"فيروز بألحان زياد الرحباني" في خصوصية الموسيقي المبدع - فانتازيا شخصيّة و"السيّدة" تتبعه في التجربة!

3 تموز 2013 | 00:02

يصلون، كالعادة، قبل الوقت المُحدّد. يمضون بعض وقت في الدردشة، و"شو أخبارك؟". فجأة، يتنبّه المؤرخ الموسيقي الياس سحّاب أنه تجاوز موعد انطلاق الأمسية بـ3 دقائق: "وكما تعلمون، هذا لا يحصل معي أبداً". يضيف مُعلّقاً: "صار لازم نبلّش". أمسية موسيقية - سماع وتحليل في المكتبة العامة لبلدية بيروت. سنمضي ساعة من الوقت مع الأنغام والنوادر الموسيقيّة، كما هي الحال مطلع كل شهر. هذا المساء، هي "فيروز بألحان زياد الرحباني". فيروز مُجدّداً. "من يحضر هذه الأمسيات باستمرار يعرف جيداً ان صوت فيروز... صرنا قاعدين معه أكثر من جلسة". عشرات الجلسات مع هذا الصوت الذي يطربنا، والذي "ينضح" حناناً أشبه بمطر خفيف. هذا المساء هي تجربتها مع زياد الرحباني: "اللّي هوّي إبنها". خاضت السيدة تجارب عدة "كصوت"، والأكيد ان: "تجربتها مع الأخوين الرحباني هي تجربتها الأساسية". تجربتها مع زيادّ "من التجارب المهمّة... تجربة كانت لها مكوّنات فنيّة خاصة جداً... وأتت على مراحل متنوّعة باعتبار ان زياد نفسه تطوّر وعاش مراحل مختلفة". في بداياته، كان "زياد" شديد التأثر "بالمدرسة الرحبانيّة الكبيرة... هذه مسألة طبيعية... كان يحضر البروفات، ويكون حاضراً خلال عملية التأليف". وفي تلك المرحلة، في البدايات: "ألّف لها (للسيدة فيروز) بعض أعمال ذات نفس شرقي، نذكر منها: سألوني الناس، التي قدّمتها إلى عاصي عندما أصيب بالعارض الصحّي الشهير، ولم يعد يظهر إلى جانبها". فلنستمع إلى الأغنية الأولى لهذه الأمسية: "حبّوا بعضن تركوا بعضن". عنها يقول سحّاب:"حتى أنا كنت أحياناً أشكّ في ما إذا كان الأخوين الرحباني قد ألّفاها أم زياد، إلى أن تأكدت من أنها لزياد. وكأنه يستعيد تجربة تساقط المطر في جملة: حبّوا بعضن". خلال هذه المرحلة إذاً كان زياد شديد التأثر بالتجربة الرحبانية، وكان يأخذ أحياناً بعض كلام من نظم "الأخوين الرحباني" ويلحّنها بنفسه. الحضور يعيش لحظات حالمة. "أعتقد انه في هذا اللحن من الواضح ما بين الكتابة للأوركسترا وغناء فيروز التداخل بين خصائص المدرسة الرحبانية وبين ظهور شخصية زياد الفنيّة... زياد موصلّها لمحل بالأوكتافات، واضح ان فيروز عم بتقولها بإتقان شديد ولكن بشيء من الصعوبة".

أضاف: من خصائصه التي تُميّزه عن المدارس الموسيقية الأخرى التي سبقته: "عدم تأثره بملامح المدرسة المصريّة... لعل زياد شرب المقامات الشرقية من الفولكلور اللبناني وشغل زكي ناصيف ومن ثم آلة البزق التي ورّثه إياها عاصي الذي ورثها بدوره عن والده حنا". تابع: "أعتقد شخصياً ان الأغاني التي كانت تستريح على المقامات العربية كان يؤلّفها على آلة البزق... ومن هنا تأثره الكبير بنمط فيلمون وهبي". ومن جهّة ثانية:"برزت شخصيته الخاصّة التي بدأ من خلالها الخروج عن إطار المدرسة الرحبانية الكبيرة".
إلى العمل الثاني في الأمسية: "أنا عندي حنين". وقد اعتمد في هذا اللحن، "الطبقات المُنخفضة في صوت فيروز والتي هي في رأيي الأجمل". ومعظم الأغاني، "هنا كانت كلماتها إما لجوزف حرب وإما لزياد... كانا يرتاحان مع بعضهما البعض". هنا، "كان زياد قد راح يستقل من خلال صوت فيروز عن المؤسسة الرحبانية الكبيرة. هي مرحلة الاستقلال التام الذي عاشه زياد وجسّده من خلال صوت السيدة: "في ناس بتحب بعض الأغاني والبعض لا... وبعضهم يُبالغ بالقول ان زياد نزع صوت فيروز وأخرجه من كلاسيكيته الرحبانية... أنا ضد هذا الرأي... فزياد أغنى صوت فيروز وبرزت شخصيته التي تستند الى الفانتازيا الموسيقية، لا سيما منها مدرسة الجاز الأميركية بما فيها البلوز". وبرأيي الياس سحّاب، "لم يُخرج زياد صوت فيروز عن وقاره الكلاسيكي، وكان يُرافق التطوّر الفيزيولوجي الذي كان يترك أثره على حنجرة فيروز، مع الإفادة من الحساسية الخاصة الكامنة في صوتها، فيأخذها إلى مساحات خاصه به، خاصة بزياد".
ومن الأغاني التي برزت جداً وهي من الأعمال التي يحبّها سحّاب ويرى فيها إضافة إلى صوت السيدة الكبيرة "وحدن"، "فثمة حساسية مُرهفة في اللحن والشعر لطلال حيدر". وفي هذا اللحن، "راح زياد ينفصل عن المدرسة الرحبانية الكبيرة فيدخل في خصوصيته... كان يتوسّل بكل مقدرات فيروز الصوتيّة... وزياد من مزاياه الفنيّة براعته في العزف على البيانو". وبعد "وحدن" دخل زياد إلى مساحة الأغاني التي تندرج كلها في مدرسة "زياد الشديدة الخصوصيّة"، ومنها "خلّيك بالبيت" التي راح من خلالها أيضاً، "يدخل في الكلام الذي هو تطوير للمدرسة الرحبانية... حساسية العلاقة ما بين الرجل والمرأة وقد أدخلها في مرحلة راقية جداً". اختار من هذه المرحلة "خليك بالبيت"، "التي هي نموذج راقي من تفرّد زياد مع صوت فيروز". ونلاحظ ان تطوّر زياد مع هذه التجربة يُرافقه نضوج مُطلق وبراعة في التوزيع، "من مزايا زياد أيضاً التوزيع الموسيقي... زياد كتير حسّاس وكتير مُتقن بالتوزيع الموسيقي وهو شديد التأثر بمرحلة الجاز... مع مراعاته للحساسيات الجديدة في صوت فيروز التي راح يركّز عليها أكثر... ويمُكن أن يقترب أكثر من كلاسيكية فيروز التي عهدناها، وفي الوقت عينه تبرز أحياناً روح الفانتازيا الخاصة في شخصيته الموسيقية".
وليُنهي الأمسية يختار سحّاب: "برأيي من أكثر الألحان تميّزاً في تجربته مع فيروز، وفيها إتقان موسيقي عالٍ: "من يوم الّلي تكوّن يا وطني الغيم"... خلّينا نلاحظ انطلاقة زياد في الفانتازيا الموسيقيّة الخاصة به... وكم تبعته فيروز في هذه التجربة...إلى التوزيع الرائع والمُتقن والمُعقّد في آن".

hanadi.dairi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard