سينما - موسترا البندقية انطلقت أمس بـ"أرض اللا لا": الأميركيون يحتلّون الليدو من خلال ثلث المسابقة!

1 أيلول 2016 | 00:00

بدأت أمس الدورة الثالثة والسبعون لمهرجان البندقية، أعتق التظاهرات السينمائية في العالم وأبعدها زمنياً. ليلة الافتتاح عُرض "أرض اللا لا"، ثالث أعمال المخرج الأميركي الشاب داميان شازيل الذي اكتشفناه مع "ويبلاش" قبل سنتين. كان فيلمه هذا مرّ بلا انتباه في كانّ - قسم "اسبوعا المخرجين"، على الرغم من فوزه بجائزتين في ساندانس في العام نفسه. "أرض اللا لا"، المتسابق على جائزة "الأسد الذهب"، ميوزيكال على طريقة هوليوود القديمة، ذلك النوع الذي منح السينما الأميركية بعض الروائع، ويطلّ علينا بين وقت وآخر، في محاولة للتجديد والتحديث.

هذا العمل الذي يصدر في الصالات الايطالية بالتزامن مع عرضه في فينيسيا هو من بطولة راين غوزلينغ وايما ستون وأيضاً من تمثيل البارع جي كاي سيمونز الفائز بـ"أوسكار" أفضل دور ثانوي في "ويبلاش".
اذاً، الافتتاح كان أميركياً مئة في المئة، لا بل ينهل من الثقافة الأميركية وما برع فيه الأميركيون دون سواهم في السينما (الميوزيكال). أمركة الافتتاح تستمر في البندقية منذ سنوات، لضرورات اقتصادية واعلامية ولأسباب معروفة في مقدمتها ضمان حضور النجوم. الا ان المسابقة التي تضمّ 20 فيلماً، تنطوي على تنوع واضح وصريح. هناك أولاً "الرؤوس الكبيرة"، تلك التي وعدتنا بدورة "خطيرة" منذ لحظة اعلان البرنامج. من هؤلاء: الألماني فيم فاندرز الذي يأتينا بجديده "أيام أرانغويز الجميلة" انتاج ألماني - فرنسي. لا نعرف الكثير عن الفيلم بعد سوى انه من تأليف بيتر هاندكه بناءً على مسرحية له. هاندكه الذي تعاون مع فاندرز في "أجنحة الرغبة"، يطلّ أيضاً في الفيلم بدور صغير. هذا أول فيلم ناطق باللغة الفرنسية (صُوِّر في باريس) لصاحب "بينا"، استعان به بالممثل رضا كاتب.
أيضاً من كبار السينما المعاصرة، نجد الفرنسي فرنسوا أوزون الذي كان غاب لفترة قصيرة عن الاخراج، هو النشيط جداً في العادة. للمفارقة، هذا فيلم آخر إنتاج فرنسي - ألماني، ويُقال انه مستوحى بتصرّف من فيلم لأرنست لوبيتش أخرجه العام 1932. أرملة تتعرّف إلى غريب عند قبر خطيبها الذي قُتل خلال الحرب العالمية الأولى. من الجهابذة الذين طال انتظارهم، هناك أمير كوستوريتسا. المخرج الصربي الكبير يعمل على "درب التبانة" منذ فترة طويلة، وقد تناقلت بعض الصحف في منتصف هذا العام عنه استياءه لعدم قبول كانّ الفيلم وربط هذا الرفض بقربه من نظام بوتين، لكن مخرج "زمن الغجر" عاد لينفي أي تصريح في هذا الشأن وقال ان الفيلم لم يكن جاهزاً بعد. في كل حال، هذا واحد من العناوين المنتظرة جداً، وخصوصاً ان بطولته تجمع بين كوستوريتسا نفسه ومونيكا بيللوتشي. من روسيا، سينمائي كبير آخر: اندره كونتشالوفسكي الذي يقدم "جنة". آخر مشاركة له في البندقية كانت قبل سنتين مع فيلم "ليالي ساعي البريد البيضاء"، نال عنه "الأسد الفضة". "جنة" عن ثلاثة أشخاص، التقوا خلال الحرب العالمية الثانية: مهاجرة ومقاومة روسية، عميل فرنسي وضابط نازي. هذه المشاركة الخامسة لكونتشالوفسكي في البندقية.
دائماً في اطار القامات الكبيرة، هناك الأميركي تيرينس ماليك الذي سيأتي متأبطاً فيلمه الوثائقي "سفر الزمن"، عمل طموح يعكف عليه منذ 40 عاماً. انها سيرة الانسانية منذ الانفجار العظيم إلى أبعد ما تطاله مخيلة المعلّم. يأتي الفيلم في نسختين. تاريخ طرحه في الصالات الأميركية: 10 - 2016. بعد أكثر من عام على تقديم فيلمه المخيب في برلين، ها انه يعود بجديد نأمل أن يكون على مستوى أعماله السابقة. الا انه لا شيء أكيداً بعد حول حضوره المهرجان أو لا. فماليك متكتم جداً في شأن عمله، لا يمنح المقابلات الصحافية، ولا يشارك في أي نشاط. من الأفلام المنتظرة أيضاً: "حيوانات ليلية" للمخرج ومصمم الأزياء الأميركي توم فورد. فورد اكتشفناه مخرجاً في العام 2009 في البندقية مع "رجل عازب"، فيلم بديع هو الوحيد له كمخرج إلى تاريخ اليوم. جديده من نوع الثريللر وهو اقتباس لرواية "توني وسوزان" لأوستن رايت. قصتان تتبلوران بشكل متواز. البطولة لآيمي آدامز وجاك غيلنهال ومايكل شانون. آدامز هي أيضاً بطلة فيلم المخرج الكندي دوني فيلنوف الذي أبهرنا في كانّ الماضي بـ"سيكاريو". فيلمه "وصول" يحملنا إلى عوالم علم الخيال حيث تُسند إلى خبيرة لغات مهمة التحقيق في وجود بعض الكائنات الفضائية التي حطت على الأرض. الأصل الأدبي لتد تشاينغ، وقد أعطي فيلنوف مبلغ خمسين مليون دولار لانجاز هذا الفيلم، قبل توليه إخراج الجزء الثاني من "بلايد رانر"، رائعة ريدلي سكوت.
فيلنوف ليس الوحيد الذي "تأمرك" في المسابقة، فهناك التشيلياني بابلو لاراين الذي يقدّم "جاكي"، وهو كما يبدو جلياً من عنوانه عن الأيام الأربعة في حياة جاكلين كينيدي بعد وفاة زوجها، الرئيس الأميركي جون كينيدي. مع ممثلة مثل ناتالي بورتمان في دور السيدة الأولى، من الممكن أن نتوقع عملاً مشوقاً، علماً ان السيرة المملة التي قدمها لاراين عن بابلو نيرودا في كانّ الأخير، لم يكن محلّ دهشة. المكسيكي آمات اسكالانتيه هو الآخر يأتينا بعمل جديد، "المنطقة البرية"، الذي تجري حوادثه في وسط المكسيك. صراع من أجل البقاء، تدمير ذات، وفلسفة حياتية... هذه بعض مكوّنات هذا الفيلم الذي صوّره مانويل ألبرتو كلارو، الذي شكلّ صورة آخر أفلام لارس فون ترير. مواضيع كثيرة ومتنوعة ينهل منها المخرجون نصوصهم الجديدة، حتى غي دو موباسان يسجّل حضوره في الليدو، وذلك من خلال فيلم ستيفان بريزيه، المخرج الفرنسي الذي أبهرنا العام الماضي بفيلمه "قانون السوق" مع فنسان لاندون. جديده مقتبس من رواية الكاتب الفرنسي الشهير عنوانها "حياة". تجري الحوادث في بداية القرن التاسع عشر: جانّ تخرج من الدير للشروع في حياة جديدة، إلا انها تكتشف ان زوجها ليس رجلاً مثالياً فحسب، بل أناني وبخيل وغير وفيّ لها.
أخيراً، وفي شقّ الأسماء البارزة التي أسالت الكثير من الحبر في الآونة الآخيرة، وخصوصاً بعد الدورة الأخيرة من برلين: لاف دياز، المخرج الفيليبيني الذي عرض في المهرجان الألماني في مطلع هذا العام فيلماً من ثماني ساعات سرعان ما تحوّل إلى حدث الـ"برليناله" الأكبر. "السيدة التي تركت"، عمل آخر لا يختزل الحوادث، إذ لا تقل مدته عن الساعات الأربع. العمل مقتبس من رواية لتولتسوي، "الله يرى الحقيقة، لكنه يتمهل"، وهو إنتاج فيليبيني خالص.
هناك في المحصّلة 7 أفلام أميركية في المسابقة، أي تقريباً ثلثها. في المقابل، نجد 9 أفلام من أوروبا، 3 من أميركا اللاتينية، وفيلما واحدا من آسيا. هذا الحضور الآسيوي المحدود جداً، ما كان ليكون ممكناً في عهد ماركو موللر، العاشق الأكبر لسينما آسيا القصوى، ولا سيما الصين. الأزمات الاقتصادية والسينمائية والادارية لم تسهّل مهمات المدير الفني للبندقية، ألبرتو باربيرا، الرجل الستيني الذي عليه أن يحارب على أكثر من جبهة. في آخر لقاء لنا معه، كان شرح مهمة اختيار الأفلام الشاقة وتراجع حضور سينما آسيا منذ تسلمه لثالث أهم مهرجان في العالم: "برنامج كلّ مهرجان لا يتوقف فقط على ذائقة المدير الفني، إنما على معطيات أخرى، كجهوزية بعض الأفلام وعدم جهوزية البعض الاخر. بدأتُ مساري من مهرجان تورينو الذي أدرته لمدة 14 عاماً. وهذا المهرجان راح يعرّف الناس بالسينمات الآسيوية. اضطلعنا بدور مهم في هذا المجال حتى نهاية القرن الماضي. المشكلة الآن ان السوق الصينية تتغير باستمرار وبشكل كامل. هذه سوق تضخمت وصارت تفضل الاستثمار في انتاجات تجارية كبيرة، مستخدمةً الوسائل نفسها التي تلجأ إليها السينما الهوليوودية. على سبيل المثل، هناك اتفاق مبرم بين جيمس كاميرون والصينيين لاستعمال تقنية الأبعاد الثلاثة التي استعملها مخرج "تايتانيك". السينما الصينية صارت في مستوى هوليوود تقنياً. في ظلّ هذا الوضع، معظم السينمائيين الصينيين بات يصنع أفلاماً جماهيرية موجهة للجمهور الصيني، وغير صالحة للتوزيع خارج الصين. لم يعد الهدف الجمهور العالمي. طبعاً، هذا شيء سيتغير تدريجاً، اذ سيفهم الصينيون انه لا تجوز صناعة الأفلام لجمهور محلي فحسب".
مشكلة أخرى يواجهها أيضاً البندقية هي أن معظم الأفلام المهمة تخرج في آخر السنة، بدءاً من تشرين الثاني، لمواكبة الأعياد واللحاق بموسم الجوائز. لذا، فالكثير من الأفلام لا تكون جاهزة بعد في آب وأيلول، فترة انعقاد الـ"موسترا". أما الأميركيون، فبالرغم من وجودهم الطاغي هذا العام، فالتعامل معهم - دائماً بحسب باربيرا - غاية في الصعوبة: الاستوديوات الكبيرة لم تعد مهتمة بالمهرجانات كما في السابق. قبل 3 أعوام، كانت الـ"موسترا" تريد "جاذبية" لألفونسو كوارون (فيلم الافتتاح في تلك الدورة) ضمن المسابقة، لكن شركة "وارنر" لم تكن مهتمة.
سام مندس يترأس لجنة التحكيم الخاصة بالمسابقة. المخرج البريطاني بدأ بداية واعدة في السينما مع "جمال أميركي" و"طريق الضياع"، إلا انه صار منشغلاً منذ أعوام عدة بتجديد سلسلة أفلام جيمس بوند. كان تحديث "سكايفول" (2012) موفقاً، على عكس "سبيكتر" الذي "انتهى" بعد مشهد الافتتاحية. في عضوية اللجنة، هناك المخرج الأميركي جوشوا أوبنهايمر، والممثلة الألمانية نينا هوس، والمخرجة الأميركية لوري أندرسون التي شاركت في مسابقة العام الماضي، والممثلة البريطانية غيما أرترتون، والكاتب الايطالي جيانكارلو دو كاتالدو، والممثلة الفرنسية كيارا ماستروياني، والمخرج الفينزويلي لورينزو فيغاس الفائز فيلمه "عن قرب" العام الماضي بـ"الأسد الذهب"، وأخيراً زاو وي، الممثلة والمغنية الصينية.
مهرجان البندقية لا يقتصر على المسابقة فحسب، هناك أقسام عدة قد يجد فيها الباحث جواهر نادرة. خارج المسابقة جديد كلّ من سيرغي لوزنيتسا وانطوان فوكا وملّ غيبسون وبونوا جاكو وأمير نادري وأولريش زيدل وباولو سورنتينو الذي يقدم أول حلقتين من مسلسله "البابا اليافع" (8 حلقات) مع جود لو في دور البابا بيوس الثالث عشر (شخصية خيالية)، انتاج فرنسي - بريطاني - اسباني - اميركي - ايطالي. في قسم "أوريزونتي" اكتشافات كثيرة. أفلام أولى وثانية وبعض الأسماء المهمة من اسرائيل وفرنسا والصين. أما الحدث الأبرز فيتمثل في تكريم فنانين كبيرين وإسناد جائزة فخرية إليهما عن مجمل أعمالهما: الأول هو المخرج البولوني سكوليموفسكي، الذي شارك مراراً في البندقية (آخرها العام الماضي)، وفاز فيه بالجوائز. والثاني ليس سوى الممثل الفرنسي الكبير جان بول بلموندو، رافقت نجوميته ثلاثة عقود على الأقل، وكانت لها صدى طيب في جميع أنحاء العالم، وظلّ قيمة من قيم السينما الفرنسية حتى عندما انتقل من سينما المؤلف إلى أفلام تتسم بالطابع التجاري. سينال بلموندو (83 عاماً) "الأسد الذهب" الفخرية في المهرجان. عمل مع أكبر الكبار: رينه، غودار، ملفيل، فرنوي، رابنو، وهو يختزل بطريقة ما فكرة كاملة عن السينما في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard