"منمنمات" لعبد الفتّاح الزين تشكيل إنساني وجمالي واقعي متنوع

25 تموز 2016 | 00:00

عبد الفتّاح الزين، الأستاذ الألسنيّ الذي شغله الورق وما ينحمل فيه، وما ينطوي ضمنه ويدلّ عليه من حروف وجمل وإحالات وصياغات، المؤوِّل على المصادر والهوامش، المنقِّب في بطون المتون، يقدّم في "منمنات" (دار "البنان")، رؤيته للحرب التي عاشها شابًا يافعًا، وزوجًا، وأبًا، وأستاذ جامعة، ما تركت مساحةً في وعيه وتلقّيه لم تدمغها ببصمةٍ من بصماتها القبيحة، الهالكة، الهاتكة استاراً وقناعات لمقدَّسين في السياسة، ما لبثوا أن تعرَّوا على مفترقاتها ونواصيها، كأقذر التجّار، وأكثر النخّاسين دنساً.

يضمّ "منمنمات" نصوصاً تتوزّع بين الشعر المنثور، والقصّة، والحكاية، وشيئاً من السيرة الذاتيّة. لعلّ الباعث الحقيقيّ لكتابة عبد الفتّاح الزين، هو الرهافة والمثاليّة اللتان يتحلّى بهما هذاالمربّي، والإنسان القادم من القرية إلى المدينة، ليكون شاهداً على من يعيثون في الأرض فساداً وخراباً، وفي الوقت نفسه نصيراً للضعفاء والبؤساء والمحرومين. أكثر من تذكّرتُ، وأنا أقرأ "منمنمات"، هو الكاتب ألبر كامو في روايته الشهيرة "الطاعون" التي تدور حوادثها في مدينة وهران الجزائريّة. فالطاعون في وهران لا يختلف كثيراً عن الطاعون في بيروت، وهو الذي حمل الزين على كتابته الطالعة من رحم أحياء هذه المدينة وفقرائها وبؤسائها. التأويل هنا هو خيرُ سبيلٍ لاستجلاء ما قصده ورمى إليه. يقول رولان بارت الذي يعرف صاحبُ "منمنات" مراميَه جيداً: كلّ نصٍ يجب أن يُقرأ على أنّ النصّ الكامن خلفه هو النصّ الحقيقيّ المقصود، ذلك أنّ النصوص الأدبيّة ذات المعاني الكبيرة لا يمكن فهمها بكلمات مباشرة. وإن كان ثمّة فارق خيطيّ واهٍ بين الرجلين، فإنّه يكاد يكون معدومًا. يتمثّل هذا الفارق في أنّ تعبيريّة الزين، وذهابها إلى الحقيقة المرّة، يضعهما في المباشر المضمر سلفاً، في حين أنّ تأويل بارت يذهب مباشرة إلى التأويل.
اللافت أنّ قصائد الشعراء في حميميّتها لا تبتعد كثيراً عن القصص التي تضمّنها "منمنمات"، جزالةً، وطلاوةً، وتعابيرَ، ومرويّات. كأنّ الكتاب هذا، يذكّرنا بأنّ الفرق بين المدارس الأدبيّة هو فرق مختلَق ودخيل متى كان الإبداع هو الغاية، من دون أن تكون محرّمات هنا، وممنوعات هناك. فالفكرة خادمة المعنى، والمعنى خادم اللغة، واللغة خادمة الاثنين، وهي الأمّ الأمينة على توجيه مسارات أبنائها. الشأن الأعلى الذي يوليه اهتماماً، هو أقرب الى الشغل، وصياغة طرق عيش الناس، وأساليب تفكيرٍ أتقنوها، حتّى إنّهم ما عادوا يميّزون بين الإنسان الرؤوم والعادة اليوميّة التي يتبعها، دارجاً عليها، غير عابئ بما قد تُذهِب به من بهائه، وعلوّه الإنسانيّ.
لو وصف عبد الفتّاح الزّين محتويات كتابه هذا، وقدّم لها على أنّها شعر، لكان لنا منه موقف الشعراء الصارمين المفكّكين عراه وعماراته. ولو وسمها بأنّها قصّة لكنّا وقفنا عند كلّ بداية، وكلّ تفصيلٍ، وكلّ خاتمة. ولو كان سمّى كتابه رواية لكنّا حاولنا البحث في أراضيه، والغوص في قيعانه، للقبض على الحقيقة الزئبقيّة. إلّا أنّ التسمية الذكية "منمنمات"، وهي التي حافظ في قصائدها، وقصصها، ورواياتها، على دفقات الإبداع والمفاجآت والدهشة، جعلتنا نرى أنّ شغله هذا شبيه بلوحة تنوعت وشائجها وخيوطها، لتؤلّف تشكيلاً جماليّاًّ فنيّاً واقعيّاً، يحفزنا على القراءة والمتعة والتأمّل في الماضي والحاضر والمستقبل. وأحسب أنّ في هذا الفعل إيحاءً هو غاية المبدعين.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard