"ساق البامبو" لسعود السنعوسي: تيه الأوطان والأديان والأسماء

1 تموز 2013 | 00:54

يقدم الروائي الكويتي سعود السنعوسي في روايته "ساق البامبو" فهماً مختلفا للعبودية في بلاده، يتقولب وفقاً لمبادئ بطل التحرير الفيليبيني خوسيه ريزال، التي تتخذ طريقها كعناوين تزين الفصول الحياتية وتوائم بين نموذجين حضاريين متباينين، الكويت/ الفيليبين، مما يعطي التجربة صداها الإنساني الكبير، وجرأتها في مقاربة ازدواجية الواقع المتماوج بين الفقر والغنى ببعديهما الروحي والمادي.

الرواية باللغة الفيليبينية، امتنانا للبيئة الحاضنة التي شكلت الذاكرة الأولى للبطل المسمى هوزيه ميندوزا، الذي عاش الهوية الثنائية فكان جسراً بين وطنين وتناغماً جميلاً في بساط الوجود. هي في خمسة أجزاء، يحمل كلٌّ منها المقابل العربي لاسم هوزيه، عيسى، مقروناً ببعده الزمني. فالأول يدعى "عيسى قبل الميلاد"، وفيه تفاصيل كثيرة عن الفقر الذي استولى على أحلام جوزفين، فحرمها دراستها وجعل منها استثماراً عائلياً مقذوفاً نحو بلاد الأغراب الغنية/ الكويت، بعدما انتهى زمن استثمار الأخت الكبرى آيدا ببيع اللحم البشري في سوق النخاسة. الفقر هو البطل الحقيقي، إلا أننا لا نلمح تراجعاً على الصعيد الإنساني، بل تأكيدا في مواضع كثيرة للشراكة في تقاسم المصير الإنساني، متمثلاً في تماسك الأسرة رغم غياب عاهلها. الأب المتقاعد من الخدمة العسكرية، استنزف موارده المالية في مقامرة الديوك، انتقاما من انسانيته المهدورة في حرب فيتنام، التي عوضتها الحكومة الأميركية بمئة دولار شهريا مدى الحياة.
تفضل جوزفين السفر والعمل خادمةً على رغم أعباء ديون البومباي التراكمية، ويبدو فرحها يشبه الحصول على صك الافراج من سجن محتم لقضبانه اجساد الرجال الجائعة. لكن اقتران وصولها إلى الكويت في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بتفجيرات الموكب الأميري، يستجلب تشاؤم جدة عيسى، ويمهد للمعاملة السيئة التي تتلقاها من نساء الأسرة لولادة تعاطف يشبه الصداقة بين فتاة العشرين المدمنة قراءة الروايات، وراشد المثقف الذي يكبرها بأربع سنوات، والحالم بكتابة روايته الاولى. تغدو مستمعة ممتازة في جو القحط الثقافي المحيط بأسرة راشد. وحين يصل الأمر إلى حدود الشهوة تتمنع الشابة، فيعرض عليها الزواج العرفي استجابة لنزوته العابرة، التي أثمرت جنينا غالت جوزفين في الاحتفاظ به، حتى طردت مع راشد من المنزل. نالت الاعتراف الرسمي كزوجة، ومنح طفلها بعد ولادته حق الانتماء إلى بلده الكويت قبل ترحيله مع أمه إلى الفيليبين، فكان الوحيد الذي ملك ما يميزه عن أقرانه المجهولي الآباء في الفيليبين: وعد قطعه راشد لجوزفين بأن يعيد عيسى الى الوطن الذي انجبه.
في الفيليبين يتلقى عيسى تحت اسم هوزيه ميندوزا، ويدأب منذ طفولته على الجلوس تحت شجرة ضخمة حتى تخاف امه من ان تنبت له جذور تضرب في عمق الارض ما يجعل عودته الى بلاد ابيه امرا مستحيلا. ما كاد يبلغ العاشرة من عمره حتى بدأت والدته تخبره بالحكايات التي مضت قبل مولده، لتمهد له درب الرحيل. كانت تحرص على تذكيره بانتمائه الى مكان آخر افضل، حتى تخيل نفسه مثل أليس، يتبع وعود أمه بدلا من الأرنب، ليسقط في حفرة تفضي الى الكويت.
اختبر "عيسى بعد الميلاد" سلسلة متنوعة من المشاعر، ابتدأت بكراهية جده ميندوزا له إثر انقطاع الحوالات المالية بعد موت راشد، وتوقفت عند مأساة أخيه أدريان الناجمة عن إهمال آيدا عقب سفر أمه للعمل خادمة في البحرين. يخط سؤال الكينونة الدينية طريقه مبكرا، إذ يتوزع هوزيه بين حبه للمسيح وإعجابه ببوذا، فينصب نفسه نبيا لدين يخصه وحده. أما سعادة آيدا بطقوس التثبيت فتدخلها إلى قاموس محبته أماً ثانية، يؤثرها براتبه الأول مناصفة مع أمه. هذا التحاصص العاطفي يتفق تماما مع تيه هوزيه في تعدد الأسماء والأوطان والأديان، حتى يتمنى لو كان مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها، تنمو في ارض جديدة بلا ماض ولا ذاكرة.
يبدأ "تيه عيسى الأول" إثر ترك دراسته في السادسة عشرة من عمره، وخوضه مجال العمل تخلصا من اضطهاد جده له، كبائع موز ثم مدلك، فيجتاز الجسر الممتد بين مدينة الطفولة المطمئنة، ومدينة الرجال والنساء الذين يصارعون الحياة، ويتمنى ان يظهر له ارنب أليس في منتصف الجسر، قبل أن يصبح واحدا من الوجوه الباهتة التي يشاهدها حوله. ثم يظهر الارنب من دون سابق انذار، ليُعلمه باستشهاد والده في حرب الخليج الثانية. ويتكفل صديقه غسان تنفيذ وعد إعادة عيسى إلى الكويت، ليبدأ "تيه عيسى الثاني" فيترافق وصوله إلى الكويت مع الحداد الوطني، الذي تعتبره الجدة استطالة للعنة جوزفين. وتضيف إليه هوية غسان البدون أو المواطن بلا جنسية صدمة العنصرية، التي تشكل القالب الحقيقي للنظام الطبقي في الكويت، حيث كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة ادنى منها تمتطيها، وإن اضطرت لخلقها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تمارسه الطبقة الاعلى.
يبقى ابن الشهيد والخادمة الفيليبينية على هامش الوطن والأسرة، ولا يشفع له كونه الذكر الوحيد حامل اللقب، إذ يجبرونه على التواري في غرفة الملحق مع الخدم، بينما تتمزق عمته الناشطة المعروفة في حقوق الإنسان بين صدقيتها وحقوق اسمها، فيصعب عليه أن يألف وطنا بوجوه متعددة، ويحاول أن يختزل وطنه في أشخاص يحبهم، لكن الوطن في داخلهم يخذله. يكتشف عندئذ أنه لم يملك في بلاد امه شيئا سوى عائلة، بينما في بلاد ابيه يملك كل شيء إلا العائلة. يدرك أن العطاء من دون حب لا قيمة له، والاخذ من دون امتنان لا طعم له، مما جعل الكويت حقيقة زائفة، ومن رواية السنعوسي صرخة احتجاج ناعمة ضد النفاق الاجتماعي المتسربل بالأصالة الزائفة. فبعفويته الجميلة المشبعة بالحنان ودفء المشاعر، يغلف حلم السعادة وصراع البقاء بخصوصية العوالم المتداخلة.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard