عيتاني لـ" النهار": الامتناع عن حضور جلسات الدستوري غشّ يؤدّي إلى اعتبار الأعضاء المتغيّبين بحكم المستقيلين

29 حزيران 2013 | 00:22

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

لم يكن اللبنانيون يعلقون آمالهم على قرار يصدر عن المجلس الدستوري، بقدر تلهفهم لرؤية مؤسسة دستورية لبنانية، ينظر اليها على أنها المؤسسة الوحيدة التي لم تخضع بعد للمزاجات والتجاذبات السياسية، والتي تعمل بتجرد واستقلالية، مقدمة لبقية المؤسسات في لبنان نموذجا يحتذى به.

يقول الخبير القانوني الدكتور داني رفيق عيتاني لـ"النهار": كانت المفاجأة اعتماد الآلية المطبقة لتعطيل الحكومات اللبنانية - سواء من خلال تعقيد مفاوضات تشكيلها أو التهديد بجعلها مستقيلة حكما (والمقصود بدعة الثلث المعطل) - على صعيد المجلس الدستوري من خلال تعطيل النصاب الذي تفرضه المادة 11 من قانون انشاء هذا المجلس رقم 250 تاريخ 14/7/1993 المعدل، مكرسة بذلك سابقة خطيرة و"غير محمودة" على الصعيدين القانوني والدستوري، تؤدي الى شل عمل هذا المجلس وتعطيله في المستقبل.
ويرى "أن امتناع أقلية الأعضاء عن حضور جلسة المجلس الدستوري ينطبق عليه وصف "تعسف الأقلية" L’abus de minorité ou minorité de blocage وهو مفهوم متعارف عليه في الشركات الخاصة حين تمتنع أقلية من الشركاء في شركة معينة عن التصويت أو الحضور للتصويت على قرار يتبين أنه يصب في "مصلحة الشركة" l’intérêt social فيأتي الامتناع عن التصويت، بمثابة اضرار ضد مصلحة الشركة، بدون وجود ما يبرره قانونا، أو لثبوت على العكس نية مبيتة للاضرار بمصلحة بقية الشركاء.
وتتجلى عقوبة هذا الاجراء اما في اعتماد القرار الذي عطله باقي الشركاء، واما بتعيين شركاء بدلا منهم لتمثيل الأعضاء الممتنعين عن الحضور والتصويت باسمهم وفق القرار الذي يصب في مصلحة الشركة (محكمة التمييز الفرنسية – الغرفة التجارية - قرار تاريخ 9/3/1993- رقم 91-14685).
ويضيف انه لا يخفى على رجال القانون أن نظرية التعسف في استعمال الحقوق، لم تعد أسيرة مجال معين، فهي تطبق في ميادين ومجالات متنوعة مما يبرر امكانية سحب نظرية التعسف على صعيد المجلس الدستوري حيث أقلية من أعضاء هذا المجلس تعطل لمرات متتالية، نصاب انعقاده القانوني للنظر في الطعن المقدم بموضوع عدم دستورية قانون التمديد الذي أقره مجلس النواب اللبناني اخيرا. ان عدم حضور الأعضاء الثلاثة البتة اي جلسة من الجلسات التي دعا اليها رئيس المجلس غير مبرر وتعسفي، واذا افترضنا أن السبب المدلى به يتعلق بشكلية اجراءات تعيين المقرر على ما تداولته وسائل اعلام، فيبقى على الأعضاء الثلاثة واجب الحضور ثم الانسحاب تاليا من المجلس اعتراضا على المخالفة التي يتذرعون بها، وتدوين ذلك الانسحاب في محضر الجلسة. وهذا ما حصل تماما في جلسات مجلس النواب الأخيرة التي انعقدت للنظر في قانون انتخابي معين. فهل يجري استنساخ تجربة المجلس النيابي في المجلس الدستوري؟
أضف الى ذلك أن امتناع أعضاء المجلس عن الحضور يتعارض مع الطابع "الفوري" للمضي في اجراءات البت بالطعن المنصوص عنه في المادة 20 من قانون انشاء المجلس الدستوري التي تشير أيضا الى امكانية تعليق مفعول النص موضوع المراجعة، مما يدل على طابع العجلة القصوى التي أرادها المشرع، فيصبح واجب أعضاء المجلس تاليا تأمين النصاب القانوني لأي جلسة من اجل المحافظة على عامل السرعة المطلوب بصرف النظر عن موقفهم في التصويت.
على صعيد آخر يرى عيتاني أن امتناع الأعضاء عن حضور أي جلسة من جلسات المجلس ينطبق عليه وصف "الغش" Fraude à la loi لأنه يشكل بطريقة غير مباشرة "منعا اراديا" يحول دون اتمام آلية التصويت وانتاج مفاعيلها القانونية، وفقا لأحكام قانون انشاء المجلس الدستوري، حيث يدرك العضو الممتنع مسبقا ان التصويت سيجري بحضوره خلافا لرأيه، وبالتالي لن يحصل على النتيجة المتوخاة الا من خلال تعطيل آلية التصويت كاملة وانتظار مضي المدة القانونية ليصبح القانون المطعون بدستوريته بعد ذلك مبرما وغير قابل للطعن. فيفرض موقف الاقلية على المجلس بطريقة غير مباشرة وملتوية، بحيث يصبح المجلس أسير هذا الامتناع، الأمر الذي يتعارض مع مضمون القسم المنصوص عنه في المادة 5 من القانون المذكور التي تنص على وجوب قيام كل عضو من أعضاء المجلس بعمله بكل أمانة وتجرد واخلاص.
أما العقوبة المحددة لتعسف الأقلية فتتجلى اما باعتماد القرار الواجب اعتماده فيما لو جرى حضور العضو الممتنع وجرى التصويت، واما تعيين ممثل لينوب عنه. وعقوبة الغش هي اللاوجاهية l’inopposabilité للعمل موضوع الغش. وبالتالي استنادا الى هذ المبادئ القانونية يجيز امتناع الأعضاء الثلاثة عن الحضور بدون تقديم أي سبب مشروع للمجلس اعتبارهم بحكم غير الموجودين inexistant والعمل من دونهم.
يؤيد ذلك هو ما تنص عليه المادة 19 من قانون انشاء المجلس الدستوري وفيها: "يعتبر مستقيلا حكما العضو الذي يتغيب عن حضور جلسات متتالية بدون عذر مشروع". فالاستقالة الحكمية هي عقوبة على امتناع الأقلية عن الحضور بدون عذر مشروع، وعقوبة أيضا على تعسف أعضائها في ممارسة حق حضور جلسات التصويت.
فهل يمكن المجلس الدستوري، في انتظار تعديل قانون انشائه، اعتماد نظرية التعسف لتبرير انعقاده بالأعضاء الحاضرين، انقاذا لروحية عمل هذا المجلس، ولوضع حد لتكريس سابقة خطيرة قد يلجأ اليها البعض مستقبلا وباستمرار لتعطيل هذه المؤسسة الدستورية التي ينظر اليها اللبنانيون، ولا سيما منهم الحقوقيون ورجال القانون، كمثل أعلى يحتذى به؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard