هشام جارودي رافق زعماء بيروت وسياسيّيها لكن اسمه رفعته راية "الرياضي"

13 آب 2016 | 00:47

يقول تمّام سلام إنّ هشام جارودي لقّب بـ"العريس" لكثرة ما استعمل التسمية في مخاطبة محبّيه بإلقاء التحيّة عليهم، قائلاً: "أهلاً عريس وأهلاً عروس"، لأنّ الحياة في نظره "عرس وفرح دائم يستحقّه كل حب". يعني أنّ جارودي شخصيّة محبّبة وعفوية وقريبة من القلب، فجاء عنوان كتاب ذكرياته "من القلب".

ولد هشام في بيروت عام 1942، وسط عائلة بيروتية عريقة، فجدّه شفيق من كبار تجار سوق أبو النصر، ووالده عزت تاجر مال قبان في شارع فوش، وأعمامه أحمد وأمين وسعيد وعبد الغني ومحمد من تجار شارع فوش والمارسييز، أي أنهم من المتضرّرين من شركة "سوليدير". كمعظم أبناء عائلات بيروت الميسورة من التجّار بدأ دراسته في بيت الأطفال – المقاصد، ثم أكمل في "الآي. سي" حيث تفتحت قدراته التعليميّة ومواهبه الرياضية والثقافية، وكانت كلاً متكاملاً، إذ كان مهتماً بالشعر والأدب الى جانب ممارسة الرياضة.
تقارب ذكرياته ذكريات الكثيرين من مجايليه أو معاصريه، ممّن هم أبناء مجتمع بيروتي واحد، اكتسبوا تعليماً على منهاج تربوي واحد، لكن الفارق في نموّه التعليمي والفكري والعملي، حتى وصل الى ما هو إليه، يعود إلى البصمة الشخصيّة التي تميّز كل فرد، أي بصمته الحياتيّة التي تمثّل هويته الذاتية... فضلاً عن رعاية صائب سلام له مذ تخرّج في الجامعة ودفعه على درب المشاريع الكبرى، ما فتح المجال أمامه واسعاً عربياً ثم خارجيّاً، وأكمل الدرب رفيق الحريري، خصوصاً منذ ولّاه أمر الاهتمام بجانب من جوانب "سوليدير"، بصفته مستشاراً له للشؤون الهندسية والعقارية.

البداية مع صائب سلام
حين يتحدّث هشام جارودي عن حياته ومسيرته، إنّما يتحدّث عن بيروت عاصمة لبنان، وقبلة اللبنانيّين ومركز وحدتهم، وعن واقعها قبل الحرب وبعدها، وعن عائلاتها ورجالاتها وحضارتها، فكأنّها كلّها مجبولة في شخصه، وخصوصاً أن علاقته ببيروت جاءت من القمة، أي من زعمائها وسياسيّيها، الأول صائب سلام والثاني رفيق الحريري، وحالياً تمّام سلام. في ذكرياته صفحات طويلة عن علاقته بصائب ثم برفيق، فهما محورها، بل محور حياته العمليّة والرياضيّة وحتى الشخصيّة. يذكر فضل صائب في إطلاقه، إذ اختاره فور تخرّجه أن يكون الى جانبه لبناء مشاريع جمعية المقاصد، وكانت باكورتها مبنى البازركان في محلة باب إدريس العام 1966.
سافر إلى قطر في العام 1968 حيث ساهم في مشاريع بنائها حتى العام 1982. وتوسّع لإنشاء مشاريع في لندن وواشنطن ونيويورك وكندا. وصار عضواً في مجلس أمناء جمعية المقاصد العام 1983، ولا يزال حتى اليوم. في العام 2013 اتصل سعد الدين الحريري بتمّام سلام وطلب منه موافاته إلى السعودية، كذلك طلب من جارودي مرافقته. وفي ذلك اللقاء تمّ ترشيح تمّام لتولّي رئاسة الوزارة الحالية، و"أسماء من يصلحون لتولّي المناصب الوزارية"، كما قال جارودي. وعادا من المطار إلى بيت الوسط حيث اجتمع نواب كتلة 14 آذار، فتبلّغوا القرار. ومضت 10 أشهر و10 أيام منذ التكليف الرسمي حتى تألّفت الحكومة.
كل إنجازات جارودي الى جانب صائب سلام وفي المقاصد، والى جانب رفيق الحريري وفي إنجازات "سوليدير" لم تجعله نجماً لدى الرأي العام اللبناني، إنّما ما جعله كرة السلة اللبنانية التي ارتفعت رايتها عالياً الى العالمية مع انطوان شويري رئيساً لنادي الحكمة، وهشام جارودي رئيساً للنادي الرياضي. الصديقان المتنافسان بذلا للعبة فأعطتهما بطولات وصلت الى المركز الأول في بطولة آسيا. وهو يقول إنه "كان محظوظاً في عيش مرحلة انطوان شويري ومواكبة نهضة كرة السلة اللبنانية".

العلاقة مع الحريري
بوساطة صائب سلام وفي منزله في جنيف تعرّف جارودي الى الحريري في العام 1987. ثم تكّرر اللقاء في جدة بواسطة فؤاد فواز، وجرى الحديث عن تملّك الحريري وسط بيروت. بعد "سوليدير" تمتّنت علاقته بالحريري، وخصوصاً بعدما اشترى له عقاراً سمّاه "أرض شمّا": "كانت بادرة خير، ومن يومها لم يعد دولته حتى تاريخ وفاته يشتري أو يبيع أي عقار إلاّ بواسطتي. كل أملاك الرئيس الحريري التي يرغب في شرائها ولا يريد أن يدوّن اسمه عليها، كنت أسجّلها باسمي أو باسم زوجتي أو أولادي وأعُطي تنازلات باسمي وباسم عبد اللطيف الشمّاع الذي كان صديقاً للرئيس الحريري وهو مسؤول مالي كبير عنده". مضيفاً: "قمت بشراء عقارات لأشخاص ولرجال دولة كبار، اشتريها وأسجّلها واحتفظ بالملفّات في بنك البحر المتوسط". اتصل به يوماً سائلاً عن أرض الرئيس شمعون في السعديات: كم يساوي المتر هناك؟ "وسبق أن أشتريت له قسماً منها، وكانت الأسعار ما بين 150 و200 دولار، وأغلى ثمن كان 250 دولاراً. وسأل مستفسراً في اليوم الثاني: "إذا اشترينا بسعر 250 دولاراً، أو 300، هل هذا سعر جيّد؟ لأنهم قالوا لي إنها تساوي 1000 دولار، وانهم باعوا بهذا السعر". ثم فاوض على قطع أرض يملكها خالد جنبلاط في السعديات واشتراها منه بأعلى ممّا طلب. وقال جارودي: "كلّفني الشيخ رفيق أن اشتري له أراضي عدّة في منطقة الروشة، من مطعم دبيبو على البحر لتصل إلى فندق موفنبيك. واشتريتها. كانت نيّته أن يعمل منها "مونت كارلو"... وقد اشترينا 26 ألف متر، و33 ألف متر و35 ألفاً و42 ألف متر بناء على طلبه".
تابع جارودي العمل في مشروع بناء جامع محمد الأمين أحد إنجازات الحريري الأكثر أهمّية له، وقد أنشئ بجوار كاتدرائية مار جرجس المارونية قبالة اللعازرية، وقد قال لجارودي: إن إنشاء جامع راودني منذ طفولتي، وأنا أريد من ركاب الطائرة وهم فوق بيروت أن تقع أعينهم قبل كل شيء على جامع محمد الأمين المميّز بضخامته وقبّته الزرقاء "فيكون أول معلم حضاري يستقبلهم قبل هبوط الطائرة في أرض المطار".
حين رشّحه الحريري للانتخابات النيابية في العام 1996، تريّث حتى استشار تمّام سلام الذي رفض ترشيحه، ثم انضم الى المقاطعة المسيحية، فقال له الحريري: "بالأمس اتّفقنا أنّك سوف تذهب الى عبد الحليم خدام، ثم نعلنك رئيساً للوزارة وليس وزيراً"، فردّ تمّام: "أنا لن أقاطع الطرف المسيحي أبداً". وأعلن انسحابه.

رفع "الرياضي" وارتفع
ولدت فكرة تأسيس النادي الرياضي العام 1934 برئاسة حسين السجعان ومقرّه في الصنائع، وعمل بالتنسيق مع جمعية المقاصد، فضمّت إليه لعبة كرة السلة العام 1945 وترأّسه وفيق النصولي حتى 1992. ومنذ 1947 أخذ يحقّق البطولات المحلية والعربية. وفي العام 1953 و"بهمّة الرئيس صائب سلام اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بتقديم قطعة أرض أميريّة للنادي الرياضي في المنارة ليبني عليها ملعباً كبيراً على مساحة 6 آلاف م2، وبإيجار رسمي يتجدّد تلقائياً كل 15 سنة". وأبصر فريق السيدات النور في العام 1967. وأجبرته الحرب منذ عام 1975 على التوقّف، وخصوصاً أنّ أرضه صارت لاحقاً مجمّعاً للدبابات ومربضاً مدفعياً للسوريّين.
في العام 1991 انتخب جارودي رئيساً للنادي الرياضي، بتمنٍّ من تمّام سلام، ولا يزال، خلفاً لوفيق نصولي 1943 – 1991. ويسجّل جارودي انتصارات النادي المتتالية في مختلف الرياضات، وخصوصاً في كرة السلة لبنانيّاً وعربيّاً وآسيويّاً.
نال وسام الأرز من رتبة فارس عام 2012.
وفي حوار نشر في "النهار" في 23 حزيران 2014، قال جارودي: "أريد الابتعاد عن هذا العالم الصاخب الذي لا أخفي حبّي له لأنّي تعبت، ولكن علي استئذان الرئيس سعد الحريري بالمغادرة بعد 25 سنة في خدمة النادي الرياضي، حصلت فيها على حب الجمهور اللبناني واحترامه وجمهور فريقنا، وبنيت فريقاً لكل لبنان من الرجال والسيدات والأشبال... لذلك أطلب من الله أن يوفّقنا بإدارة جديدة تتابع المسيرة".
وأضاف: "كانت فرحتي لا توصف، وأنا أجول في مكاتب جريدة "النهار" حاملاً الكأس، وأيضاً الردّ على التهاني، مردّداً: شكراً LBC والقيّمين عليها". وقفت عند باب الجريدة، مغادراً، وأكّدت أنّي سأحاول الاحتفاظ بلقب البطولة، ومن الطبيعي أن يؤول إلى غيرنا... ولكنّني ومجلس الادارة سنعمل على تقديم صورة مشرقة عن اللعبة سواء فزنا أو خسرنا المهم أن تبقى لعبة كرة السلة اللبنانيّة".
يعدّد تقديماته الاجتماعية ومنها بناء الطبقة الثانية في مستشفى المقاصد ومبنى باسمه في الـ"آي سي" عام 2012، وتجديد مبنى كلية الهندسة في الجامعة الاميركية، وبناء أوديتوريوم وتجهيزه في كلية رفيق الحريري للتمريض في الجامعة الأميركية، وإقامة تمثال لصائب سلام عند تقاطع الأونيسكو، وترميم البيت الزهري وغيرها من التقديمات. وقد انتخب في مجلس العمدة في الجامعة الأميركية عام 2015.
يمضي جارودي أوقاته بين بيروت ولندن والقاهرة، فاتحاً هاتفه النقّال على أخبار كرة السلة. ويفتخر بأنه أنجز القاعة المقفلة للنادي عام 1992، ثم توسيعها وإدخال تعديلات عليها وبناء قاعة الشرف فيها للزوار الكبار.
وأخيراً كلمات من القلب الى مجايلين ومعاصرين كتبها في وداعهم.

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard