سينما - كارلوفي فاري 48: فرنسي يسقط في فخّ الاسلوب الفانتازي المفتعل وينسى القلب إيطالي يذكّر السياسيين بالحرية ومأساة الغجر في ملحمة بديعة

4 تموز 2013 | 00:00

الآتي من الشرق الحار، بطقسه ومستجداته السياسية وغلياناته، قد يشعر بالذنب الممزوج بالندم، لوجوده في مدينة كارلوفي فاري بهدف المشاركة في الدورة الثامنة والأربعين للمهرجان السينمائي الذي يحمل اسم المدينة، والذي يُعقد هذه السنة من 28 حزيران الى 6 تموز. فهذه المنطقة البوهيمية، ذات الطقس البارد نسبياً حتى في عزّ الصيف، بعيدة من كل مظاهر الحياة العصرية وضوضاء العواصم الكبرى.

على الرغم من ان هذا الوادي الذي يحتضن المهرجان ليس محجاً للنجوم، كما الحال في كانّ أو تورونتو أو البندقية، فهناك في كل دورة عدد منهم. هذه السنة، نجم الافتتاح كان الممثل الأميركي جون ترافولتا، الذي سيبلغ الستين في السنة المقبلة، والذي جاء ليتسلم جائزة "الكرة البلورية" عن مجمل أعماله. يمكن القول ان نشاطه قد تدنى قليلاً في السنوات الماضية، وربما يحتاج الى مخرج مثل تارانتينو لينتزعه من الروتين الذي وقع فيه، مثلما كان فعل سابقاً يوم اعطاه دور فينسنت فيغا في "بالب فيكشن".
يدرك الحكماء من الفنانين ان تكريم احدهم لمجمل أعماله، هدية مفخخة. انها طريقة لاختتام سيرة والتوجه الى صاحبها بكلمة شكر تكاد تحكم على الفنان بالإعدام المهني. المهرجان يعرف جيداً هذا الشيء، اذ انه اعطى جون مالكوفيتش، الذي سبق أن نال جائزة فخرية عن مجمل أعماله، فرصة التعبير عن الفكرة تلك في احد الأفلام القصيرة التي تمر قبل العروض: يصعد مالكوفيتش في تاكسي نيويوركي عائداً من كارلوفي فاري بعد تكريمه، ويروح يجيب عن أسئلة السائق، قبل أن نكتشف كآبة معينة عنده، ذلك ان جائزة مماثلة لا يمكن الا ان تعني شيئاً واحداً: الآخرة.
في حال ترافولتا، كان التكريم مناسبة لاظهار التنوع الذي قامت عليه فيلموغرافيته، من خلال الشريط الذي بُث وتضمن مقاطع من أفلامه. فلدى ترافولتا الكثير من الأفلام التجارية الهابطة طبعاً (ذروتها: "أرض المعركة" لروجر كريستيان (2000)، الذي اعتُبر انذاك أسوأ فيلم في تاريخ السينما)، ومحطات مضيئة في سيرته، تجسدت في ادارة سينمائيين كبار مثل براين دو بالما وجون هو. في هذا السياق، صرح ترافولتا وهو يتسلم الجائزة، "خلافاً لبعض الممثلين الآخرين المجبرين على اختيار أدوار تتشابه بعضها مع البعض الآخر، لم ارد يوماً ان أكرر نفسي، على الرغم من تعرضي لضغوط كي استمر في استنساخ التجارب نفسها". وعليه، عُرض في المهرجان "موسم القتل" لمارك ستيفن جونسون، الذي يخرج الى الصالات في الولايات المتحدة الاسبوع المقبل. في هذا الفيلم، يجتمع ترافولتا بروبرت دو نيرو للمرة الأولى. يصوّر الشريط مناكفة شخصية بين جنديين، أميركي وصربي. هناك ايضاً تكريم لأوليفر ستون (67 عاماً)، مخرج اشكالي أعطى السينما الأميركية بعضاً من افضل انتاجاتها، وفي مقدمتها "بلاتون"، الذي صدر عام 1986 وسرعان ما تحول الى واحد من أهم النصوص التي تعالج التورط الأميركي في فيتنام. جاء الفيلم ضمن ثلاثية عن فيتنام اكتملت مع "ولد في الرابع من تموز" (1989) و"سماء وأرض" (1993). يمكن الاطلاع على النصف الثاني من القرن الماضي في تاريخ الدولة العظمى بمجرد مشاهدة أفلام ستون، التي قاربت ثقافة بلاده من زاويا عدة: اجتماعية ("قتلة بالفطرة") ورياضية ("أي يوم احد") وسياسية/ تاريخية (أفلامه عن كينيدي ونيكسون وبوش) وثقافية (فيلمه عن فرقة "دا دورز") واقتصادية (فيلماه عن وول ستريت)، الخ. لم ينسَ العالم الزوبعة التي احدثها النصّ الذي وضعه لفيلم آلن باركر "قطار منتصف الليل" (حاز عنه جائزة أوسكار لأفضل سيناريو)، عن مهرب مخدرات أميركي يُلقى القبض عليه ويزجّ به في أحد السجون التركية، فيتعرض لكل أنواع الذل والمهانات قبل ان ينجح في الفرار. صحيح ان الفيلم اقتبس من قصة بيلي هايز الحقيقية، الا ان ستون، باعترافه لاحقاً، بالغ في تضخيم حجم المعاناة وفي تصوير الأتراك كبهائم. لم يكتف ستون على امتداد مساره بأن يخزن ذاكرة أميركا طولاً وعرضاً، بل ذهب ايضاً الى اعدائها، مدفوعاً بروحيته اليسارية، فرمى نفسه في "أحضان" فيديل كاسترو وهوغو تشافيز، وصوّر وثائقيات، ربما هي ليست افضل ما انجزه في حياته.
الافتتاح، كما جرت العادة دائماً، كان استثنائيا. لم يبخل القائمون على المهرجان لا في الامكانات ولا في الخيال، فقدموا استعراضاً مع المعوقين، ولهم، كالتفاتة جميلة لهذه الفئة من الناس الذين كانوا حاضرين بكثرة ليل الجمعة الفائت. وكانت كلمة المخرج الفرنسي ميشال غوندري، الذي جاء ليقدم فيلمه "زبدة الأيام"، لحظة مرح خالص، اذ ورّطنا وورّط نفسه في سردية طويلة عن السبب الذي جعل بطلة فيلمه اودريه توتو تتغيب عن حفل الافتتاح: "تعرضت لحادثة دراجة هوائية. كانت تلفّ الى الشمال. راحت عند الطبيب، والى ما هنالك من تفاصيل لا تحكى أمام صالة تجمّع فيها نحو الف مشاهد. طبعاً، هذا كله كان في سبيل المزاح والضحك، ونجح غوندري فعلاً في رسم ابتسامات عريضة على وجوهنا، قبل أن ندخل في فيلمه الذي كان مرهقاً على أكثر من صعيد. مرهق من حيث طوله (125 دقيقة)، ومن حيث اصرار المخرج على مواصلة ضخّ كل تلك الفانتازيا التي دعمت سينماه منذ بداياته، فبلغ سهمه الهدف مرةً وطاش مراراً.
مع "زبدة الأيام"، اقتبس غوندري رواية بوريس فيان التي اشتُهرت لكونها متعذرة الاقتباس. انجز غوندري عملاً هائلاً ومجدياً على صعيد الصورة، المتخمة بالتفاصيل والأشياء الملونة التي تتحرك على سطحها، حدّ انه يصعب الاّ نقع تحت سحر هذا السيرك الافتراضي. بيد ان الباروكية وحدها، الملهمة لا شكّ، لا تنقذ الفيلم من براثن نصّ تصعب متابعته. نجد ان الأشياء تتساقط على مرأى من المشاهد. ينهار الفيلم قليلاً قليلاً تحت وابل من الغنائيات يدنو بعضها احياناً من الافتعال. عن الحكاية، لا نستطيع ان نقول الكثير، لا بل من غير المستحب سردها، لكثرة ما تتضمن من احالات مستمرة على عالم لا يتسم بالجدية داخل عالم انيق وشديد الباريسية يخطفه شيء من الحزن والكآبة. هناك لحظات يحلّق فيها الفيلم عالياً، ولحظات يهبط فيها الايقاع. بين رومنطيقية طواها الزمن، ولغة سينمائية تتطلب من المشاهد ان يكون في حال هلوسة لينسجم مع ما هو مقترح من خطاب، ينسى الفيلم أن يستريح قليلاً كي يلتقط انفاسه، ويذكّرنا بأن المشاعر تحتاج احياناً الى سكون كي نسمع دقات القلب.
لفتنا فيلمان، ضمن المسابقة، لكلٍّ منهما أهمية مختلفة عن اهمية الآخر: "عاشت الحرية" لروبرتو اندو عن شقيق سيناتور ايطالي (طوني سرفيللو) ينوب عنه بعد أن يتخلى السيناتور الأصلي عن كل شيء ويذهب الى فرنسا؛ و"بابوشكا" لجوانا كوس كروز وكشيشتوف كروز عن سيرة الغجر البولونيين التي تمتد على اكثر من نصف قرن، مروراً بالمجازر التي تعرضوا لها على أيدي النازيين الألمان. هناك جملة في الفيلم تقول: لو للغجر ذاكرة لكانوا ماتوا همّاً على ماضيهم.
في الأول، يقدم سرفيللو، الذي رأيناه أخيراً في "الجمال العظيم" لباولو سورنتينو (كانّ 66)، اداء ممتازاً كعادته، من خلال اضطلاعه بدورين لشقيقين يختلفان الواحد عن الآخر في اسلوب الحياة المتبع. هذه المرة الثالثة في السنوات الأخيرة، نشاهد فيها سرفيللو مجسداً دور رجل سياسي: في "ايل ديفو" لسورنتينو ايضاً، جسد رئيس الوزراء الراحل اندريوتي، وفي "الجمال النائم" لماركو بيللوكيو، كان سيناتوراً. أما في جديده هذا، فهو رجل سياسي على رأس حزب معارض للسلطة، تُظهر الاستفتاءات يوماً بعد يوم أنه يخسر من شعبيته. عندما تضيق به آفاق المرحلة السياسية التي يجتازها بصعوبة وبأزمة نفسية، نراه يترك كل شيء خلفه ويرحل. امام هذا الحدث غير العادي، يقرر مساعده الاستعانة بشقيقه التوأم لينوب عنه في منصبه وينقذ مستقبل الحزب. لكن شقيقه رجلٌ يأتي الى المكتب صباحاً وهو يغنّي، ويخرج منه ظهراً وهو يرقص. لا يرتكز ادائؤه على المعطيات العملية والسياسية بل على الفهلوة الكلامية التي تدغدغ مشاعر الشعب. يا للمفاجأة! ينجح هذا الأخ الدخيل على السياسة، في الفوز بقلوب الناخبين. الأصل الروائي الذي نُقل عنه الفيلم، يعود الى باولو فيولا الذي كتب شيئاً شبيهاً بـ"لدينا حبرٌ أعظم" لناني موريتي. الشكّ في قلب الفيلمين. يترجح النصّ بين الجدي والفكاهي، متنقلاً بين السخرية الهدامة والتأمل في فنّ الكلام السياسي الذي يحتاج الى القفز فوق الحقيقة احياناً. "عاشت الحرية"، غنيٌّ بلحظات سوريالية، كتلك التي يرقص فيها سرفيللو رقصة التانغو مع المستشارة الألمانية. طبعاً، لهذا الممثل الكبير شأنٌ بالغ الأهمية في جعلنا نصدّق مثل تلك المواقف.
يبقى "بابوشكا"، هذا الفيلم الملحمي البديع الذي يصطحبنا الى قلب معاناة الغجر في بولونيا من خلال سيرة الشاعرة الرومانية برونيسلافا فاس (1908 ــ 1987)، من مطلع القرن الماضي الى سبعيناته. بدلاً من اتباع خط السرد التقليدي، يمزج النصّ الأزمنة والأحداث، ليأتينا بصورة أكثر رومنطيقية للخلفية التاريخية التي عاشت فيها بابوشكا. بالأسود والأبيض اللذين يضفيان الكثير من الشاعرية على هذا الفيلم المشبع بالموسيقى الغجرية، نسافر الى المناطق التي عبرتها هذه الجماعة، في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية. يُرينا الفيلم ايضاً ضياع هويتهم وتقاليدهم والنتائج السلبية التي ترتبت عليهم جراء هذا الضياع. هذا كله نكتشفه حيناً من خلال كل هذه الوجوه التي تعبّر عن المأساة الغجرية، وحيناً آخر من خلال بابوشكا التي لن تعرف السعادة ولن توفرها مآسي التاريخ.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard