شعر - ضاجعني فوق وردة حمراء

30 حزيران 2013 | 00:00

فروغ فرخزاد (1935-1967) شاعرة وسينمائية وممثلة مسرحية إيرانية ولدت في طهران وتربّت في محيط أسرة مهتمة بالثقافة. تزوجت فروغ لكنّ زواجها لم يطل كثيراً إذ طلبت فروغ الطلاق بسبب رتابة الحياة التي أوقعت نفسها فيها، حيث كانت ترى أنّ عليها أن تعيش حرّة ولأجل الشعر فقط، وقد حُرمت بذلك من رؤية ابنها الوحيد كاميار. تعتبر أشعار فروغ حدثاً في الشعر النسائي الفارسي إذ تجاوزت كل الخطوط الحمر في المجتمع الإيراني ولاسيّما في ما يتعلق بأمور العاطفة والجنس. أطلقت العنان لمشاعرها الأنثوية الجامحة فجاءت أشعارها مفاجئة وصادمة، فلم تكن المرأة في ذلك الحين تجرؤ على الإفصاح عن مشاعرها الأنثوية وكان صوتها في الكتابة كصوت الرجل ومواضيعها كانت تتمركز حول شؤون متكلفة ومستهلكة. عاشت فروغ حياةً صعبة من المواجهة والحرمان والفقر، إذ استقلت بعد طلاقها عن منزل والدها وعاشت صراعاً نفسياً وعاطفياً مريراً وخاصةً في ما يتصل بعلاقتها مع القاص والسينمائي إبرهيم گلستان. في العام 1962 نال فيلمها "البيت قاتم"، وهو فيلم تسجيلي عن دار للمجذومين في تبريز، جائزة أفضل فيلم في مهرجان أوبرهاوزن بألمانيا الغربية وقد سمى هذا المهرجان جائزته الكبيرة باسم فروغ فرخزاد في دورته التالية.

سافرت فروغ مراتٍ إلى أوروبا وأتقنت اللغتين الألمانية. أنتجت منظمة الأونيسكو في العام 1965 فيلماً تسجيلياً عنها مدته نصف ساعة وفي العام نفسه أخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي فيلماً تسجيلياً عنها مدته ربع ساعة.
تدعو فروغ إلى رصد الصدق في أصفى أشكاله، وإلى إزالة الحدود بين الحياة والكتابة. ترى أنّ لا شيء يفصل بين شعرها وحياتها، وإن ضرورة الشعر في الحياة ليست مثل الطعام والشراب بل مثل التنفّس. تعتبر إلى جانب نيما يوشيج وأحمد شاملو وسهراب سپهري من أهم أعمدة الشعر الحديث في إيران، كما تعتبر أهم شاعرة على الإطلاق في تاريخ الشعر الإيراني.
توفيت فروغ عام 1967 في حادث سيارة لا يزال يلفّه الغموض حتى يومنا هذا. أعمالها الشعرية، "الأسيرة" (1952)، "الجدار" (1957)، "تمرد" (1959)، "ولادة أخرى" (1964)، و"لنؤمن ببداية فصل البرد" (نشر بعد وفاتها).

الجمعة
الجمعة الصامتة
الجمعة المهجورة
الجمعة المحزنة كالأزقة القديمة،
جمعة الأفكار الكسولة المريضة
جمعة التثاؤبات الشقية الطويلة،
الجمعة الخالية من الانتظار
جمعة الخضوع.

البيتُ الخالي
البيتُ الكئيب
البيتُ الموصد الباب أمام هجوم الشباب،

بيتُ الظلام وتخيّل الشمس
بيتُ الوحدة وقراءة الطالع والحيرة
بيت الستائر، الكتب، الخزائن، الصور.

آهٍ، كم بهدوءٍ وكبرياء
كانت حياتي تجري، كساقية غريبة،
في قلب هذه الجمع الصامتة المهجورة
في قلب هذه البيوت الخالية الكئيبة
آهٍ، كم بهدوءٍ وكبرياء
كانت حياتي تجري.
¶¶¶

وردة حمراء
وردة حمراء
وردة حمراء
وردة حمراء.
إلى بستان الورد الأحمر أخذني
وعلّق في الظلام على جدائلي المرتبكة وردة حمراء،
وفي نهاية المطاف
ضاجعني فوق بتلة وردة حمراء.
أيتها الحمامات الكسيحة
أيتها الأشجار الغريرة العقيمة
أيتها النوافذ العمياء،
الآن أسفل بطني وفي أعماق خاصرتي
تنمو وردةٌ حمراء،
وردةٌ حمراء
حمراء
مثل رايةٍ في يوم القيامة،
آه أنا حبلى، حبلى، حبلى.
¶¶¶

قصيدة السفر
كلّ ليلة
كان أحدٌ ما يتحدّثُ إليّ خفيةً ويقول:
"أنتِ مرتبكةٌ جدّاً من رؤيته
في الصباح المبكر مع النجوم البيضاء
سيرحل، لا تدعيه".

رائحتكَ تجعلني أنسى العالم
وأتجاهل مكائد الأيام...

عيناك كانتا تنسكبان كغبار الذهب
فوق رموشي الرقيقة.
جسدي ملتهب من لمسات يديك
وخصلات شعري حرّةٌ في تنفّسك...

كنتُ أتفتّح من الحبِّ كزهرة وأقول:
"من وقع في الحبّ
لا يؤذي محبوبه.
ليذهب، فعيناي ستكونان في إثره
ليذهب، فحبّي سيحرسه".

آه، أنت لست هنا الآن،
الغروب يفرش الظلَّ على صدر الطريق
وإله الحزن القاتم
يدخل بهدوءٍ معبدَ عيني
ويكتب على كلّ جدار
آياتٍ كلّها سوداء... سوداء...
¶¶¶

ذكرى أحد الأيام
نائمَين كنّا،
شعاع الشمس كان يزحف بنعومة فوق جسدينا،
وعلى بلاط الردهة
كانت يد النور ترسم بعجالة ظلالنا...
لانهائيةً كانت أمواج الأفق الملوّنة
السماء كانت مضمّخة بعطر النهار
وحرير الغيم أحاطنا بستارة لازوردية.

مکتومةً ومنهكةً زحفت کلمة "أحبّكَ".
على شفتيَّ من جديد،
ولكن عبثاً ضاع صوتي
في صمت الظهيرة.

متألَّمةً قلتُ: أيتها الشمس... يا شمس
لا تسطعي ثانية على زهرة يابسة...

عطشانةً كنت
وقد خدعني في صحراء الحياة
مثل السّراب...

بغتةً
لاحت في قسمات وجهه
ظلال الندم
فأمسكت الشمسُ شعري
وزحفت السماء في عينيه...

آه... ليتها كانت أبديةً تلك اللحظة
ليتنا تلاشينا في حزننا وافتضحنا...
ليتنا امتزجنا بالشمس،
ليتنا غدونا بلون الأفق.
¶¶¶

صوتٌ في الليل
منتصف الليل
في قلب الردهة الصامتة
تردّد وقع خطوات...
مثل قلوب أزهار الربيع
امتلأ قلبي بندى اليقين المرتعش.
قلتُ لنفسي إنه هو، لقد عاد.
قفزتُ من الفراش وألقيت بلهفة نظرةً على نفسي
في المرآة الحائرة.
آهٍ،
ارتجفت شفتاي من الحبّ،
تكدَّر وجه المرآة من الآهة،
لعلّها كانت ترى طيفاً أمامها.

شعري مبعثرٌ وشفاهي جافة
كتفاي عاريتان في قميص النوم،
ولكن في عتمة الردهة الصامتة
كان العابر يسرع كلّ لحظة،
وفجأةً انحبست أنفاسي في صدري.

كأنّ روح النسيم شاهد من خلال النوافذ
حزني ووحدتي،
فسكبَ على شعري المبعثر
عطر الأكاسيا اللاهب.

متلهفةً هرعتُ نحو الباب،
وقع الخطوات في صدري
يشبه صدى الناي في أعماق السهول.

لكنَّ وقع الخطواتِ
في عتمة الردهة الصامتة
انحسر ومضى.
الريح
صدحت بغناءٍ حزين.

ترجمة ماهر جمّو

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard