ما قبل محاولة الانقلاب في تركيا وما بعدها

29 تموز 2016 | 00:00

فاجأ خبر محاولة الإنقلاب العسكري في تركيا المحللين والمتابعين لتطورات الوضع السياسي على الساحة التركية. إلاّ أنّ مؤشرات كانت تنذر باحتمال عودة الجيش الى الموقع الأمامي في اللعبة السياسية. من هذه المؤشرات: أولاً- عدم تقبل شريحة واسعة من ضباط الجيش حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، علماً أنّ الجيش يعتبر نفسه حامي العلمنة والمؤتمن على ميراث أتاتورك؛ ثانياً- ظهور قطيعة سنة 2013 بين حركة الداعية فتح الله غولن الذي يعيش في منفى اختياري في الولايات المتحدة منذ 1999، وبين حزب العدالة والتنمية، خصوصاً بشخص الرئيس رجب طيب أردوغان.

ولكي نحلّل ما حدث في الآونة الأخيرة ومسارعة أردوغان الى توجيه أصابع الاتهام نحو جماعة غولن أو ما يسمى "الكيان الموازي" لا بدّ من العودة الى تاريخ العلاقات بين الحزب والجماعة. يمكن التوقف عند مرحلتين: الأولى تمتد من عام 2003 عند تبوُّؤ أردوغان منصب رئيس الوزراء حتى عام 2010، وكانت بمثابة تحالف بين الفريقين أو زواج مصلحة سمح لأردوغان بالاستفادة من شبكة العلاقات الواسعة التي نسجها غولن داخل القوات المسلحة والشرطة والقضاء ودوائر الدولة لكي يرسّخ دعائم قوته السياسية، وأتاح لغولن في المقابل الإستفادة من علاقات حسن الجوار التي أرساها حزب العدالة والتنمية مع البلدان الإفريقية والعربية لتوسيع بقعة انتشار مؤسساته الدعوية والتعليمية في هذه البلدان. والجدير بالذكر أنّه خلال هذه الفترة وُضعت جانباً الخلافات العقائدية والسياسية بين الطرفين والتي تتمثل على الصعيد العقائدي بانتماء حزب العدالة والتنمية لحركة "المللي غوروش" المنبثقة من فكر نجم الدين أربكان، فيما الجماعة تنتمي الى فكر سعيد النورسي الصوفي؛ أمّا على صعيد الفكر السياسي فإنّ حزب العدالة والتنمية يمارس الإسلام السياسي بصورة معلنة، فيما جماعة غولن هي أشبه بجماعة سرية تسعى الى التسرب الى كل مفاصل الدولة عبر ممارسة التقية وصولاً الى السيطرة على الحكم، ولذلك سُمّيت "الدولة العميقة" والكيان الموازي.
ومن جهة أخرى، ثمة اختلافات في النظرة الى السياسة الداخلية والخارجية، ولعل أهمها على الصعيد الداخلي رفض غولن سياسة الانفتاح على الأكراد التي اتبعها الحزب الحاكم، وعلى الصعيد الخارجي رفضه أي تصرف عدائي حيال إسرائيل والدول الغربية وأي تقارب في الموقف السياسي مع العرب بسبب نظرته الدونية لهم المنبثقة من انتمائه للفكر القومي التركي المتشدد.
أمّا المرحلة الثانية فبدأت عام 2010 حين رفض غولن رفضاً قاطعاً إرسال سفينة المافي مرمرا التركية الى غزة، وهي مبادرة من المجتمع المدني التركي ساندها أردوغان وحزب العدالة، وكان ذلك بمنزلة نقطة تحول جذري في العلاقات التي تدهورت تدريجياً لتصل الى ذروتها، والى القطيعة الكاملة عام 2013 حين شارك أنصار غولن في تظاهرات غيزي المناهضة للحزب الحاكم، ومن ثم حين سرّبت الجماعة تسجيلات هاتفية ترمي الى إلصاق تهمة الفساد بأردوغان والمقربين منه. مذذاك انتقلت العلاقة الى مرحلة الحرب المفتوحة والاتهامات المتبادلة. وقد تجّلى ذلك في اتخاذ الحزب قراراً بإقفال عدد من مدارس الجماعة في تركيا.
ولا بدّ من الإشارة الى أنّ محاولة الإنقلاب كانت تُحضّر منذ سنوات فقد تم الكشف خلال عامي 2007 و2009 عن خطتي "إرغينكون" و "باليوز" اللتين كانتا تهدفان الى تنفيذ مخططات إرهابية داخل تركيا لرفع الشرعية عن الحزب الحاكم وحض الشعب على الإنقلاب ضده والسماح للجيش بالسيطرة على الحكم.
بالعودة الى محاولة الإنقلاب الراهنة وإخفاقها يمكن تعليل ذلك بعدة أسباب:
أولاً- غياب الغطاء الشعبي عن الإنقلابيين: في الأعوام 1960 و1971 و1980 و1997 نجحت الإنقلابات العسكرية بسبب حاجز الخوف عند الشعب الذي حال دون وقوفه مع السلطة المدنية، أمّا الجديد اليوم فهو كسر هذا الحاجز، وذلك لأنّ الشعب التركي تمرّس على الديموقراطية خلال العقد الماضي بعد الإصلاحات التي أجراها حزب العدالة والتنمية في سبيل تسهيل عملية انضمام تركيا الى الإتحاد الأوروبي، وبعد أن لمس الشعب النتائج الإيجابية للسياسة الإقتصادية التي اتبعها الحزب الحاكم والتي سمحت لتركيا بأن تصبح قوة اقتصادية ولاعباً سياسياً مهماً على الساحتين الإقليمية والدولية.
ثانياً- الحس المواطني الذي تجلّى عند جميع فئات الشعب التركي، وبالتحديد قوى المعارضة التي وضعت جانباً خلافاتها مع أردوغان لتشكل سداً منيعاً في وجه عودة حكم العسكر.
ثالثاً- الإنقسامات العديدة داخل القوات المسلحة التي لم تعد تشكّل جسماً موحداً قادراً على فرض نفسه كسلطة مضادة.
رابعاً- قدرة أردوغان الاستثنائية على التواصل مع شعبه وظهوره كقائد وزعيم يتمتع بكاريزما نادرة. فقد كان كافياً أن يظهر الرئيس بضعة ثوانٍ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يخاطب شعبه بلغة عفوية لكي يصطفّ المواطنون حوله ويلبّوا نداءه للدفاع عن الديموقراطية، حتى لو بأجسادهم.
إلاّ أنّ ثمة تداعيات طويلة الأمد لهذه المحاولة الفاشلة، ولا بد من الوقوف عندها:
أعطت هذه المحاولة دفعاً جديداً للرئيس أردوغان الذي ظهر كبطل قومي والذي استطاع أن يضفي مصداقية على خطابه في السنوات الماضية حين كان يشدد على وجود مؤامرة محلية وخارجية ضد الجمهورية والحزب الحاكم. وإذا كان موقف أردوغان القوي اليوم يشكل فرصة لإرساء النظام الرئاسي بحجة أنّ البلاد مهددة، إلاّ أنّ ذلك قد يؤدي الى خطر الإطباق الكامل على السلطة والانتقال الى حكم الرجل الواحد، مما يشكّل خطراً على الديموقراطية. ولعلّ توقيف 6000 عنصر من قوى الجيش والأمن والقضاة مؤشر خطر لاعتماد سياسة الاجتثاث تجاه ما يسميه الرئيس "الورم الخبيث الذي يجب استئصاله". فعملية التطهير هذه قد تؤدي الى انقسامات حادة في الرأي العام التركي مما يضعف وحدة المجتمع ويهدّد استقرار البلاد.
لعل ما يطمئن أنّ أردوغان دعا الى عدم الانتقام والأخذ بالثأر وإلى الاحتكام الى المؤسسات، إلاّ أنّ دعوته للشعب التركي كي يبقى في الميادين قد تؤدي الى انفلات الوضع الأمني وإلى ردود فعل شعبية غير محسوبة لا تحمد عقباها.
يبقى الرهان اليوم على صوت العقل وقدرة أردوغان على استقطاب المعارضة واتّباع سياسة اليد الممدودة، خصوصاً بعد أن عبّرت المعارضة عن حسّها الوطني بالوقوف الى جانب الحزب الحاكم، وذلك في موقف تاريخي. كما أنّ الرهان هو أن يستطيع الرئيس تدعيم اللحمة بين مكونات المجتمع التركي من خلال سياسة خارجية جديدة تعيد الى تركيا موقعها الإيجابي على الساحتين الإقليمية والدولية، وبالتالي ترسيخ الثقة بمستقبل تركيا.

أستاذة العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف وفي معهد العلوم السياسية في باريس

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard