كتاب - "حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة!

25 حزيران 2013 | 00:09

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة، هكذا كنت أهمس لنفسي بينما أقرأ ديوان الشاعرة إيمان مرسال "حتى أتخلى عن فكرة البيوت"، للمرة الأولى، مستسلماً لغواية الانطباع الأوليّ الذي تخلقه قراءة أولى قصائد الديوان "لعنة الكائنات الصغيرة"، بأن الشاعرة وقعت على بئر السرد، وألقت فيه بدلوها الشعري في محاولة لأن تنهل مما في جبّ البئر، لتروي به حقول القصيدة.

في القراءة الثانية واللاحقة، وما بعدها، تبين لي أن ما يبدو نثراً أو سرداً ليس سوى حيلة شعرية جديدة، تحاول بها مرسال الولوج إلى جملة بالغة التكثيف، لكنها لا تريد أن تقولها من دون أن تمهد لها، بخلق لوحة "شبه سردية"؛ بديلاً للجملة أو للصورة الشعرية المجردة، بحيث تأتي حاسمة وشعرية بامتياز، مثل قولها في نهاية "لعنة الكائنات الصغيرة": "ما أذكره غائب عن الصورة فلماذا أجتهد هكذا لأحافظ عليها من الضياع". أو كما في ختام "ألعاب الطفولة": "دور العمياء في كل مسرحية لم يكن يريده سواي".
كنت اتبين مدى كثافة "لعنة الكائنات الصغيرة"، وكيف أن الاعتماد على الذاكرة واللقطات المشهدية العائلية، والصورة، يتكئ على إبراز التناقضات، بحس ساخر حيناً، وبحسرة وألم وجداني حيناً آخر، وأحيانا بلون من الحنان، أو بما يشبه غمزة مرحة مرارا. لكن هذا المرح يبدو كأنه ابتسامة يشوبها شيء من مرارة تكاد لا تُرى، من مثل تصوير التناقض بين فكرة الفقر وتحايل الصور العائلية عليه بإظهار الأطفال وهم يمسكون النقود في الصورة، بحيث يتم "تخليد النعمة" التي قد لا تكون حقيقية خارج إطار الصورة. النص الذي يتناول ما تسميه الشاعرة "وطني الأم"، يبدأ أول تجلياته من تناقض اسم هذا الموطن مع واقعه: "ظُلِم هنا أناس كثيرون، وسميت هذه القرية ميت عَدلان". ثم تأتي التقاطات الذاكرة أيضا لتومض بتناقضات شخصيات التاريخ العائلي، فيما طائر الموت يطلّ كثيراً على مصائر تلك الشخصيات، ولاحقاً نعرف أن "قرية الأسرار العظيمة ليس بها باب يغلق". على ذكر الأسرار، فإن مساحة واسعة من غواية القصيدة الحديثة، عندي، تتحقق من إحساسي بأن القصيدة بناء لغوي يتم تشييده في معبد الأسرار، ليس من السهل فك ما تقصده، إما لشدة كثافتها، وإما لاستخدامها طاقة الرمز والخيال، كما في "رسام الملائكة" مثلاً: "تترك الألوان الحقودة خارج اللوحة، تدّعي الروحانية فلا تقترح صوتاً ولا رائحة. أجساد بيضاء ووجوه هلامية، أجنحة تلتصق بالورقة كوشم ولن تطير أبداً".
يتجسد الحس الوجودي في تأمل الشاعرة مسارات الحياة "من أنا"؟ كما في قصيدة "حياة": "حياتي التي فشلت دائماً في لمسها، في أن أجد صورة لي معها، بجانبي على السرير نفسه، تفتح عينيها بعد غيبوبة طويلة، تتمطى كأميرة واثقة أن قصر أبيها محمي من اللصوص". وهي قصيدة وجودية بامتياز من حيث طبيعة السؤال الذي تطرحه والهاجس الذي يسيطر عليها: "أمامي حياتي كلها؛ حتى أنه يمكنني ضمّها إذا شئت، يمكنني حتى الجلوس على ركبتيها والغناء أو العويل". ويخلق هذا الحس الوجودي، في أحيان أخرى، تداخل الذوات الأخرى مع ذات الشاعرة عند استعادة الخبرات الماضية في نطاق خبرات الحاضر.
يسيطر حس فلسفي يندمج في جدار البناء الشعري ببراعة، ويمنح الديوان عمقاً إضافياً لرؤيته الشعرية. لكن اللافت أن الجسد لا يحظى باهتمام كبير، وحتى في قصيدتين تحتفيان بالغرام، وبعلاقة سريّة بين عاشقين، لا يبدو الجسد، إيروتيكياً أو فيزيقياً، له حضور مؤثر، خصوصاً في "وكأن العالم ينقصه شباك أزرق"، ربما باستثناء جملة: "يعود كلٌّ منا لأهله. قُبلٌ في الرقبة وخدوشٌ في الظهر، رائحةٌ في الجلد وآلام تحته". ربما يأتي ذلك من كون الأنا هنا تتساءل عما إذا كانت تفاصيل ما تورده من رحلة لقاء العاشقين، تعبّر عن حب حقيقي أم أنه مجرد رحلة جديدة من رحلات صناعة الوهم حتى إتقانه؟ ربما يعود ذلك أيضاً إلى الإحساس الذي تسبغه القصائد على الحضور الجسدي بكونه وجوداً في ممر معتم وضيّق، عادة لا يتسع لأكثر من واحد.
في هذا الديوان الفاتن تتقدم إيمان مرسال، مرة أخرى، في مسيرة تجربتها الشعرية، وتقدم نصاً كثيفاً وحياً وموحياً، يفيض بالأسئلة الوجودية، عن الذات والآخر. ولا يبدو فيها السؤال في هذه المرة كمن يراجع نفسه من عالم "الآخر"؛ كما كان شأن ديوانها الأخير "جغرافيا بديلة"، بل من موقع أكثر توازناً، وثقة بالذات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard