كتاب - أمين نخلة أمير الصناعتين و"الأناقتين" تروى حياته من خارج النسق الشعري

17 آب 2016 | 00:00

أحياناً يكون الابن أفضل من يكتب عن أبيه سلوكاً وتصرّفاً كونه أكثر معرفة به، ويترك لآخرين أن يكتبوا عما كان وما صار لأنهم أعلم به. أما الأفضل فأن يكتب المرء عن نفسه لأنه أكثر معرفة بها ولو جمّل محاسنه وفضائله وغضّ الطرف عن مساوئه. ففي الامكان تمييز الغث من الثمين والصحيح من الزائف.

يقول سعيد بن أمين نخلة: "ما زال والدي ماثلاً أمام ناظريّ. وما زلت أراه في شيخوخته الهادئة وسيجارة "اليانجي" المذهّبة لا تفارق شفتيه. كان يشكو من ألم في المرارة وقرحة في المعدة. استمر يقرأ كتب الأصول ودواوين الشعر حتى آخر أيامه. كان يفرح إذا قرأ أدباً أو شعراً نضراً فتنفرج أساريره على صفاء ذهن".
"أمير الصناعتين" أمين نخلة (1901 – 1976) والده أمير الزجل رشيد نخلة الذي رصّع اسمه كلمات النشيد الوطني اللبناني. رأى الى السياسة، فضلاً عن الأدب، فصار نائباً سنة 1947، في المجلس الذي عرف بـ"مجلس التزوير". رغب رياض الصلح في ترشيحه لرئاسة الجمهورية "التي كانت عينه عليها"، وأعجب هو برياض فرثاه اثر اغتياله عام 1951 (وليس عام 1949) بقصيدتين: في احتفال تأبينه وحين رفع تمثاله في المحلة المعروفة باسمه حالياً. وأمين "لم يمدح رجلاً في حياته"، لكنه نظم قصائد عدة بأمير الشعراء أحمد شوقي، وبنى صداقة مع الملك فيصل فزاره في السعودية. ابنه سعيد الأول، أما جامع هذا الكتاب ميشال خليل جحا، فسمّاه "سعيد الآخر"، تيمناً بابنه. وصفه جحا بأنه مسرف في الأناقة، ولقبّه بـ"سيد الاناقتين" أي أناقة اللفظ وأناقة الهندام، على غرار سيد الصناعتين.
في مناسبة تدشين ضريح رشيد نخلة في الباروك في 28 آب 1966، كتب أمين مقالاً نشر في ملحق "النهار" على الصفحة الأولى بتوقيع ميشال جحا.

قراءاته تشي بما صار عليه
يروي جحا أن أمين في شبابه كان يهيّئ نفسه للكتابة بالفرنسية، اللغة التي درسها وأحبّها، لكنه تناول مصادفة كتاباً من مكتبة والده الغنية بالكتب والمراجع الأدبية، فإذا به القرآن، وأخذ يقرأ فيه فوجد ما أدهشه وجعله يعدل عن الكتابة بالفرنسية الى العربية، وألحق به "نهج البلاغة" و"كليلة ودمنة".
شغفه هذا دفعه الى قراءة كتب التراث العربي للكبار أمثال: أبو هلال العسكري صاحب "الصناعتين" و"ديوان المعاني" و"الكرماء" و"المعجم في بقية الأشياء"، والثعالبي صاحب "الخاص خاص" و"صرّ ودرّ" و"راسلة ذم أخلاق الكتاب"، والسيوطي في "طبقات"، والجاحظ في "القيّان" و"التربيع والتدوير" و"المحاسن والأضداد" الذي اعتبر أنه "مدسوس على الجاحظ ومزيّف عليه، لأنه غث سقيم" وهو مظلوم بنسبته اليه، كما ظُلم بنسبة كتاب "التاج" اليه. وهذا ما ورد في مقابلة اجراها معه رفعت الحنبلي ونشرت في "المكشوف" عام 1937، ويضيف فيها أنه يقرأ لمعاصريه مثل شكيب أرسلان.
ويذكر تأثره بالشعراء العرب، خصوصاً المتنبي "كان يبهرني" وابا نواس "كان يلذّني"، علماً أن "ثلثي شعر ابي الطيب ليس من الشعر في شيء، ونصف شعر ابي نواس من أردأ الشعر!".

نَفَسَان شعري ونثري
يضيف الحنبلي في مقدمة المقابلة مع أمين: "... كنت أقرأ له بين الآونة والأخرى ما تجود به عبقريته من النثر الذي خلقت له ألفاظه، ومن الشعر الذي لا يقلّد أحداً فيه، فأتذوّق أدب أمين واستسيغ بيانه واستحبّ اسلوبه".
للدلالة على أسلوب نخلة النثري اقتطع مما كتبه لمقدمة ديوان الشيخ ابرهيم المنذر "يصعد المنبر فما هي إلا جولة أو بعض الجولة في الكلام الذي انبرى له حتى تخشع الأبصار، وتخفق الأفئدة، فيتناول غليان الجمهور بكلتا يديه، وهناك ترى بعينيك معنى ما تقول العرب في الخطيب "إنه يقود حُرُولَ النفوس!".

لا تقرأ جبران والمنفلوطي
ينقل أمين عن والده رشيد قوله "لا تقرأ كتابات جبران والمنفلوطي فإن الأول يفسد عليك اسلوب الفصاحة، ويفسد عليك الآخر أسلوب التفكير". روى اندره جيد في كتابه "اوسكار وايلد"، أن وايلد قال له لمناسبة صدور كتابه هذا: "في الفن لا يوجد الرجل". وبهذا قال نخلة رأيه في نقد مارون عبود قصيدته في رثاء شوقي وقصيدة الأخطل الصغير: "الأستاذ عبود صديق للأستاذ بشارة، كما أنه صديق لي، واتباهى بصداقته. فإذا رأى رأياً في قصيدة بشارة أو في قصيدتي فهذا لا يعدّ ظلماً بل رأياً، إذ إن النقد في الأدب ليس أحكاماً مبرمة من محكمة تمييز! بل هو اذواق ومشارب. وقد يكون الرأي الذي تراه أنت مثلاً في قطعة فنية مخالفاً لرأيي فيها، فلا يكون ذلك منك ظلماً، ولا يكون مني إنصافاً". لعل صحافة تلك الأيام، كحالها اليوم في مضمار الفن والأدب تنفخ في نار الاشاعات حتى تتوهج الخلافات.
طالما عبّر شوقي عن اعجابه بأمين حتى أنه بايعه بإمارة الشعر بقوله:
هذا ولي لعهدي
وقيم الشعر بعدي
حتى أنه تمنى أن يرثيه أمين.

"حزب الثالوث" لرشيد نخلة
لا بدّ من الإشارة الى ان رشيد نخلة كان أسّس حزباً دعاه "حزب الثالوث" تبرّأ المنتسبون اليه من الجنبلاطيين واليزبكيين معاً. ففي عام 1915 سافر الى فلسطين وبعد عودته توارى في الشوف مع نفر كبير من رجاله معلناً الثورة الاستقلالية المسلحة، وفي الثاني من تشرين الأول 1918 أعلن الحكومة الأهلية في سرايا بيت الدين، باسم "فدائيي لبنان". وأطلق على نفسه لقب رئيس حكومة الفدائيين، كما يشهد على ذلك "البيان رقم 2" الذي وجّهه الى بلديات جبل لبنان. ويذكر أن آل نخلة ينتسبون الى السلالة الهاشمية.
صار أمين موظفاً حكومياً، مديراً لناحية العرقوب، في الخامسة عشرة بين عامي 1916 و1917، وقد سعى شكيب ارسلان الى هذا التعيين مرضاة لوالده لكنه عاد الى المدرسة البطريركية بعد انتهاء الحرب.
هل لانتسابه العائلي علاقة بفرض طقوس متزمتة في بيته، ليست من تقاليد العائلات اللبنانية العريقة؟
تقول زوجته انه فرض عليها الحجاب، ومنعها من زيارة صديقاتها، أو الخروج من المنزل إلا برفقة والدته ويفصل في منزل بين استقبال الرجال والنساء وليس كافياً القول بالغيرة!
يروي ميشال جحا أن الطرب كان "يستخفه، فيقيمه النغم الصحيح ويقعده"، لذلك تناول في ديوانه أبرز المطربين والملحنين والعازفين، أمثال: سيد درويش محمد عبد الوهاب، موسى حلمي المغني، والعوّاد يوسف الشلفون والعازف سامي الشوا. وكان معجباً بصوت وديع الصافي، يدعوه الى مائدته بعد أن ينتهي من وصلته الغنائية في مطعم منصور في عين المريسة. وكسياسيي زمانه جلس في مطعم "فيصل" حيث يخدم سميّه النادل أمين.

المتزمت في بيته
كتاب "أمين نخلة" (530 صفحة، دار نلسن) ثلاثة أقسام: الأول، يضم مقالات ومقدمات كتبها أمين نخلة لكتب ودواوين لم تنشر في كتاب له، والثاني، مقابلات أجريت معه في بعض المجلات والصحف، والثالث، يضم مقالات وابحاثاً وضعت عنه وعن أدبه.
الكتاب يلقي الضوء على حياة الأديب وأدبه عموماً، ويكرّمه لمناسبة مرور 40 سنة على رحيله. أبرز ما في الكتاب المقابلات الخمس التي أجرتها نازك باسيلا ونشرت في مجلة "الأسبوع العربي" سنة 1972، وهي تلقي الضوء على حياته وأدبه وعلاقته بأجداده وبوالده وزوجته وابنه وابنته. وهو لا يذكر زوجته وهي ايفون طرزي في شعره ولا يتغزل بها، بل بسواها. في الكتاب ما كتبه ادونيس في مجلة "شعر" منتقداً ديوان الأمين. الملف الذي نشره شوقي أبي شقرا في "النهار" لمناسبة مرور سنة على رحيل نخلة وكتب فيه: سليم باسيلا، روز غريب، انطون غطاس كرم، أمين البرت الريحاني. هذا الكتاب جُمع بعد نشر أعماله الكاملة.

قصيدة سعيد عقل في تكريمه!
من كرّم كثيرين عزّ تكريمه واستعصى. كان الموعد الأحد 15 نيسان 1973 في قصر الأونيسكو، بمشاركة: نزار قباني، محمد الفيتوري، صالح جودت، كمال ناصر، بولس سلامة، حسن القرشي، لميعة عمارة، عبد المنعم الرفاعي وغيرهم. ففي العاشر من نيسان اغتيل كمال ناصر، فأجّل المهرجان، وظلت الحوادث الأمنية ضاغطة لتأجيله الى أن توفى أمين نخلة في 14 أيار 1976.
وكان سعيد عقل كتب ثمانية إبيات من قصيدة قرأها على صديقه الأمين الذي اهتز لها وأدمع. بغياب الأمين انطوت القصيدة الى أن نشرها هنري زغيب في مجلة "الأوديسيه".
قد تكون أهمية هذا الكتاب أن تقرأ أدباً خالصاً لنخلة، وتقرأ مثله عنه.

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard