زياد دويري يصوّر في بيروت بعد 18 سنة غياباً عنها

4 آب 2016 | 01:02

في حيّ شعبي من منطقة الأشرفية، وضع المخرج اللبناني زياد دويري كاميراه ليصوّر بعضاً من مَشاهد فيلمه الروائي الجديد. بعد 18 سنة على باكورته الروائية، "بيروت الغربية"، التي أرّخت للحرب الأهلية من وجهة نظر مراهقين، يعود دويري إلى مدينته وبيئته والحضن الدافئ، مستلهماً حكاية من عمق الواقع اللبناني الذي ظلّ هاجسه، على رغم ابتعاده عنه وانشغاله في الخارج بفيلمَي "ليلى قالت هذا" و"الصدمة". في اليوم الحادي عشر لبدء التقاط المَشاهد، زرنا موقع التصوير في الأشرفية، حيث كان دويري يصوّر مشهداً يكتشف فيه بطل الفيلم طوني حنا أنّ أعداء له وضعوا نجمة داود أمام باب كاراجه.

بدا دويري خلال حديثنا معه، كمَن وضع فيلمه على السكّة الصحيحة واطمأن إلى سير العملية بكامل تفاصيلها. هذا الذي تدرّب في أفلام كوانتن تارانتينو، لا يبقى مكتوف اليدين خلال التصوير، بل ينشط في كلّ المجالات، حاسماً الكثير من القرارات الفنية والتقنية. أمّا حكاية الفيلم التي كتبها مع زوجته السابقة جويل توما، فلها كلمة تقولها من خلال صراع شخصي بين فلسطيني ولبناني، سرعان ما يصبح عاماً. صحيح أنّ الحوادث تجري الآن، إلا أنّ أشباح الماضي لا تزال تعيد دويري بطريقة أو بأخرى إلى النقطة الصفر: الحرب. أولاد المعركة كبروا الآن، ما يضعهم في مواجهة الأجيال الآتية التي لم تعش تجارب مشابهة.

■ لماذا قررتَ العودة إلى بيروت لتصوّر فيها جديدك بعد فيلمين خارجها؟
- بعد "بيروت الغربية"، ابتعدتُ عن بيروت. كنت في حاجة إلى اختبار أشياء أخرى. في النهاية، ثمة ما يعود بك إلى هنا ويلتقطك من أحشائك. لبنان يمسك المرء من أحشائه. لديّ الكثير هنا. تاريخي في هذا المكان: الحرب الأهلية وما بعدها، ثم مراجعة الحسابات. هذا كله ترك في أعماقي أثراً كبيراً. سافرتُ إلى لوس أنجليس، ثم استقررتُ في باريس، وظللتُ أشعر أنّ روحي هنا. كان جسدي هناك لكنّ روحي هنا. في بيروت أشعر أنني في بيئتي. الفوضى جزء منها. في الواقع، لا يزال لديّ الكثير أقوله عن بيروت. علاقتي بلبنان لم تنتهِ بعد.

■ عمَ يتكلّم الفيلم؟
- الحكاية عن شخصين يسعيان إلى تضميد جراحهما، وكلّ منهما يلوم الآخر على مصابه. كلّ شيء يبدأ بقصة قسطل. لبناني مناصر لـ"القوات اللبنانية" اسمه طوني حنا، يملك كاراجاً لتصليح سيارات "بي أم"، من سكان فسوح (الأشرفية) وهي منطقة ذات غالبية تناصر "القوات". ثمة مشروع ترعاه بلدية بيروت وهو ترميم شارع في فسوح يُعَّد ذا طابع تراثي. خلال ريّ الزهور على شرفته، يرشّ طوني من طريق الخطأ بعض المياه على أحد العاملين في الحيّ، وهو فلسطيني اسمه ياسر. يدقّ الأخير باب طوني ليطلب اليه الكشف على الأنبوب، فيلاحظ أنّ لكنته فلسطينية ويرفض دخوله بيته، مغلقاً الباب في وجهه. يغضب الفلسطيني، فُيقدم على قصّ الأنبوب وإعادة تركيبه وفق مواصفات البلدية، ليعتبر طوني أنّ الخطوة استفزازية، فيحطمّ الانبوب بالمطرقة. هكذا يبدأ خلافٌ سرعان ما يتطوّر إلى ردود فعل عصبية نتيجة التراكمات، فيشترط طوني اعتذار الفلسطيني منه لحلّ المشكلة. وحين يرفض في اعتبار أنّ ما قام به هو واجبه المهني، يشتمه طوني، فيتحوّل الخلاف ضرباً بالأيدي. هنا، يتغير كلّ شيء وينتهي الأمر بين الرجلين في المحكمة. مناصرو "القوات" يشدّون مع طوني ومناصرو الفلسطينيين ينتصرون لياسر، وهكذا تندلع حرب أهلية جديدة!

■ ألهذا السبب أطلقتَ على الفيلم عنوان "الشتيمة"؟
- لا، ليس لدينا عنوان بالعربي بعد.

■ هل من صعوبات تتعرّض لها خلال التصوير في بيروت، وكونك غبتَ عنها سنوات، ماذا تغير في رأيكَ بين الأمس — أي زمن تصويرك "بيروت الغربية" — واليوم؟
- المشكلة التي أواجهها نابعة من الصوت والزحمة. الضجيج الذي تصدره المولدات الكهربائية في بيروت لا يسهّل العمل. اخترنا منطقة فسوح كونها توفر ديكوراً جميلاً جداً، وهي هادئة في الحين عينه، على رغم أننا في قلب العاصمة. في الحقيقة، البلد "ثقيل" كي تستطيع معالجته في شكل سهل. مع ذلك، أدرك "الخبصة" التي دخلتها بملء إرادتي، وأنا مستعدّ لها كامل الاستعداد.

■ أراكَ تضع يدك في كلّ شيء، ولا تعتمد بالكامل على الآخرين...
- هكذا أنا دائماً. أتولى الاهتمام بكلّ التفاصيل. هذا لا يعني أنني لا أثق بالآخرين، ولكن بدلاً من أن أطلب من أحدهم نزع تلك الورقة من المكان الفلاني، أجد الأمر أسرع إن نزعتها بنفسي.

■ ماذا عن الممثلين؟ كيف اخترتهم؟
- بعد "بيروت الغربية"، غبتُ 17 عاماً عن العمل في لبنان، ولم أعرف خلالها من هم الممثلون. عندما عدتُ، ترددتُ إزاء الوجوه الجديدة التي ظهرت، وخصوصاً أنّ هذا ليس فيلماً للمراهقين، بل يتوجّه إلى شريحة عمرية معينة. لم أكن أعرف أياً من الممثلين الجدد. لم أسمع قط باسم عادل كرم أو ريتا حايك. في البداية، دفعني التردّد إلى التساؤل: "ترى، أسأجد الكاستينغ الذي أتمناه؟". بصراحة، شاهدتُ الكثير من البرامج التلفزيونية لهذه الغاية، ولم أجد مَن يقنعني. لكن مديرة الانتاج عبلة خوري طمأنتني، قائلة أن ثمة مواهب جديرة بالاحترام في لبنان. عندما بدأنا البحث جدياً، وجدتُ أنّ ثمة مستوى جيدا، ولاحظتُ رغبة الممثلين في ضرورة وجود سيناريوات مكتوبة جيداً. تعرفتُ إلى عادل كرم وأجريتُ له اختباراً ممتازاً. أسندتُ دور محامي "القوات" إلى كميل سلامة والمحامية إلى ديامان بو عبود. ياسر الفلسطيني جئت به من القدس.

■ إذاً، هل تعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية؟
- لا! لا علاقة للفيلم بالحرب الأهلية. يمكن القول إنه عن مخلّفاتها، وعن المصالحة التي لم تحدث. إنه عن مراجعة حسابات لم تحصل، وضرورة تضميد الجراح. سيكون درامياً لا تراجيدياً. ثمة بساطة وعمق، وإنما مجمل العمل مفعم بالتفاؤل. النهاية كلها أمل. هناك أمل بولادة جديدة للبلد والشخصيات التي نكتشفها. من البديهي أن تكون للإطار العام علاقة معينة بالحرب، فالقصة في صلب لبنان، وفي أعماقه، بسبب طغيان العقلية اللبنانية. أردتُ استعادة مسألة الذاكرة والاختلاف بين الأجيال. طوني حنا من جيل السبعينات، ولد في العام 1970. زوجته التي تصغره بـ16 عاماً لم تمرّ بما مرّ به. كذلك الحال بالنسبة إلى ابنة المحامي التي لم تمرّ بما مرّ به والدها خلال الحرب. عبر هذه الشخصيات، أردتُ رصد حال الخلاف القائمة بين الأجيال.

■ ماذا صوّرتَ إلى الآن وماذا ستصوّر بعد؟
- صوّرنا الأيام الـ15 الأولى في منطقة فسوح. في الحي الذي نحن فيه الآن، شيّدنا الكاراج والورشة وبيت طوني حنا والشارع حيث تجري الحوادث. هذا الحيّ مثل قرية لبنانية صغيرة. سنلتقط أيضاً مَشاهد في مناطق مختلفة، منها داخل مخيم فلسطيني. لكن التصوير الأهم سيجري في المحكمة. في النهاية، الفيلم يقتصر على قضية قانونية. نصفه سيصوَّر هناك خلال العطلة القضائية الصيفية.

■ أراك سعيداً بعودتك إلى التصوير في لبنان؟
- أنا سعيد جداً. إلى أقصى درجة. سأعود إلى تصوير المزيد من الأفلام لاحقاً.

■ كانت تجربتك في الخارج موفقة. وخصوصاً مسلسل "بارون أسود" الذي أخرجته في فرنسا. لذا، أريد أن أفهم السبب الحقيقي الذي يجعلك تعود إلى بيروت للتصوير؟
- (مستنفراً). لأنّ لبنان بلدي. أنظر إلى هذا الديكور. أدخل عند زوزو لشرب قهوتي، أدقّ باب أيّ جار... ثمة شيء في الأحشاء... الفترة الأهم في حياة الانسان هي تلك التي يعيشها بين الصفر و18 سنة. إنها السنوات التأسيسية التي يعود إليها باستمرار. تظلّ معلّقاً بتراثك وجذورك. لو أنني ولدتُ في ألاسكا وعشتُ فيها سنواتي التأسيسية، لشعرتُ بالحنين إليها. لكنني ولدتُ في بيروت. أنا ابنها. أعرفها جيداً وأعرف رائحتها وأوساخها، وكم هي قريبة من القلب. ثمة لغز في العلاقة مع بيروت لا يحتاج إلى الكثير من التحليل. تلقائياً تتعلق بها.

■ أعتقدتُ أنك فارقتها على زعل بعد مهاترات جرت إثر تصويرك لـ"الصدمة" في إسرائيل...
- صحيح، كنتُ مستاء، ولكن ليس من البلد، بل من بعض السخفاء الذين قادوا حملة ضدّي. في كلّ المجتمعات، ثمة تيارات تافهة تستمر 10 أو 20 أو 40 سنة، ثم تزول. وثمة أشخاص تافهون، "بعدن ناتعين" العلم الفلسطيني ويرفعون شعار تحرير فلسطين من خلال مقاطعة الفنان، سواء أكان زياد دويري أم أمين معلوف. ولكن ليس لهؤلاء أيّ تأثير في المجتمع. إنهم جراثيم موجودة بسبب وجودنا، وتختفي مع اختفائنا. ولكن، عندما نختفي نحن، سنترك أثراً في التاريخ والثقافة، في حين هم سيختفون كالبخار. في النهاية، مهما فعلوا، نحن ماضون في طريقنا.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard