لنتذكر زكي ناصيف

12 آب 2016 | 00:00

لا تكتمل المكتبة الموسيقية العربية إلا بألحان زكي ناصيف■، الذي اشتهر بالاغنيات الراقصة والخفيفة منذ أوائل الخمسينيات، ثم باغنيات شعبية ودبكات ميّزته في مسيرته الفنية التي برزت في مهرجانات بعلبك والانوار. كان حضارياً الى جانب كونه موسيقياً كبيراً، نهل من تراثه الشعبي وانتج موسيقى أصيلة.
ينقل عنه فكتور سحّاب قوله إن أعظم الأصوات سمعها هي لكبار المقرئين الذين تربّى على تلاوتهم للقرآن كبار المغنين في مصر كسلامة حجازي وعبد الوهّاب وغيرهما، ولاحقاً كبار الموسيقيين كمحمد القصبجي ورياض السنباطي وزكريا أحمد، دون أن يغفل "أن أعظم صوتين يغنيان الغناء المدني والعاطفي" هما أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. أي أنّ تجويد القرآن هو مدرسة الغناء الكلاسيكي العربي السليم، ولم يَعُدّ فريد الأطرش في هذه الفئة "لأن غناءه غير مُقَرأن". تقنياً التجويد "يمرّن الحجاب الحاجز، في الآيات الطويلة التي لا يجوز قطع قراءتها في وسطها، وهذا أمر ضروري لضبط الصوت وتجنّب النشاز في الغناء. كما أنّ مخارج الحروف السليمة أساس يتعلّمه كل من ينشأ على التجويد. ويتملّك دارس التجويد المقامات الموسيقية العربية والمسالك بينها، والبراعة في الانتقال من مقام الى آخر عبر هذه السكك المقامية. ويستطيع دارس التجويد وهو يرتجل النغم في قراءته القرآن، أن يكتسب مقدرة فائقة في ارتجال الألحان".
التقى سحّاب بصفته معداً ومذيعاً للبث المباشر في الاذاعة اللبنانية زكي ناصيف، خلال اعداد برنامج عن التراث اللبناني في السبعينيات، وسأله عن التراث الموسيقي اللبناني، فأجابه: "ليس هناك موسيقى لبنانية خالصة، فموسيقانا هي جزء من موسيقى بلاد الشام، التي نحن منها في عاداتنا وتقاليدنا". وحين نقل السؤال الى الاب لويس الحاج عميد المعهد الموسيقي في جامعة الروح القدس في الكسليك آنذاك، أجابه: "ليس ثمة موسيقى لبنانية، إذا تعمقنا في الجذور، فجذور موسيقانا سريانية تستقي عناصرها من الامتداد السرياني في المنطقة".
ويعلّق سحاب: "كان الأب الحاج يعبر عن وجهته الدينية في الموضوع، فيما كان زكي ناصيف يعبّر عن فكره الميّال الى العقيدة السورية القومية الاجتماعية، لكن الجوابين يتفقان في العمق".
برّر التزام جملته الموسيقية في الاغاني الشعبية والتراثية حدود أربع أو خمس درجات موسيقية ولا تصل الى السابعة في السلم الموسيقي، بأنّ الجملة الموسيقية التراثية مستقاة من تقليد المغنين للآلة الموسيقية التي يعزفون عليها في قرانا، أي المجوز أو الربابة. فالمجوز لا يؤدي اكثر من ثلاث أو أربع درجات موسيقية، والربابة أوسع قليلاً، لذلك كل الحان الغناء الريفي من ميجانا وعتابا ومعنّى وغيرها لا تتجاوز الدرجات الخمس.
وتنوّعت اغنياته وألحانه تنوعاً واسعاً على رغم أصالته وتجذره في التراث. فمن الاغنية الكلاسيكية الكبيرة، مثل: "يا بني أمي"، الى الموشح في: "سحرتنا البسمات"، فالكلاسيكية الخفيفة في: "يا ليلى" أو "عاشقة الورد"، الى الدبكة الكلاسيكية الرفيعة في: "يا بلادنا مهما نسينا"، و"ليلتنا من ليالي العمر" و"سهرنا سهرنا وما نمنا"، الى الدبكة الشعبية البديعة في "طلوا حبابنا"، الى اللون البدوي المؤثر في: "اشتقنا كثير يا حبايب"، الى البدوي – الفلاحي في: "يا رفيق الصبا". ويعزو منشأ الدبكة الى رصّ التراب على سطوح البيوت القروية القديمة، واذ يجتمعون في العونة، صارت دبكة العونة، التي حرّفت الى الدلعونا.
بدأ رحلته الموسيقية بفونوغراف و35 اسطوانة لمغنيين مصريين، اشتراها والده من والد دريد لحام الفنان السوري الشهير، حوالى عام 1920، في رحلة تجارة كانت مزدهرة بين مشغرة ودمشق، حيث لم تكن هناك حدود فاصلة بين لبنان وسوريا.
أولى خطوات تدرّبه على يد والدته ذات الصوت الحنون تغني فراقيّات ومعنّى على طريقة علي الحاج الحوماني، وتبكي. ثم درج على الأهازيج والترانيم التي كان يسمعها في قريته مشغرة ومحيطها. أما ما سمعه بالفونوغراف فأغاني لسلامة حجازي وهو شيخ أزهري، وكذلك فرقته من المنشدين، وابي العلا محمد.
وعام 1930، بعدما انتقلت العائلة الى الطيونة عام 1922، أهداه جورج مزهر، صديق والده، عوداً، فصار يحاول العزف عليه، حتى تعلّق به. وقبل ذلك كان يرتّل في الكنيسة وتعلّم العزف على المجوز حتى اتقنه. وكانت بدايات ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فأخذ يستمع الى اغانيهما. ثم احتك بموسيقيين أمثال خليل مكنيّة والكسي اللادقاني.
اما دراسته الموسيقية الاكاديمية فتلقاها في الجامعة الاميركية فتعلّم العزف على البيانو والفيولونسيل.
تفتحت مواهبه خلال عمله في اذاعة الشرق الادنى منذ عام 1953 وفي الاذاعة اللبنانية، بدءاً بأغنيتي: "دنياك يا اسمر" و"ياريت ما سمعناك يا اسمر" اللتين غنتهما سعاد هاشم و"وحياتك يا درب العين" التي غناها نصري شمس الدين. و"يا عاشقة الورد" التي غناها خليل المير، قبل أن يغنيها هو نفسه. وفي مرحلة النصف الاول من الخمسينيات تعاون مع الأخوين رحباني. احدى أشهر أغانيه التي يتطاول على غنائها كل منا، "طلّوا حبابنا طلّوا" اخذ لحنها من اهزوجة شعبية هي "قام الدب تيرقص قتّل سبع تمان تنفس". وهكذا يكون الابداع الفني.
بعد نهضته مع آخرين في اذاعتي لبنان والشرق الادنى"، انطلقت شهرتهم في مهرجانات بعلبك الدولية منذ عام 1957، وبشكل فعلي منذ عام 1959. ثم في مهرجان الأنوار في كازينو لبنان الذي كان يرعاه صاحب دار الصياد. وفي هذه المرحلة ظهرت الحان زكي ناصيف وأغانيه التي اشتهرت وصار يرددها الصغير والكبير، وضمت البوماً من مئات الاغنيات، وبينها عشرات هي الأجمل في المكتبة الموسيقية اللبنانية.

[email protected]

¶ كتاب عنه بعنوان "زكي ناصيف الموهوب العالم" لفكتور سحاب، أصدرته "دار نلسن" في الذكرى المئوية لولادته.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard