عن شركة نفط وطنية للبنان

26 تموز 2016 | 00:38


يأتي إنشاء شركة نفط وطنية في لبنان حالياً في صدارة النقاش الدائر على مستوى البلاد عن قطاع النفط والغاز الوليد. تستند الدعوات لتأسيس شركة نفط وطنية إلى الاعتقاد بأن لبنان سيحقّق مكاسب من إنشاء مؤسسة مهمتها الإشراف على الجوانب المختلفة للقطاع. من أجل وضع تقويم مناسب لصوابية إنشاء شركة نفط وطنية أو عدم صوابيته، يجب أولاً أن نحدّد إذا كان إنشاء مثل هذه الشركة ممكناً في الأصل، وفي هذه الحالة، في أي مرحلة يمكن أن تعود الشركة بالفائدة على لبنان.

مما لا شك فيه أنه لهذا السجال السياسي أبعادٌ تاريخية. فلبنان ينظر إلى شركات نفط وطنية أخرى في المنطقة تدير قطاعاتها النفطية بكفاية عالية، مثل شركة "أرامكو" السعودية و"قطر للبترول". فضلاً عن ذلك، ليس لبنان غريباً عن تاريخ المنطقة في تأميم الأصول النفطية والتعلّق القوي بالسيطرة السيادية على الموارد الطبيعية. لكن جهات أخرى في البلاد تشير إلى إخفاقات الحكم التي شوّهت أداء عدد كبير من شركات النفط الوطنية في الشرق الأوسط وخارجه.
هذه الأمثلة من المنطقة قد تنير النقاش، إلا أنه بإمكان لبنان أن يستمد دروساً أكثر فائدة من بلدان اكتُشِف فيها النفط حديثاً أو لا تزال في المراحل الأولى للإنتاج، مثل قبرص وكينيا وموزمبيق وغانا. لا يعرف عدد كبير من البلدان المنتجة الناشئة، على غرار لبنان، ما هي كمية احتياطيات النفط والغاز التي يملكها. هذا الالتباس حول حجم أنشطة النفط والغاز في المستقبل يعني أنه على البلدان أن تتوخّى الحذر الشديد عند إنشاء شركة نفط وطنية. بغية تبرير إنشائها، يجب أن يكون للشركة دور مفيد، وأن تكون كلفتها مقبولة، ويجب أن تتمكّن الحكومة أيضاً من مساءلتها.
ما يُعتبَر مفيداً وذا تكلفة مقبولة يتغيّر إلى حد كبير من مرحلة ما قبل التنقيب إلى مرحلتَي التنقيب والإنتاج. في الواقع، لا مبرّر لإنشاء شركة نفط وطنية في المرحلة السابقة للترخيص لأنه لن يكون لديها ما تفعله. لقد أثبتت هيئة إدارة قطاع النفط في لبنان قدرتها على الإشراف على القطاع، ولا حاجة إلى استبدالها بمنظمة جديدة. في مختلف الأحوال، لا تُجيز التشريعات المطبّقة حالياً في لبنان إنشاء هذه الشركة، نظراً إلى أن قانون الموارد البترولية في المياه البحرية ينص على أنه يمكن النظر في إنشاء شركة نفط وطنية "عند الاقتضاء، وبعد التحقق من وجود فرص تجارية واعدة".
بعد الاكتشافات التجارية، يمكن قانوناً إنشاء شركة نفط وطنية وتفويضها إدارة حصص الأقلية في التراخيص بالنيابة عن الحكومة، أو حيازتها، وهو دور كلاسيكي لشركات النفط الوطنية الجديدة في البلدان المنتِجة الناشئة. غالب الظن أن هذا النوع من شركات النفط الوطنية لن يحقق أي منافع للبنان خلال مرحلة التطوير (أي المرحلة الممتدة من سنة إلى خمس سنوات التي تحدّد الشركات النفطية خلالها كيف يمكنها أن تنتج تجارياً النفط و/أو الغاز الذي تكتشفه). سيكون على الدولة تمويل شركة النفط الوطنية إلى حين بدء الإنتاج.
القيمة التي يولّدها إنشاء شركة نفط وطنية في مرحلة مبكرة هي أنها تحصل بذلك على بضع سنوات لبناء مهاراتها قبل أن يبدأ الإنتاج، وتُتاح لها فرصة اكتساب المعارف من خلال مشغّلي شركات النفط الأجنبية عن كيفية إدارة مشروع معقّد. لكن ثمة مخاطر أيضاً. الخطر الأساسي هو أنها لن تبقى شركة صغيرة، وستتحوّل مشروعاً مضخّماً مملوكاً من الدولة يسدي الخدمات إلى النخبة الحاكمة، ولا يعود بأي فائدة على البلاد. بناءً عليه، ومن أجل النظر في إنشاء شركة نفط وطنية تمتلك حصص الأقلية في مرحلة التطوير، يجب أن يكون بالإمكان تصميمها بطريقة تتيح لها الحفاظ على حجمها من دون تضخيم، وعلى وجهة تركيزها، وينبغي فرض ضوابط مالية للحد من خطر تحوّلها أداةً للمحسوبيات، كما يجب أن يكون بالإمكان التفاوض على حصص الأقلية المملوكة من الدولة في التراخيص بموجب شروط مواتية للبنان.
الخيار الأقل كلاسيكية، لكنه معتمد في غانا وكينيا، هو إنشاء شركة نفط وطنية تنحصر مسؤولياتها بمراحل التسويق والتوزيع والبيع (downstream). بإمكان هذا النوع من الشركات دعم إنشاء أسواق محلية وبنى تحتية لنقل الغاز من الماء إلى اليابسة. يمكن أن يكون هذا الدور مفيداً للبنان الذي يعتمد بشدّة على واردات الطاقة لتلبية الطلب المحلي، لكنه يطرح مخاطر كبيرة إذا لم تتم إدارة شركة النفط الوطنية بموجب استراتيجيا حكومية واضحة للتنمية الاقتصادية والتصنيع، وإذا لم تستند أسعار تحويل العملات إلى معايير السوق (لأنه من شأن مدخلات الطاقة الرخيصة أن تعود بالفائدة على شركات معيّنة من دون الأخرى، وأن تثني شركات النفط الأجنبية عن الاستثمار). على الحكومة أن تأخذ في الاعتبار أيضاً أن القطاع الخاص يتمتع بالدينامية والكفاية في لبنان، وأنه بإمكان الشركات الخاصة المحلية القيام بالاستثمارات اللازمة في البنى التحتية لجمع الغاز من الحقول المائية ومعالجته في حال حظيت بالدعم من بيئة مواتية للاستثمار (مثلاً حوافز مالية، سياسة واضحة ومؤشرات أسعار واضحة، تزويد الشركات باكراً بالمعلومات عن كمية الإنتاج المتوقَّعة من المشروع البترولي).
في حين أن هناك في الغالب اهتماماً سياسياً بتفويض مزيد من المسؤوليات إلى شركات النفط الوطنية، يجب أن يؤخَذ في الاعتبار أنه كلما كانت موازنة شركة النفط الوطنية أكبر، تضاءلت "حصة الدولة" (حصة الخزانة من عائدات الإنتاج). بما أن الدولة هي التي تسدّد التكاليف في نهاية المطاف، على الحكومة أن تتأنّى كثيراً في الدراسة والتفكير لتحديد الدور الذي يمكن أن تؤدّيه شركة النفط الوطنية ويعود بالفائدة على البلاد. كما أن طموح التفويض الممنوح لشركة النفط الوطنية أو نطاقه يجب أن يُحدَّد بحسب حجم قاعدة المورد وقدرة الدولة على مساءلة الشركة. في مراحل الإنتاج الأولى، سمحت بعض البلدان للتوقعات غير المنطقية عن تدفقات الإيرادات النفطية بتحديد قراراتها عن أدوار شركات النفط الوطنية في المستقبل.
بغض النظر عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه شركة نفط وطنية في لبنان والدور الذي قد تؤدّيه، ستطرح هذه الشركة مخاطر جدّية على مستوى الحكم. صحيح أنه من شأن آليات وقواعد متعددة الحدّ من هذه المخاطر، لكن عدداً كبيراً منها يتوقف على القيادة السياسية القوية. لا تتحقق فاعلية آليات المساءلة إلا عندما تكون الأدوار المنوطة بجميع الهيئات المعنية بقطاع النفط واضحة المعالم، وعندما يتمتع المسؤولون عن الإشراف بالكفاية اللازمة (والاندفاع) لتحديد الأداء الجيد والسيئ. مما لا شك فيه أن إنشاء شركة نفط وطنية من دون اتجاه وضوابط سياسية واضحة، سيؤدّي إلى إخفاقات على مستوى الحكم. وقد تتحوّل الشركة المشروع المدلّل لبعض الشخصيات النافذة، فتسعى إلى تعزيز المصالح الخاصة بدلاً من العمل من أجل الخير العام.
يقودنا ما تقدّم إلى الاستنتاج بأن شركة النفط الوطنية تكون أكثر فائدة للبنان في حال إنشائها بعد بدء الإنتاج، هذا إذا كانت مفيدة له في الأصل. أما إنشاؤها قبل الإنتاج فمن شأنه أن يشكّل استنزافاً لموازنة الدولة، كما أن مساهماتها في إدارة القطاع البترولي ستكون محدودة في هذه الحالة. وعلى المجتمع المدني في لبنان أن يعمل أيضاً من أجل تأجيل إنشاء شركة نفط وطنية حتى ظهور مستوى أعلى من القيادة السياسية والإجماع الواسع النطاق لإدارة الشركة وضبطها.

زميلة مساعدة في مؤسسة "شاتهام هاوس"
المركز اللبناني للدراسات
ترجمة نسرين ناضر

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard