المحنة العربية - الدولة ضد الأمة

31 آب 2016 | 00:00


يقدّم كتاب "المحنة العربية - الدولة ضد الأمة"■ لبرهان غليون عناصر أساسية للاجابة عن السؤال الذي طرحته لاحقاً ثورات الربيع العربي، في شأن تفسير القطيعة، ومن ثم العداء الذي أظهرته الدولة "الحديثة" "الوطنية" للمجتمع، ووقوف ما سمّي منذ ذلك الوقت "الدولة العميقة" وبعنف لا سابق له، ضد تطلّعات الشعوب.
ويسعى الى فهم الآلية التي تحولت فيها الدولة منتجة لـ"نخبة" اجتماعية هي أقرب الى نخبة المستوطنين أو المعمرين "الأجانب"، منها الى نخبة وطنية، والى حاضنة للوحش الذي سينقضّ على هذه الشعوب، وبدلاً من أن تكون أداة لتحرير أبنائهم وتحويلهم مواطنين متساوين واحتضان ممثليهم الحقيقيين.
ويبيّن غليون أنّ السبب الرئيسي لاعاقة مسيرة التطور والتقدم الحضارية والسياسية في المجتمعات العربية، لا يكمن في مصدر آخر قديم ديني أو ثقافي، وإنما في الدولة التحديثية نفسها التي راهن عليها المجتمع من أجل تقدّمه وتحريره، أي في السلطات والصلاحيات الاستثنائية التي أعطاها المجتمع "المتأخر" نفسه للدولة من أجل اصلاح شروط حياته "المتأخرة" والآمال الكبرى التي وضعها فيها، والثقة التي أولاها للنخب التي تتحكم بآلتها وتسليمه الى رجالها وايمانه الذي لا يتزعزع بدينها ومقدّراتها الخلاصية.
ميّز الكتاب، كما جاء في مقدّمته، الدولة الحديثة الناجزة التي تحرّكها المبادئ والقيم، وتحكمها قواعد العمل القانونية والسياسية، ويتحكم بها مجتمع منظّم تجاوز مرحلة الانتقال، دولة أنجزت مشروع المواطنة واستبطنت فكرة السيادة والحرية والمساواة وحكم القانون... من الدولة التحديثية غير الناجزة أو الفجة التي تحرّكها ارادة اللحاق بركب الحداثة والسعي الى استيعاب وسائلها وتقنياتها لتأكيد نفسها ووجودها وسيادتها... ويوجّهها الاعتقاد أنّ قدرتها على انجاز مشروعها مرتبطة طرداً بتحررها من الضغط الداخلي وابتعادها عن آليات العمل الديموقراطية واحتكارها السلطة والقرار، وتخليّها عن أوهام التمثيل الاحصائي وتبنّيها في المقابل مبدأ تجسيد الارادة الشعبية الشعبوي المعبّر عنها بالتطلّع الجامح الى الخروج من حال التأخر والفقر والبؤس التاريخية والراهنة. ويفسّر هذا جزءاً كبيراً من سيرورة تحوّل الدولة من مخلّص الى وحش قاتل.
وما يبقى بعد ذلك لاستكمال فهم استلاب الدولة وتبدّل رسالتها وتحوّلها من أداة لتوطين الحداثة وتغذية أحلام التحرر الآتي ووعود المواطنة المتساوية، الى أداة لاستعباد الأفراد وتسخيرهم لخدمتها وتبرير العدوان عليهم. وما شاهدناه في الأعوام الخمسة الماضية هو تحليل المسار والسياقات والمصادفات والتقاطعات التي أدت الى اجهاض الدولة التحديثية وفشلها في تحقيق الانجازات الموعودة واستعدادها للتحول الى قوة خاصة مستقلة عن المجتمع وجاهزة للانقلاب عليه.
وينتقد النظريات عن عجز العرب والمسلمين عن الانفصال عن الماضي والتراث، ويلفت الى أنّ ثورات الربيع العربي منذ منتصف عام 2011 أظهرت أنّ تطلّع الشعوب العربية الى التحرر لا يقل عن تطلع غيرها من الشعوب، وأنّ الأسباب العميقة لإعاقة التحولات الديموقراطية لا تعود الى مقاومة الجمهور الشعبي أو المجتمع الأهلي فكرة الدولة الحديثة، دولة الحرية والقانون والمواطنة، انما الى اخفاق الدولة التي بدأت مسيرتها كدولة / طليعة قبل أن تتحول دولة / طائفة، ثم دولة / مافيا، في التفاعل مع تطلعات الشعوب وتبنيّها مشروعاً استعمارياً داخلياً يتناقض كلياً مع تحرر المجتمعات والأفراد ويعمل المستحيل على مقاومته. وهذه هي النتيجة الحتمية لاخفاق الدولة التحديثية في تحقيق مشروعها والانقلاب عليه قبل النزوع الى الحلول محلّه وتغييبه تغييباً كاملاً.
حاول غليون أن يبرهن أنّ سبب المحنة العربية على الرغم من العيوب التي تنخر جسم المجتمعات العربية وثقافتها القديمة والراهنة ومرجعياتها الفكرية، هي الدولة نفسها وليس المجتمع. وأن يشرح أنّ الخروج على الدولة والرِّدّة عليها، كما يجسّده عدد من الحركات والتيارات الاسلاموية وغير الاسلاموية التي انتشرت منذ سبعينيات القرن العشرين، وصارت الشبح الذي يخيّم على مصير الدولة والنظم الحاكمة، لم يكونا خروجاً على دولة تمثّل ارادة الأمة وتعمل على تحقيق غاياتها وأهدافها، ولا ضد فكرتها ومفهومها وما تمثله من قيم السياسة الحديثة وفي مقدّمها المواطنة، وما تنطوي عليه من حقوق وحريات فردية وواجبات واسبقية المصالح العامة، وانما ثورات ضد دولة انقلبت على الأمة، فصارت دولة ضد الأمة وسلطة لا تعيش ولا تستمر إلّا بتفكيك المجتمع واخضاعه ونزع الوعي الوطني والارادة عنه، وحرمانه أي فرصة للتكون كشعب متحد في الوعي والارادة، ومن باب أولى كأمة حرة تستمد مشروعية وجودها ومبررها الاخلاقي من تحقيق الحرية والكرامة للفرد، ومن وراء ذلك للجماعة الوطنية كلها.

[email protected]

■ "المحنة العربية – الدولة ضد الأمة"، لبرهان غليون، 368 صفحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard