أنوار الروح، لا شره الاستهلاك المضاد لبقاء البشرية: إنْ يملأ الحقّ قلبكَ تندلعُ النارُ، إنْ تتنفّسْ ولسانُ الخيانة يخرسْ. من يملك نار الكلمات، يملك الآتي".

amine.kamourieh@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard