قصائد مختارة بالفصحى والعامية للخوري يوسف عون "الشاعر الساخر" الثائر

3 آب 2016 | 00:00

الخوري يوسف عون* (1911 – 1987) الشاعر الساخر الثائر، هو "جندي الحرية"، "لأني كاهن الهيكل في ارز الرب"، كما وصف نفسه. لذلك نظم الشعر بالفصحى والعامية، وضمّنه ثورة وعبرة ورسالة ليعبّر عن رؤية ثاقبة في طموحه لبناء الدولة اللبنانية المستقلة. تسلّق بثورته الفكرية على الكلام فاستعمل الجريء والساخر والنابي منه ليعرّي واقعاً فيلبسه رداء الطهر والصفاء والنقاء حتى لقّبه أصدقاؤه بـ"ابي النور" و"فولتير" و"الكاهن الأحمر".

كان مجلسه في بناية اللعازرية في بيروت بعد ظهر كل ثلثاء وجمعة مجلس أدب وشعر، يشترك معه فيه يوسف شرابيه شاعر من طينته، ويحضره "رجال إطلالة"، كما وصفهم عصام كرم، وهم: عبدالله العلايلي، كامل مروة، انطوان قازان، عمر ابو ريشة، بطرس نجيم، سميح قمر، علي الحاج، طانيوس الحملاوي، اميل رزق الله، أسعد سابا، أسعد السبعلي، كابي اسكندر حداد، وجورج ساروفيم (الذي يخبر أنه حضر مجلس شعر "ابن مستوى"، أوغست باخوس، اديب الفرزلي، هنري لحود، ألبر مخيبر، وغيرهم.
وصف كرم ما في ذلك المجلس بأن "الشعر ثورة على التزمت. والنكتة تظل أنيقة، ولو خلعت عنها الستور، وليس لزاماً ان يكون البوح اباحية، مع أنّ في الاباحية احياناً، روائع تقرأ عند بشار بن برد، وابي نواس، وبودلير وفرلين، وابولنيير...". كان الشعر عنده "خلقاً لتدمير واقع سيئ، ولبناء الأفضل والأجمل". كتب في الموضوعات الدينية والاجتماعية والتربوية والقانونية وحتى السياسية، ونظم الشعر في كل مباح ومتاح، حتى أنه "ألّف "أغاني الأغاني" مختصراً فيه الأفضل من كتاب "الأغاني" الكبير للأصفهاني، وزيّنته مقدمة بيد عبدالله العلايلي، ومارس الكتابة الصحافية محللاً وناقداً. وكتب عصام كرم: "ألا، هنيئاً لمن استطاع أن يقول جَداً يخلطه بقول الهازل. فالجدّ عمارة، والهزل منارة. ورحم الله من استطاع تسخير مواهبه في العطاء السمح!".
الى جانب مهاراته في النجارة والرسم وشيل العرق، كانت له الى جانب الكهنوت نشاطات ثقافية فأسس في الجديدة – المتن مدرسة كانت تمنح شهادة السرتيفيكا، ومسرحاً قروياً في بلدته الفنار، كتب المسرحيات ليمثلها شباب القرية وصباياها. ومنها مسرحية "الأمير الشريد" مخطوطة بخط يده. في الثلاثينات "اصطدم بأعداء له وبمعارضة رؤسائه ، فكانت معارك طاحنة على مدى سنوات حياته، مهرّها بقصائد معبّرة عن رضاه أو سخطه أو سخريته، وعن قوّة عزمه في المواجهة، وعن إرادته في تغيير ذهنية متحجرة، وبرؤية الكنيسة رائدة في المجالات الوطنية ومتجددة لمواكبة عصر الاستقلال، ومنفتحة على الأديان الأخرى ومتحاورة معها".
عاش يوسف رسالته الكهنوتية اينما حل، فهو صديق المريض وعائده، ورفيق التلميذ ومعلمه، مساعد المحتاج حتى في السجون. تأثر بما أوصته به أمّه يوم رسمه كاهناً، أن لا يقبض "معلوماً" أي الرسم المالي الواجب عن الجنّاز أو عن الاكليل في الكنيسة، كما جاء في الانجيل: "مجاناً أخذتم، مجاناً أعطوا". منحه المطران مبارك درجة الكهنوت، وحين اختير المطران زيادة مطراناً ألقى قصيدة "عاصفة" مرحباً به، ثم ما لبثت الخلافات أن دبّت بينهما ليتحول بقصائده الى الثورة والسخرية وحتى الهجاء، واستمرت طوال حياة الأسقف والكاهن حتى مماتهما.
من قصائده الساخرة، وهو الفن الذي امتاز به، قصيدة وجهها الى غابي لحود رئيس "المكتب الثاني"، كما كان يسمى، منتقداً القاضي بطرس نجيم الذي كان يطمح للوصول الى مركز المدعي العام التمييزي، بوساطة لحود، فأرسل إليه هدية عبارة عن "لوب" مرفقة بقصيدة، وجاء في قصيدة الخوري:
هِدْيكْ لُوبْ؟ وليش اللوب؟/ تا تفرشخلو العَدليّة
ويفحصها... قُوْم ومَقلوب/ ويظمط بالأوليّة؟
بتكبير ومن دون تكبير/ الشّافوه قالوا إنو فحل
ما بدو كيل وتعيير/ أنجأ بدّو قِبّان شقل
مش عم غالي بالتقدير/ الله خلقو، قال، غير شكل...
بس الله سبحانو كبير/ قام راح خلقو كتلوكي.../ وخربط سعيو! خيريّة!
أوعا تعلق عا حبالو/ شيطان وقرد ملفلف
علم وقانون رسمالو/ وداهي بيعرف يتصرف
بالحضرة؟ بشارة خالو/ وبالغيبة؟ عمّو كميل
وهيدي مَزِيّة فطريَه/ انركبتو بيركب عالكِل/ ومنصفّي قبالو ما شي...
بيصفي يربط وِيْحِل/ وبيصير يقشعنا غباشه...
توَقّالي هالكتلوكي/ ما يعملك شربوكه
وتوقّع وَقْعَه شنيوكه (ملعونة)/ وتصير تقلّي: يا ريت/ سمِعْتِلّك هالوصِيّة
وألقى قصيدة بالفصحى من ثلاثين بيتاً في تأبين كامل مروة صاحب جريدة "الحياة" الذي اغتيل في 22 أيار 1966 في مكاتب الجريدة، لأنّه كان مناهضاً لعبد الناصر وسياسته. وأقيم مهرجان التأبين في 29 أيار في الزرارية.
اخترنا منها، أبياتها الأخيرة:
أكامِلُ لم تمت والدار دار/ فذكرك في "الحياة" هو البقاء
سقطت شهيد معتقدٍ مساءً/ فأصبِح كعبة الصَّحب المَسَاء
بربّك من رأيت وأنت ترقى/ دروب الخلد قِبْلَتُكَ السماء
ألم يلقاك رهط بني عليّ/ وأبطال المسيح الأصفياء
اذا سألوك عنّا لا تَرُعهم/ وخبّرهُم بأنّا الأوفياء
وأنّا كلما عَصَفت رياح/ جبال لا يُزعزِعُها الغَوَاء
بنينا المجد عاماً بعد عام/ صروحاً كلّ عنها الادعياء
ثَوَت فيها المُرُوّة واستمرّت/ فلا ملّت ولا ملّ الشعراء
وقالت تريز عون إنّه فاجأ الجميع بقصيدة "كادت أن تودي بحياته لاحقاً لولا العناية الإلهية!" ولم توضح لماذا. وقال هو عن القصيدة: نظمتها في ثماني ساعات. ففاجعتنا بكامل مروّة أثارت في نفسي أعمق الألم، فكانت الأبيات تزدحم في رأسي، فأحتار ماذا آخذ منها".
كان من مؤيدي بشارة الخوري فنظم فيه قصيدتين، وأكثر من قصيدة في النائب اميل لحود في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، وخصّ البطريرك المعوشي وخريش ومطارنة، وحيّا عدداً من مجالسيه بقصائد.
كرّس سنوات حياته الاخيرة في ترجمة العهد الجديد عن الطبعة السريانية القديمة المعروفة بـ"الفشيطتو"، صدرت عام 1977، بأناجيلها الأربعة، ثم صدر العهد الجديد كاملاً في طبعتين الأولى عام 1982 والثانية عام 1986.
توفى الخوري عون في 1987/1/11، تاركاً دراسات ومقالات وقصائد وارثاً فكرياً، منه كتابان عن القضية اللبنانية في الستينات، هما: "ندم الرب"، و"زحف الصهيونية" بتوقيع "بيدبا"، اضافة الى "مختصر تاريخ الموارنة" في طبعتين الثانية عام 1971. وكان في آخر حياته قلّل كتاباته لأنّه، كما قال: "نحن في زمن ليس فيه للكلمة مكان".

* صدر عنه كتابٌ جَمَعَ قصائد مختارة من دفتر أشعاره، دار صادر.

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard