لبنان والنّازحون - اللّاجئون من سوريا: تأبيدُ انهيار الدَّوْلة!

27 أيلول 2016 | 00:00

فُسحة أمل في أحد مخيمات اللجوء في لبنان. (الأرشيف)

منذ عام 2011 ثمة تعامٍ استثنائيّ عدا الشِّعارات عن أنّ أزمة النازحين–اللّاجئين من سوريا هي كيانيّة. قد يكون هذا التّعاطي نتيجة جَهْلٍ أو تجاهل، تواطؤ أو تقاطع مصالِح، هروب أو قرار ضُمنيّ بترك الأمور على غاربها حتّى التآكُل التّراجُعي لإمكانيّة مُعالجة أزَمَةٍ بحجم موازٍ لنصف الديموغرافيا اللّبنانيّة.

ها نحن في أيلول 2016 ما زلنا في التّعامي ذاتِه، ما يؤكّد التصدُّع البنيويّ في خيارات شبه الدّولة المتبقّي للموازنة بين سيادتِها المشلّعة وحقوقِ مواطنيها المُسْتَباحة حتّى النّخاع من ناحية، كما احترام كرامة ضيوفِها القسريّين من ناحِيةٍ أُخرى، بحسب الإمكانات المُتاحة إنّما من خلال رعايةٍ إقليميّة ودَوْليّة مُتكامِلة ومُسْتدامة حتّى إنجاز العَوْدَة.
في هذا السّياق التصدُّعي برز الاجتماع الدولي حَوْل حرية اللّاجئين والمُهاجرين في العالم، والذي عقدته الأمم المتّحدة في نيويورك في 19 الجاري، وإذا ما كان ما نبتغيه من مُقاربتنا في هذه العُجالة الإضاءة على سِمات انهيار الدّولة في إدارة أزمة النّازحين–اللّاجئين من سوريا، أكثر منه التفكُّر في خلفية ومخرجات الحدث الذي ذكرنا، فإنّه قد يكون مفيداً في مكانٍ ما التأكيد أنّ لبنان ما زال في بدائيّةٍ كارثيّة في مُعالجة هذه المسألة بل استرسال انتحاريّ شِعاراتيّ يُمارس على المنابِر وفي الصّالونات دونما إدراك لتداعياتٍ مُدمّرة على كلّ المستويات المجتمعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة (بمعنى الأمان الإنساني) والديبلوماسيّة والثّقافيّة والبيئيّة، فيما هُناك في المُقابِل انتِشاء سياسي بإبقاء هذه القضيّة الوطنيّة إمّا في حيّز المُهاترات، أو في حيّز المساومات، إلى أجَلٍ قد نُمسي فيه نحنُ بحُكم النازحين–اللّاجئين نتقاسم وهؤلاء شَطط اللّاحِكمة واللّارؤية واللّاقرار.
فما هي المبادئ المؤسّسة التي حَكَمت تعاطي لبنان – السّلطة مع قضيّة النّازحين – اللّاجئين من سوريا حتّى الآن؟ وإنّنا إذ نورِدها باقتِضاب، نجدُنا مضطرّين للإشارة، بأنّ بعضاً منها، دون جواز المُقارنة، قد حَكم تعاطي لبنان–السّلطة مع قضيّة اللّاجئين الفلسطينيّين بعد عام 1990 حتّى حينه، مع محاولات تصويب أُطلق عليها النّار من مصادِر متعدّدة، لغاياتٍ في نفس يعقوب.
أ‌. الديماغوجيا سِمَةٌ أولى حيثُ تمّ إنتاج فرضيّاتٍ من عَسْكرةٍ حتميّة لمراكِز إيواء موقّتة تنظيميّة إلى توطينٍ بقدَريّة فائضة، فبُتنا في تشتيتٍ ديموغرافي وتهويل استِسلاميّ.
ب‌. الشّعبويّة القائمة على استنفار غرائز واستِقطاب قواعِد في مُعَسْكراتِ السّلطة المتناقضة سِمة ثانية فبُتنا في حيّز الخطابات ومضادّاتها ليس إلّا.
ت‌. الفوبيا–التخويفيّة حيث استِحضار التجربة مع اللّاجئين الفلسطينيّين لتجذير التّقابُل الصّدامي أكثر منه الاعتِبار من التّاريخ سِمة ثالثة فبُتنا مُنحازين لردّاتِ فعلٍ غير علميّة. مقاومة الخطر تبدأ بإدارة الأزمة لا بزيادة منسوب التوتّر حول مسبّباتها.
ث‌. التوسّليّة–الإغاثيّة– التمويليّة في طلبٍ لمواردٍ دون استراتيجيّة أو قنواتٍ فعّالة وشفَّافة للصّرْفِ سِمة رابعة، جعلتنا في نَحِيبٍ استِرزاقيّ أكثر منه في تأكيدٍ على حقوقنا وحاجاتِ مجتمعاتنا المضيفة المُتأتيّة عن الأزمة.
ج‌. الارتِجال في اتّخاذ اجراءاتٍ تنظيميّة وإداريّة وحتّى رقابيّة بَلَغَت حدّ التّناقض هو سمَةٌ خامسة ما يَضَعُنا في مصافّ الدّولة الفاشلة. الأردن وتركيا أثبتا كم هُما دولتان حريصتان على أمنهِما القومي. فهل نتّعظ؟
في هذه السّمات الخمس غرِق لبنان، بل أغرقته السُّلْطة فارضة تعجيزاً لإدارة الأزمة، مكتفيةً بخليّة وزاريّة دون مرجعيّةٍ موحّدة، وإجراءات إداريّة ترقيعيّة دون مخطّطٍ توجيهيّ، وخُطَب مزايدات سياسيّة وإعلاميّة، وفَوْضى في السُّلُطات المحليّة، وهذا كُلُّه أوصَلنا إلى أوْجُه مِحْوَريّة للأزمة التي باتت في القِيم والهُويّة، في الموارد وإمكانيّة استِدامتِها، ونشوءٍ مُقْبِل لتوتّراتٍ بين مجتمع النزوح ومجتمع الإستِضافة.
إستَرْسَل لبنان–السُّلْطَة في النّحيب والصُّراخ والاتّهام المؤامراتيّ لمجتمع دَوْلي يُريدُ التَّوْطين للّاجئين أو العمل على دمجهم في المجتمعات التي وفدوا إليها، وفي هذا الاسترسال كثيرٌ من خوفٍ مشروع، إذ إنّ الأمم المتّحدة، وفي تقرير أمينها العامّ بتاريخ (21/4/2016) تحت عنوان: "بأمان وكرامة: التَّعامُل مع التحرُّكات الكبيرة للَّاجئين والمُهاجرين"، شرَّعت الأبواب أمام تساؤلين بنيويّين في هل هي بِصَدَد المُساهمة في حلٍّ سياسيّ يُعيدُ هؤلاء اللّاجئين إلى أرضهم؟ أم هي، وبفعل عجزها وثِقْلِ آليات التّمويل الإغاثي، وترقُّبها لشحّ الموارد، صمَّمت على تحويل أزَمَة اللَّاجئين من دَوْليَّة إلى إقليميَّة فمحليّة، وبمعنى آخر، وضعها على عاتِق الدُّول المضيفة؟
وما زاد في هذا الخَوْفِ المشروع، ومأزقيّة التَّساؤلين البنيويّين اللَّذين أسْلَفْنا ذِكْرَهُما، ما ورد في التّقرير المرفوع إلى الجمعيّة العمومية للأمم المتّحدة بتاريخ (5/8/2016) والذي يُعالِج مسألة الحركة الكثيفة للّاجئين والمهاجرين على حدٍّ سواء، إذ إنّ التّقرير المذكور، وعلى أدبيَّات حقوق الإنسان الأمميّة التّقليديّة التي يختزِنُها، لم يأخُذ بعين الاعتِبار هواجس الدُّوَل المضيفة، وحديثنا هنا تحديداً عن لبنان، ولم تكن إشارةٌ فيه جديّة إلى تقاسُم الأعباء أو حتَّى تزخيم المُساعدات، وكأنّنا بُتنا في أمْرٍ واقِع تحتاجُ فيه الدّول المضيفة إيجاد الحُلول لديموغرافيا باتت توازي أقلَّه في لبنان والأردن نصف ديموغرافيّتِها.
من هُنا يتبدَّى جلياً أنَّه بِقَدْرِ ما استرسل لبنان في النّحيب والصُّراخ والاتّهام المؤامراتيّ، وبِقَدْرِ ما اسْتَقَال من بِناءِ ديبلوماسيَّةٍ هجوميّة كتِلك التي قام بها الأردُن (مشاركة د. قعوار في إعداد التّقرير الأخير)، أو كتِلك التي قامت بها تُركيا في مُفاوضتِها الاتّحاد الأوروبي، وبِقَدْرِ استِرْسالِه في مُقاطعة الشرعيّة الدَّوْليّة بمعنى موازاتِها بَدَل ملاقاتِها، وبِقَدْرِ ترهُّل تواصُلِه مع الشرعيَّة العربيَّة ممثَّلةً بجامعة الدول العربيّة، وبَقَدْرِ ما نحا إلى تشتيت مرجعيَّة معالجة أزمة النَّازحين–اللَّاجئين في وزاراتٍ تحتَكِمُ إلى استنسابيّة مرجعيَّاتِها السّياسيَة أكثر منه إلى استراتيجيّة وطنيّة تستنِدُ إلى المصلحة الوطنيّة العُليا وأمن لبنان القوْمي وسِلمِه الأهليّ، بالقَدْرِ عينه نجِدُنا أمام تقاعسٍ للمجتمع الدَّوْلي لتأدية مهامِّه بِشَكْلٍ فاعِل، أكان على مستوى توفير مقوِّمات الصُّمود لمجتمع النَّازحين–اللَّاجئين والمجتمع المضيف، أو على مستوى المواءَمة بين حقِّ العَوْدَة الطَّوعيَّة وضرورتِه القسريّة من ناحِية وواجب تأمين مقوِّمات هذا الحقّ من ناحيةٍ أخرى أكان في مناطِق حدوديّة عازلة كمرحلة أولى بلوغاً إلى المناطق الآمنة داخل سوريا كمرحلة ثانية، وبَيْن هذين القّدْرين اللُّبنانيّون يدفعون الثَّمَن، فما العمل؟
تأخَّرْنا نعم، لكنْ لا بُدَّ من المُبادرة ولو تأخَّرْنا، كيما نَقِي ذواتِنا والإخوة النّازحين–اللّاجئين شرور انفِجاراتٍ وتوتّراتٍ مدمِّرة، وبالتّالي نحنُ مدعوّون للانتقال إلى سياسة وطنيّة صارِمة عنوانها تنظيم الوجود (بعدما فشِلنا في تنظيم الوفود). وتنظيم الوجود يحتاج آليّاتٍ من مراكِز الإيواء الموقّتة بالتّعاون مع السُّلُطات المحليَّة (البلديّات واتّحاداتِها)، إلى تأمين الخدمات الإغاثيّة والاستشفائيّة والتربويّة من خلال الأمم المتّحدة، فتصنيف تخصُّصي بين الكِتلة السُّوريَّة العامِلة وتِلك النازحة اللَّاجئة، إلى الدَّفع العلميّ باتّجاه موضعة النَّازحين–اللَّاجئين في مناطِق حدوديّة عازلة برعايةٍ أُمميّة بانتِظار توفُّر مناطِق آمنة داخل سوريا، ثمَّ ماذا عن تنظيم التَّعاون مع هيئات الأمم المتّحدة وبرامجها، والقطاع الخاصّ، وهيئات المجتمع المدنيّ، بما يحدّد مسؤوليّاتِ كُلٍّ منهم تُجاه مجتمع النّازحين–اللّاجئين من ناحِية، والمجتمعات المُضيفة من ناحِية أخرى، ناهيك عن حماية اليد العامِلة اللّبنانيّة وتنظيم الحاجة إلى تِلك غير اللّبنانيّة، بما يَجْعَلُنا أمام دَوْرة اقتصاديّة منتِجَة تُنمّي الاقتِصاد ولا تُرْهِقُه، وكم كان مفيداً البحث في دور لبنان عند انطِلاق إعادة إعمار سوريا، بما يقتضيه ذلك من استعدادات على كلِّ المستويات.
لُبنان والنّازحون–اللّاجئون من سوريا، بَدَل أن نكون فيه أمام فُرصةِ دَوْلة ذهبنا قدمنا في تأبيدِ انهيارِها ... أمَلُنا أن يعُود هؤلاء إلى دولتهم نعم لكنْ ليس على أشلاءِ دولتنا!
المجتمع الدّوْلي يحترمنا إن كنّا دَوْلة بِدايةً، ونُلْزِمُه بخياراتِنا والتكيُّف معها، أو على الأقلّ نَجْعَلَه يُصْغي إلى هواجسنا إنْ أحسنّا إدارة الأزمة بصرامة وفاعليَّة... قد نحتاجُ أن نوجِعَهُ كي يَفْهَم وَجَعنا، إنّما بمعايير القانون الدَّوْلي والسّيادة المكتمِلة وليس بمعايير السياسويَّة اللّبنانيّة... وماذا يُفيد حين ينتقد صاحب القرار عجزه عن تنفيذ أيّ قرار، أوليس هذا مضبطةُ اتّهام بتواطؤٍ انتحاريّ ما يُمارِسُهُ تحت شعار العجز؟

خبير في شؤون اللاجئين

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard