مهرجان البندقية الثالث والسبعون يقدّم أفلاماً متماسكة تعبّر عن أوضاع العالم إيمان في تشيلي المنكوبة وكائنات فضائية في أميركا ورقص في زمن المصائب

8 أيلول 2016 | 00:00

مفاجأة "البندقية 73" في أيامه الاولى: "المسيح الاعمى" (مسابقة) لكريستوفر موراي. قصيدة بصرية تخاطب العقل والقلب معاً، من خلال متتاليات حكائية تستلهم تجربة المسيح نفسه. انها محاولة البحث عن معنى الدين وصفاء الايمان، مقطّعة بسلسلة استعادات زمنية ومحطات تحملنا الى سير مختلفة. رحالة مؤمن بقدرته على شفاء المرضى وخلق المعجزات، يجوب مناطق المهمشين المتروكين لمصائرهم في تشيلي. النصّ موحٍ جداً. يمكن تحميله الكثير ويمكن تحميله القليل؛ كلّ شيء يتوقف على مدى قابلية المُشاهد لتقبل نمط من الافلام، ذي ايقاع متمهل وتطور بطيء، لكنه يفعل فعلته على المدى الطويل.
الدين في قلب الفيلم وحوادثه، الا انه ليس وسيلة للتبشير، بل تحريض على ايمان من نوع آخر، اكثر عقلانية ربما. ايمان لا تنظمه السلطة الكنسية ولا تجمله افعال القديسين. ايمان يتيح عبادة الله من دون اي دوغما. هذا ما يدعو اليه شاب مكسور الخاطر ومتشبث بمعتقده. هذا اول فيلم لموراي اخراجاً، مع انه سبق ان شارك في اخراج فيلم "مانويل دو ريبيرا". ألبرتو باربيرا، مدير البندقية الفني، وجد فيه ما يذكّر ببازوليني. انا ذكّرني بـ"المسيح توقف في ايبولي" لفرانتشيسكو روزي (1979). الحكاية اذاً عن مايكل (مايكل سيلفا). في مطلع الفيلم نراه وصديقه موريسيو في الصحراء. يطلب مايكل من موريسيو ان يدق مسماراً في كفّه ويصلبه على جذع شجرة. ثم ينتظر اشارة من الله، بيد انها لن تأتي الا على شكل اشتعال نار، يحسبه مايكل انتصاراً له، مؤمناً بأن الله يخاطبه عبر ألسنة النار. لكن فقراء المناطق التي يجوبها، حيث الايمان بكلّ شيء واي شيء هو الملاذ الوحيد من التهميش والاهمال والاستغلال الذي يعانون منه، يسخرون من مايكل وأفعاله ودعواته. بالنسبة له، الله هو داخل الانسان وليس فوق رأسه في الأعالي. خروجه عن المتعارف عليه في العقيدة المسيحية والمجاهرة به وخصوصاً لدى وصوله الى قرية يتضرعون فيها امام تمثال القديس لورنزو، يأتيان عليه بالضررين الجسدي والمعنوي.
يقول مايكل ان الدين شيء والايمان بالله شيء آخر، وهذه فكرة لم يتم الاشتغال عليها بشكل كاف. كذلك يدعو الى التوجه الى الله مباشرة بدلاً من وكلائه على الارض، وهذه فكرة ثورية ايضاً. الا انه يعود ويضطلع بدور يوحنا المعمدان ويعمّد الناس عندما يُمنح الفرصة. فمايكل في النهاية انسان، والانسان يتميز بضعفه امام السلطة، وها انه يستخدمها للوصول، حتى إن ناقض ذلك مبادئه. هناك جانب انثروبولوجي خفيف في تصوير البشر وعاداتهم والغبار الذي يلفهم. يتركنا "المسيح الاعمى" على ارض يابسة لا تصلح للزرع. لا يحصد الفقراء فيها سوى الخيبة. يجيد موراي تصوير لحظات وجدانية معينة، حيث الكاميرا تعانق السماوي والأرضي في حركة واحدة.
■ ■ ■
جديد دوني فيلنوف، "وصول" (مسابقة)، ليس عن الكائنات الفضائية بقدر ما هو عن البشر واللغة، وعن مخاوفنا من الآخر والمجهول. صحيح ان السينما الأميركية ذات الانتشار الواسع التي "يهاجر" اليها المخرج الكندي الموهوب، ظلت تبلور هذا الوسواس منذ عقود، الا ان "وصول" يأتي برؤية مغايرة ومقاربة فلسفية حميمية لغزو الكائنات الغريبة كوكبنا. عندما نقول كوكبنا، نعني به عملياً الولايات المتّحدة، فالكوكب في هذا النوع من الأفلام يقتصر على العالم الجديد، والباقي "تابع" يتجلى على شكل شريط اخباري في أسفل نشرة الأخبار. مخرجنا الكندي، الزاحف ظاهرياً الى سينما "ماينستريم" بعيداً من هموم كيبيكه الحبيبة، اذكى من ان يقع في الفخ الذي نُصب له. عمله المتسابق على "الأسد الذهب" لا يسلّي المراهقين ولا يقدّم الكائنات الغريبة باعتبارها كائنات شريرة تريد ابتلاع الأخضر واليابس، بل ينطلق من بعض كليشيهات ليحلّق بنصّه المقتبس من قصة لتد تشيانغ الى عوالم بسيكولوجية، تذكّرنا في بعض فصوله بتيرينس ماليك. هيتشكوك كان يقول: "الافضل ان ننطلق من كليشيه من ان ننتهي به". فيلنوف يأخذ بالنصيحة.
بطلتنا هنا، لويز بانكس (آيمي آدامز)، خبيرة اللغات التي تدرّس في جامعة، أمّ فقدت ابنتها في سن مبكرة. ذات يوم تستيقظ منطقة مونتانا على تهديد يأتي من الفضاء الخارجي، ويتجلى في مخلوقات تشبه العناكب الضخمة، فتستعين السلطات المحلية ببانكس كي تتواصل مع الكائنات وتعثر على معنى لكلامها، وتستنتج ما اذا كانت تريد للبشر خيراً ام شراً. هناك الكثير من التفاصيل المتعلقة بنشاط بانكس في المركز الذي تتعامل منه السلطات مع الكائنات، يمكن القفز فوقها، فهي لا تؤخر ولا تقدم في اطار مقالة نقدية. ما لا يمكن تجاهله، هو وجود فيلمين في فيلم واحد. فيلمان يتصارعان، وهذا يعبّر ربما عمّا يدور في عقل فيلنوف وقلبه: الأول مشهدي عريض نكتشف من خلاله المركبة ذات الشكل البيضوي الذي يمثّل نقطة اتصال بين عالمنا وعالم الكائنات التي تخاطب البشر برموز هيروغليفية، وعلى الدكتورة فك معانيها. اما الثاني فيتأتى على شكل مشاهد خاطفة، فلاشات عابرة، وهي انعكاس لعالم الدكتورة الداخلي، حيث تتطور الحوادث بالتوازي مع التعمق في دواخلها (امومتها فمأساتها العائلية)، حد ان الحكاية برمتها تصبح في النهاية مرآة لعقلها الباطني. يقدّم فيلنوف فيلماً دافئاً بحس انساني عالٍ جداً، مشبع بموسيقى يوهان يوهانسون الغامضة المبهمة. انها دراما متفذلكة لا شك، لها هناتها وهفواتها، لكنها تقدمية جداً في نظرتها الى العالم والانسان ومستقبل البشر والايمان باللغة والتواصل كالسبيل الاوحد لاستمرار الحياة.

■ ■ ■

قد لا يكون "أيام أرانخويز الجميلة" (مسابقة)، التحفة الفنية المنتظرة من فيم فندرز في أول عمل له ناطق باللغة الفرنسية ومصوَّر كلياً في ضاحية باريس القريبة، الا انه فيلم يستحقّ التحية لغير سبب. السبب الأهم في رأيي هو الآتي: المخرج الألماني الكبير على غرار آلان رينه ومانويل دو أوليفيرا وآخرين من قبله، لا يزال، بعد خمسين سنة من الاخراج، مشبعاً بروح التجريب والاختبار ومأخوذاً بحسّ المغامرة داخل مناطق غير مستكشفة من السينما، أعني بها التلاعب بين اللغة والصورة، أو ذاك الحوار الخفي بين ما نسمعه وما نراه (أو نتخيله). التفاوت هنا بين ما نسمع وما نرى، هائل وقد يخلق ارتباكاً عند المُشاهد المحصن بتقاليد تلقيه الاعتيادية. معظم الأفلام تكون الصورة فيها وصفاً للكلام، فندرز أرادها مختلفة. كان بامكانه التحوّل إلى مؤسسة سينمائية راسخة أو إلى مخرج يلهث خلف المشاريع المضمونة، لكن هذا لا يرضي تطلعاته. عمله الجديد (أفلمة لنصّ صديقه بيتر هاندكه) الذي لم يسلم من النقد اللاذع عقب عرضه في مهرجان البندقية (31 آب - 10 أيلول)، صوّره فندرز بالأبعاد الثلاثة، كما هي حال أفلامه الثلاثة الأخيرة.
تتسلل الكاميرا مع بداية الفيلم إلى منزل بورجوازي، وصولاً إلى مكتب حيث يجلس رجل أمامه آلة طباعة، من المفترض انه الكاتب، كاتب قصة نكتشفها تباعاً. انه الصيف والشمس ساطعة، والرياح تهب برقة على الأشجار فتتمايل الأغصان على ايقاعها. في الحديقة، رجل وامرأة يجلسان إلى طاولة. في الأفق، ظلّ باريس البهي. طوال ساعة ونصف الساعة، لن يكون الفيلم سوى حوار طويل بينهما. حوار متقطع يبدأ بالتجربة الجنسية الأولى ويلخص - اذا اضطررنا إلى تلخيصه - التفاوت في النظر إلى العالم بين الرجل والمرأة.
الديكور أقرب إلى الجنة منه إلى بقعة جغرافية مطلة على منطقة ديفانس الباريسية. "بطلانا" بقدر ما يتحدثان عن نفسيهما، يتحدثان عن كلّ واحد منا، عن هواجسنا ورغباتنا في البوح والكلام، وعن كلّ ما لا نجرؤ على الاعتراف به. الكاتب الذي يقطع عليه الفيلم بين حين وآخر، هل هو "كاتب" حوارات الشخصيتين، أم الشخصيتان هما اللتان "تكتبانه"؟ هنا السؤال الذي لا يحسمه الفيلم، أو لنقل يتركه ضائعاً بين سطور النصّ الذي يولد تحت أصابعه. كله في الفيلم ينخلق من الانعكاس والتضاد بين الأشياء. الطبيعة الفردوسية الهادئة التي تلقي بكآبتها الفظيعة علينا - تلك الطبيعة التي يجلس في أحضانها شخصان بلا إسم ولا يوجد أي سبب لنهتم بهما - (يبدأ الفيلم بلا مقدمة وينتهي بلا حبكة بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة)، هي الأخرى مرآة ساخرة يصعب النظر فيها. الواضح ان الحوار بين رضا كاتب وصوفي سومان يتحول حواراً بين الانسان والعناصر الطبيعية التي تحيط به، الخضرة والأوراق وزقزقة العصافير والرياح.

■ ■ ■

"أرض اللا لا" (مسابقة) فيلم مبهج لا شكّ في ذلك، على الأقل في بعض جزئيته، ولو انه يدور حول نفسه طويلاً، صانعاً الحلقات الدائرية نفسها بتنويعات وأصوات وألوان مختلفة، ولكن متقاربة بعضها من بعض. ما يعانيه العمل هو ما يعانيه معظم الأفلام: المادة الشحيحة غير الكافية لفيلم من ساعتين؛ الحوادث القليلة التي تجعل مجمل المشروع يبدو مفتعلاً. الحكاية؟ هل هناك فعلاً حاجة لشرحها والدخول في تفاصيلها. فنحن هنا أبعد ما نكون عن المقاربة الشفهية. "أرض اللا لا" تجربة بصرية كاملة. شازل يعبّر بالصورة، لا يكترث إلى أي حوار، "كلوز أبّ" من هنا، "ترافلينغ" من هناك، ويصل إلى المتلقي ما يجب أن يصل. مشاهده قصيرة، لغته مختزلة، صورته حنونة، العلة ان كلّ ما كان يصلح لتوظيفه لمصلحة النصّ، يقف في لحظات حائلاً بينه وبين الفيلم.
"أرض اللا لا" يحتضر لحظات ثم يعود، ثم يموت ثم ينبعث من جديد. الافتتاحية بمشهد زحمة على احدى الطرق السريعة في لوس أنجليس المعاصرة. العالقون فيها سينتفضون لنراهم يغنون ويرقصون على سقوف سياراتهم. أوكي، النبرة صريحة والمقصد واضح. هذا فيلم انشودة لعصر السينما الذهبي، تحية للفنّ السابع، بحيث يستمد منه شرعيته. يستعير شازل من أفلام كثيرة، ندعكم تكتشفونها لأن عددها غير قليل. كوميديا جريئة، لا خلاف على ذلك، ليس فقط كمغامرة انتاجية غير مضمونة النتائج، بل لأن شازل أقدم على تصوير مجمل العمل، بأدق تفاصيله، على الطريقة القديمة المتلاشية. حتى البنية السردية، ومنها طريقة اللقاء بين الفتاة الحالمة بالتمثيل (ستون) والشاب الطامح إلى افتتاح نادٍ للجاز، لا تنتمي إلى عصرنا هذا ولا إلى المنطق المعمول به. الغناء بدل الكلام هو الآخر لا ينتمي إلى مفردات عصرنا المتشعب، المستعجل، البراغماتي.

■ ■ ■

فرنسوا أوزون يخرج أفلاماً غير متوقعة، مليئة بالحياة والوجوه المعبّرة والشغف والسينيكية. هناك دائماً ما يمكن أن نحبه في أفلامه. التمثيل أو الاخراج أو البنية السردية أو ببساطة النحو الجذاب الذي يحملنا بواسطته إلى حقب وأماكن مختلفة. فما بالك إذا اجتمعت هذه العناصر كلها في فيلم واحد؟ هذه حال جديده، "فرانتز"، المتسابق على جائزة "الأسد الذهب". المخرج الفرنسي النشيط جداً، الذي لا يتوقف عن العمل منذ العام 1988، أبدع في أحدث ميلودراما تشويقية له، هو الشاطر في هذا المجال لأنه يجيد التلاعب بمصائر الأفراد، من دون الوقوع في فخاخ التنميط، بل يشبّع عمله دائماً باللؤم والرؤية العميقة للطبيعة البشرية.
"فرانتز" مستوحى من فيلم لارنست لوبيتش أنجزه المخرج الألماني الكبير في العام 1932، وهو بدوره كان اقتبسه من مسرحية لموريس روستان. إنها عودة إلى غداة الحرب العالمية الأولى التي أحدثت ما أحدثته من خراب في أوروبا، لكن التركيز هنا هو على الحرب التي اندلعت بين الجارتين ألمانيا وفرنسا. آلاف الجنود قضوا على الجبهة من الجانبين. نبدأ من ألمانيا الذليلة بعد خسارة الحرب، الناقمة على فرنسا والفرنسيين، لننتقل بعدها إلى الدولة العدوة لها، التي بدورها تتباهى بنيلها من عدوها، وهي تغني المارسييز.
آنّا (بولا بير) كانت خطيبة فرانتز، الجندي الذي سقط خلال معركة مع الفرنسيين. في قرية ألمانية صغيرة حيث تعيش مع أهل خطيبها، تزور قبره بشكل دائم. ولكن، سرعان ما تكتشف انها ليست الوحيدة التي تزوره: ثمة شاب فرنسي يدعى ادريان (بيار نيني) يضع اكليلاً على ضريح الشهيد. من هو هذا الشاب؟ هذا ما سنعرفه في النصف الأول من الفيلم (نحو ساعة). يدخل ادريان بيت ذوي فرانتز باعتباره صديق ابنهم، حاملاً إليهم المشاعر الصادقة، وبعض التفاصيل كحبّه للوحة لمانيه. في المقابل، يرى والدا فرانتز فيه امتداداً لابنهما وما بقى من ذكراه، فيفتحان له قلبيهما ومنزلهما. كذلك الحال بالنسبة لآنّا التي تسلّم أمرها لأدريان، فترافقه إلى حفلة راقصة، متجاهلة نظرات الناس الحاقدة الذين لا يعجبهم هذا "الخرق" للعدو في بيئتهم غداة انتهاء الحرب. هي أيضاً تجد فيه "شيئاً" من الفقيد.
هذا الجزء الأول من الفيلم يلتقطه أوزون بغموض كبير غارق في السواد البديع. يلامس التعبيرية الألمانية، مستلهماً لوحات حقبة الرومنطيقيين الألمان، مستعيناً باللونين الأسود والأبيض (35 ملم)، مع لحظات سكون أو هروب من الواقع - حللها كما تريد - تتلون فيها الصورة كأنها إنتعاش للذاكرة. شيئاً فشيئاً تظهر الهوية الحقيقية لأدريان؛ فهو قد لا يكون الشخص الذي يدّعيه؟ لمَ جاء إلى هنا، ما الصلة الحقيقية التي تربطه بفرانتز، وعمّ يبحث تحديداً؟ هذا ما سنكتشفه تباعاً.
يستند الفيلم إلى مسألتين أساسيتين: الكذب والغفران. فالاثنان ضروريان للنهوض بالمجتمع المتصالح مع نفسه، وخصوصاً ذلك الذي شهد حرباً، وهي فكرة يشرعها حتى الراهب الذي تعترف عنده آنّا بذنوبها. سرّ كبير سيربط ادريان بآنّا وصولاً إلى علاقة الاعجاب وربما الحبّ بينهما التي ستتبدد حتى قبل ان تنشأ، وفي هذه النقطة تتجلى سينيكية أوزون الذي من بين كلّ الحلول الدرامية، يختار الأكثر لؤماً وقسوة: أن تقع بطلته في حبّ مَن قتل خطيبها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard