"سِفر السكين" لفارس خشّان آخر أسفار السلطة والمال خارج حدود المزرعة

9 آب 2016 | 00:00


"سفر السكين"، إنّه السفر الكوني الواحد منذ سفر التكوين، بالمفهوم الديني، على الأقل، كانت الخليقة موحّدة بآدمها، إن لم يكن هناك أكثر من آدم، ولكن بحسب الأسطورة الدينية، اختلف ابنا آدم وقتل أحدهما الآخر، ومذذاك البشرية منقسمة، ويتشعّب الانقسام بتشعّب الافخاذ والسلالات. قتل بعضهما بعضاً بسبب الله الذي أراد تضحية له، وقبِل إحداها ورفض الأخرى. لماذا؟ لماذا يفرِّق بين أبنائه بحسب التسمية المسيحية، وعبيده بحسب التسمية الاسلامية، وهو خالق الجميع؟ الشر والخير موجودان في كل أحد، هو نفسه الذي يغلّب غريزة على أخرى، وإلاّ لو كان الله يفعل، لكان مستمرّاً في الانحياز والتمييز بين أتباعه، وهذا ما لا يجوز وصفه به.

منذ أسفار التوراة – وكلها تروي المجازر والنهب والاغتصاب – المقَاتِل هي القاسم المشترك بين أتباع الله، كما نشاهد في عصر "داعش" حالياً، يجب أن يكون السكين هو شعار موحّد للقبائل والطوائف المتقاتلة في ما يسمّى دولاً. وجد السكين للذبح واستعمل لهذه الغاية، ولا يزال يستعمل. مع التمدّن حُصِر في المزرعة، حيث اعتُبر ذبح الحيوانات حلالاً، كلّه، فلماذا البحث عمّا هو حلال أو حرام؟ سيطر مفهوم الإنسان على الذبح، حتى تنفر غريزة الحيوان فيه، فيصير الذبح صراعاً بين حيوانين. كل لا يرى في الآخر إلا ديكاً حين تخور قواه يصير لحماً على مائدة احتفالية.

مفاهيم المزرعة
من سكين المزرعة، الذي بدأ بسكين أسفار التوراة، خطّ فارس خشّان روايته الثانية (بعد الأولى "مومس بالمذكر") فتقلّب مفهوم السكين في المجتمع حيث برزت مواهبه بمفاهيم "محامي الشيطان" الذي استباح كل القيم الاجتماعية المدنية لمصالحه الخاصة، فصار، كما نقول بالعامية، "متل المنشار بالطالع آكل وبالنازل آكل"، وفي ذلك مبالغة ذهب بها خشان الى الموقع الدرامي المسرحي، فكأننا أمام أحد أبطال اليونان التاريخيين هرقل أو آخيل أو هكتور، أو الأصح أحد أبطال التوراة كداود أو سليمان، لا يقهر إلاّ بيد أحدٍ على مستواه. وهذا سنراه في الرواية الآتية، كما ظهر في الختام.
خرج فادي ماضي من المزرعة حاملاً مفاهيمها. ودخل بها المجتمع والمحاماة، وتدرج فيهما بقدر ما تدرّج في تطوير ذهنية المزرعة. فصار السكين في يد المحامي أداةً لشطب الخصوم، كما هو حاله في المزرعة، وبالتالي وسيلة لبروز الترقي الاجتماعي، خلافاً لدوره الفعلي، فتطوّر بتطوّر التمدّن وارتفاع وتيرة الذكاء البشري في أساليب الاحتيال.
المحامي بطل الرواية، وقد تغيّرت شخصيات الأبطال، فبعدما كانوا يتّصفون بالشهامة والاخلاق صاروا من خانة المحتالين المجرمين، وبذلك خرج خشان من الصورة النمطية للبطل إلى صورة من الواقع السياسي – الاجتماعي لأبطال هذه المرحلة، الذين يغايرون الصورة النمطية الى صورة تكسر نمطيتنا الذهنية.

واقع أغرب من الخيال
بعدما درجت موجة أفلام الخيال العلمي، يأخذنا خشان في مسار روائي اسمّيه "الخيال الافتراضي"، الذي لا يعني أنّ حوادث الرواية ليست واقعية على الرغم من ضيق احتمالاتها الافتراضية، وعلى الرغم من قول خشان "سأكون واقعياً في روايتي حتى... الاندماج"، لكن اغراقها في الواقع الذي نجهله يجعلها غريبة عن نمطنا الذهني، ولا تُصدّق رغم صدقيتها. صادفنا في الحياة قصصاً أغرب من الروايات. وهذه الرواية بواقعيتها أغرب من الخيال. مؤامرة تحوك رواية، تجري وقائعها في لبنان "حيث يعرف أي حاكم في الخارج، كل الحقائق والأسرار والفضائح، بالتقارير التي يكتبها اللبنانيون بأيديهم".
إذاً، ربط خشّان الوقائع بالخيال، فحلّق بها. ثمة وقائع حاضرة نرمي بها الى الماضي أو المستقبل، فنبدع الرواية. حين يتحدث فادي ماضي عن سلوكه الاستغلالي، انما يصف سلوكاً لبنانياً عاماً.
قبل أن تقرأوا الرواية يجب أن تطّلعوا على نظام عمل المزارع، على أشكالها، في لبنان حصراً، حيث تخرّج فادي ماضي في إحداها. وإن تعدّدت المزارع بتعدّد الزعامات والطوائف، فإن سياقها العام واحد، والاختلافات بينها تفصيلية لا تؤثّر في النظام الكلي. يقول خشان: "قاعدة المزرعة سحبت نفسها على كل شيء تقريباً". أي على علاقات المحامي بمحيطه المهني والاجتماعي، دون حصرية".
في أسفار التوراة أباح ابرهيم لنفسه المحظورات، واحتال يعقوب على أبيه ليكسب السلطة والمال. هكذا تعلّم فادي ماضي من أبيه أساليب السيطرة على المزرعة، باعتماد القوة والاباحة. فكل شيء مباح في مزرعة الحيوانات، كما هي في مزرعة البشر، حين يتولاها أمثال فادي ماضي الذي يمثّل نموذجاً للبناني الوصولي الذي يسخّر المحظورات لينال الضرورات، وهي السلطة والمال والجنس. فانتازيا استلهام معاملة البشر بالاستناد الى مفهوم المزرعة، أي معاملة الحيوانات في المزرعة، رفعت الرواية عن مرتبة مزرعة الحيوانات "Animal Farm" الى مرتبة مزرعة البشر، وهما متشابهتان إلاّ باختلاف واحد أنّ حيوانات مزرعة الرواية ناطقة.
فلنعرض نموذجاً لمطابقة مفهوم المزرعة على شخصيتين على تماس مباشر مع "محامي الشيطان"، هما فادي الأسمر الرئيس المباشر لماضي في مكتب المحاماة، وأمينة المالح التي تفرض مهمته أن يتعامل معها كونها سكرتيرة المدعي العام. يقول: "سامي الأسمر وجد في الذئاب توصيفه. لا بدّ من ايجاد الطريقة التي تتوافق وقاعدة المزرعة، في التعامل معها. أما أمينة، فتبقى خارج التوصيف. لم يجد حيواناً في المزرعة يشبّهه بها، بعد. وهذا ما يجعله ضعيفاً أمامها ومرتبكاً وتائهاً. إنها الشخص الوحيد الذي يفرض عليه أن يتصرف، وفق سلّم القيم الاجتماعية الذي رمى به جانباً منذ نعومه أظفاره. وحدها تفرض عليه أن يكون حالماً وأخلاقياً وملتزماً". لكنه لاحقاً يتنصل من هذه الحالة ويضمها الى كائنات المزرعة بعدما نال مراده منها، ثم أهملها وتركها.

السلطة والمال
يختصر المقطع التالي الفكرة الرئيسية التي أراد خشان ايصالها، وهي "السلطة تصنعها القوة وهي تصنع القوة. السلطة يصنعها المال وهي تصنع المال. السلطة تولد على أجساد النساء وهي التي تولد آلاف النساء، السلطة تصنعها السكاكين، وهي تصنع السكاكين"، هذه حالنا، فهل نتّعظ؟
خرج فادي ماضي من مزرعة أبيه وأخيه، درس الحقوق، ثم انتسب متدرجاً الى مكتب المحامي الكبير والمرشّح للرئاسة سليم المعلوف، فصار عاملاً تحت يد سامي الأسمر الذي كان يغيظه فتخيل نفسه ناحره كالدجاجة، عاد فقتله بدس السم في النبيذ، فالسكين مودة قديمة، وإن كانت تتجدد، ثم مارس في المحاماة بلطجة الذئاب واحتيال الثعالب ومراوغة الواوي وغرور الديك، فنجح مع مهربي المخدرات والاسلحة والقتلة والعاهرات، فهؤلاء زبائنه الذين اغدقوا عليه المال والسلطة، فصار واحداً منهم. والأهم أنه صار الذراع اليمنى وكاتم أسرار "معلمه"، بالرغم من أنه قتل ابن شقيقته، ولا يزال يتدرّج في سلّم قيمه الى... الرواية التالية. سلم قيمه الأشد فظاعة من غرائز المزرعة، لأنّه يبرّر قتل خصمه بدم بارد ليحل محله.
استعمل خشان مفردات وجملا قاسية، يشعرك مضمونها، وما تفترضه من معانٍ خلفها، بالقشعريرة. كما يشعرك "البطل" الذي يقوم وحده بما يعجز عنه جهاز أمني، بالخوف على مهنة المحاماة. هل هو نموذج عن المحامين أو عار عليهم؟ هل أظهر لنا خشان محامياً "سوبرمان" من غير طينة المحامين أم هم المحامون بهذه الصفات؟ أم بهذه الأساليب يعملون؟!

ثنائية الحبكة والبطولة
حَبَك الحبكة جيداً، فظننا أن فادي ماضي هو بطل الرواية الحقيقي بقدرات خارقة، فاستفزني: كيف له أن يملك هذه القدرات؟ لكن بظهور الكوراني، الذي تعرّض للمهانة والطرد من وظيفته لأنّه شكّك في جريمة فادي ماضي، أدركت أنه البطل الحقيقي الذي سيفك عقدة بحرية مستعصية، في الجزء الثاني من الرواية. علماً أنّ خشّان ربط روايته هذه بروايته الأولى حين كشف أن يخت انور مرشد اشتراه من جان لافوازييه بوساطة سميح الأشقر (بطلا الرواية السابقة). متانة الحبكة تكاد تقنعك بما يسوقه الراوي، فتجد نفسك مدفوعاً الى مناقضته.
يعتمد خشان على ايراد سلسلة من الحكم المتوالدة، أسلوب قد يستسيغه البعض لما فيه من منازعات فكرية، ويرفضه آخرون لأنه يقطع سرد القصة ويشتّت مسار حبكتها. وهو الى جانب الحوارات التي ينقل بها أفكاراً للايضاح، يعتمد عليهما خشان، بإدراك مقصود، على أنهما أسلوبان ينقلهما من حياته الشخصية الى شخصيات الرواية.
تقاطعت في ذهني حوادث الرواية بما فيها من فساد سياسي وإداري وقضائي، مع المسلسل التلفزيوني "كواليس المدينة"، فافترضت أنّ عشرات الروايات يمكن أن تكتب عن مرحلة الفساد المستشري، منذ الحرب اللبنانية، خصوصاً مع الطبقة السياسية التي استكملت بلطجة الحرب بفساد أصحاب النفوذ.
قاسية هذه الرواية بمعانيها ومضامينها، بالسطوة التي تُحكِمها على قارئها، بالذل الذي يشعره إذا خرج عن أنها رواية الى الافتراض أنها واقع وحقيقة. وعلى ذلك يمكن القول إنّ فادي ماضي قرّر أن يحوّل، بالأموال التي يجنيها، مزرعة أبيه إلى أكبر مزرعة في لبنان، فحوّل هو وأمثاله لبنان الى أكبر مزرعة.
أما خشّان فيذهب بنا الى وجوب عدم تقليد الروايات الدينية ولا أنبيائها، فما هو محلل فيها محرّم علينا، فالأنبياء منذ ابرهيم يحلّلون لأنفسهم ما يحرّمونه على الرعية، ولا تزال الأمور على هذا المنوال. لذلك إنّ النصوص الدينية هي وليدة بيئتها، وإلاّ لكان كل ما ورد فيها مناقضا لأخلاقيات التمدّن والرقي التي تفرضها العلاقات الانسانية في هذا العصر، وليس منها التفجيرات الارهابية في الأبرياء التي تنتمي الى مفاهيم قديمة مغرقة في التخلّف والشر ومناقضة لتعاليم الأديان.
هل يُزيل فارس خشان الغموض واللُبْس الذهني في روايته الثالثة؟

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard