المخيال الشيعي السياسي في لبنان

22 حزيران 2013 | 23:19

"بكلمتين فقط" يتوجه اليوم الألوف من الشباب الشيعة للقتال في سوريا، معتقدين أنهم يدافعون عن وجودهم. إلا أن توجّههم هذا لا يعبّر سوى عن ذروة الهجس في النهاية. يعتقد الممسكون بالطائفة الشيعية أنها في متناول التهديد الدائم، الذي يقضّ مكانها من الجهات كلها. لذا، تحاول أن تُمسك بما قبل النهاية وبما بعدها، من خلال السلاح والشهادة.

"أنتم لا تفهمون هذه المقاومة، ولا جمهور هذه المقاومة ولا بيئة هذه المقاومة، ولا ثقافة هذه المقاومة". (الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله)

هي بذلك تتمدّد من خاتمة الحضور الديني رجوعاً إلى صلبه المجتمعي، أي أنها تطلّ من "أشرف الموت" على اجتماعها وسياستها، متمسكةً بالرموز والأساطير التي تضمن هجسها الناذر أولاً، وقوّتها الحامية ثانياً. على هذا الأساس، تؤلّف الجماعة مخيال نهايتها باستمرار، وتصقل هويتها الأقلويّة بالدفاع عن النفس، أي بالإقامة الحربية بين الجماعات المتصارعة الأخرى، وفي وجهها أيضاً.
غير أن الإقامة هذه، لم تكن مستقرّة، بل مرّت في مراحل مختلفة من الخرافة والرمز، بحسب انتقال الجماعة من واقع إلى آخر، من دون أن تستقلّ عن المخيال، أو تخرج منه. فهذا المخيال يتضمن، بالإضافة إلى الأسطورة الدينية، وقائع سوسيولوجية، وأحداثاً سياسية، طبعت الهوية الشيعية في لبنان، ودرّجتها من الغياب والانتظار إلى الحرب والإنتصار. كما أن السرد الشيعي ظل فعلاً دينياً، حتى تداخلت سرديات الاجتماع والسياسة المتمحورة حول الأواخر، التي دأبت سلطة "حزب الله" على مأسستها، محوِّلةً الشيعة من جماعة مضطهَدة إلى أخرى مستقوية.

البنوّة المشتّتة
دخل الشيعة إلى الفضاء السياسي اللبناني كطرف ضعيف، لا سلطة تحويه، ولا قائد يرعاه. كانت الطائفة مشتّتة الأبناء، بحيث أن كلّ واحد منهم كان يسير في سبيل حزبي معين، من دون أن يشير سيره إلى الإنقطاع عن الجماعة أو الإستقلال عنها. لم تكن الجماعة الشيعية حاضرة بقوة داخل السيستام السياسي، بل ظلت هامشية، وكان إقصاؤها الميثاقي نتيجة مباشرة لضعفها السوسيو- اقتصادي، ولتشظّيها الواقعي الذي استمر حتى اندلاع الحرب الأهلية العسكرية في سبعينات القرن المنصرم.
نتيجة غياب الجماعة السياسية، وقائدها، تمسّك الشيعة أكثر، بروابطهم الثقافية والإيمانية. إلا أن التمسّك هذا، لم يؤدّ إلى التعصب أو الإنغلاق، بل ظلّ محصوراً بالطقس والتقليد الاجتماعيّين، من دون أن يندرج في سياق سياسي، كان حتى اللحظة مقفلاً، أو بالأحرى ضيقاً على أبناء الطائفة المشتّتة. هؤلاء شعروا ببنوّة سياسية لهذه الجهة أو تلك، من دون أن يتلمّسوا فعلاً حضور الأب القوي بينهم، أو فوقهم.
كان الغياب الأبوي واحداً من محرّكات السلوك السياسي للجماعة الشيعية. إذ توترت العلاقة التي تجمع بين الغالبية من أبنائها، ولا سيما في البقاع، وسلطة المؤسسات الرسمية، لأنها من ناحية شبه مغلقة أمامهم، بسبب احتكارها على يد طائفتين سياسيتين، هما المارونية والسنية، ولأنها، من ناحية أخرى، تعوق تحولهم إلى جماعة متراصة، أسوةً بباقي الجماعات. فبدا كأن الإنقطاع عن الدولة هو لعنة الأب الغائب. فالأبناء لا يأتمنون الجهاز المؤسساتي على الطائفة، الذي يهمّشهم ويقصيهم، ولا يثقون بقدرته على ملء الحفرة الفارغة، التي تحضر في الرابط الأهلي بينهم. هم تالياً، تميزوا بسلوك سياسي خاص، ليس جانبه العصبي هو الجانب الأقوى فحسب، بل هو الذي يصنع الجوانب الأخرى لهويتهم. هذا ما سيؤدي في ما بعد إلى بناء دولة حزبية خاصة بهذه الهوية، تعويضاً عن العلاقة المرضوضة بين الطائفة والمؤسّسة الرسمية.
والحال هذه، فقد دخل السيد موسى الصدر إلى أرض الجماعة من باب الغياب الأهلي. جمع الأبناء، ورفع أمامهم شعارين: "السلاح زينة الرجال"، و"الدخول إلى الدولة". بذلك، لم يسدّ السيد الصدر نقصاً أبوياً فحسب، بل قدّم إلى الشيعة صيغة سياسية جديدة، يولّف فيها بين قوة طوائفية مأمولة، وتحديث مرتجى. إذ لا مجال للإندماج في السيستام السياسي، خصوصاً عشية الحرب وإبانها، سوى من خلال التمتّع بقوة خاصة، لا توفّرها سوى "زينة الرجال"، التي باستطاعتها أن توازن بين الطائفة الشيعية وباقي الطوائف التي كانت مسلّحة. بهذه القوة، ستقدر الجماعة على توسيع السياق الدولتي ودخوله، حاملةً سلاحها الأهلي، ومدافِعة في الوقت نفسه عن "حقوق الجيش وكرامته".
هنا، لا بد من الإشارة إلى أن المعادلة الصدريّة نفسها، ظلّت معتمدة حتى بعد غياب الأب من جديد، وحلول "الإبن الأكبر"، أي نبيه بري، محلّه. برع هذا الأخير بعد الحرب في المحافظة على "زينته" و"دولته"، إذ استخدم ميليشيا حركة "أمل" لحظة شعوره بأن السياق المؤسّساتي قد ضاق على مصالحه. كما أنه في بعض الأحيان عمد إلى إخفاء قوته الأهلية لصالح مركزه الدولتي، بوصفه رئيساً لمجلس النواب. في النتيجة، وفّق بري على الطريقة اللبنانية بين القوة والمؤسسة، ولم يشذّ بتوفيقه هذا عما طرحه الأب السياسي الأول.
إلا أن الإمام الصدر اختفى في ليبيا عام 1978، ما أدى إلى مضاعفة الغياب الذي لطالما شعرت به الجماعة الشيعية، وخصوصاً أن اختفاءه يحاكي دينياً غيبات المهدي المنتظر. نتيجة ذلك، بدا كأن الطائفة تعود إلى نقصها الأبوي مجدداً، على رغم أن الصدر ترك خلفه قوة مسلحة، وصيغة سياسية، تتيح لها أن تجمع جزءاً لا بأس به من أبنائها على أرض رخوة، صيّرتها الثورة الإيرانية متماسكة، لكنها كانت أرضاً مشقوقة أيضاً.

أزر العاجل والآجل
لم تُقرّ الجماعة بغياب تام للإمام الصدر، بل وصفته بـ"المغيَّب". تالياً، أصبح الغياب قسرياً، وفي الوقت عينه، مخففاً بالإنتظار الذي دخل الشيعة في طوره السياسي. عند هذا التحول، انشقّت "حركة أمل الإسلامية" عن "أمل" الأصلية، قبل أن تُشكّل نواتُها "حزب الله"، الذي لم يتخلَ عن الغياب "الأمليّ"، المنقلب سياسياً إلى إخفاء، بل أعاده إلى درجته الأولى، وسعّره بالخرافة الدينية. فهو الحزب التابع للجمهورية الإيرانية الإسلامية، التي يحكمها صاحب الزمان، المهدي المنتظر، ونائبه بالحق الولي الفقيه. في هذه اللحظة، انشق الأبناء فريقين، الأول يتكوّن من منتظري "المخفي"، والثاني من منتظري "الغائب".
والحال، أن "حزب الله" لم يسعّر الغائب فحسب، بل أيقظ الكثير من الخرافات، متطرفاً في انحيازه إلى الأهلي ضد السياسي، وإلى الديني الخالص ضد الطائفي التوليفي. كما انقلب على الدلالات الدينية، وحوّلها مقولات ومواقف إيديولوجية، مغلقاً المخيال الشيعي على كتلٍ من الأساطير بدأت تحكم الجماعة، وتقيّد مسارها الإجتماعي وخطابها السياسي. أصبحت كربلاء بمثابة حياة يومية، فيها من الظلم المرغوب بقدر ما فيها من القوة المعمّمة على كل المستويات السلوكية. شدّ الحزب من أزر الناس لغوياً وعسكرياً، وأرخى بظلاله الغليظة على نقصهم الأبوي، معطِّلاً سجيّة الإنشقاق، الشيعية بامتياز، مستبدلاً إياها بالقوة الخائفة من جهة، والإذعان الواجب من جهة الأخرى. عادةً، يترافق هذان الطبعان، مع كلام أهلي عن "طيبة القلب" في المجتمع الشيعي، الذي لم يقدر سوى الحزب على "رفع رأسه" أمام المجتمعات الطائفية الأخرى.
كما استخدم" حزب الله" النقص الأبوي كمحفّز إيديولوجي لممارسة الحرب ضد كل المتهمين بقتل الأب (الحسين) وتغييبه (المهدي المنتظر)، مبرِّراً ذلك بالسردية الدينية، التي رواها بحسب غاياته. فكان الإمام علي صورة الشيعي القوي، أكثر مما كان رمزاً للحكمة، وقد استُعمل سيفه، ذو الفقار، كإشارة حاضرة في تفاصيل الفضاء الشيعي، الذي بدا محكوماً بعلامات النهاية، التي اتخذها الحزب كمرجع خلاصي، مرةً يبطّئها ليكون سياسياً، ومرةً يعجِّلها ليعود أهلياً. اتضح ذلك حين دخل "حزب الله" إلى السيستام الطوائفي، بعد انسحاب جيش البعث من لبنان على وجه الدقة. إذ قسّم حزب الله مرجعه المخيالي، أي النهاية، نوعين: الأول، بطيء أو آجل، ومنه يشرف على "المقاومة"، ويسأل عن دور الدولة. الثاني، سريع أو عاجل، يُقحم به المجتمع الشيعي في المعارك الأهلية، ضد "أعداء الداخل"، أو ضد "التكفيريين"، وهؤلاء في كل الأحوال، يصوّرهم "حزب الله" خُدّاماً لإسرائيل.
هذا، ومن المستحيل فصل النوعين أحدهما عن الآخر، إذ إن هدف الآجل المؤسّساتي هو تعزيز العاجل المجتمعي، بحيث أن "المقاومة" هي الوجه الداعم للحرب ضد الآخر، والعكس أيضاً. هذا، كي يظل الغائب مطلوباً، وتستمر الجماعة في شعورها بالتهديد الداهم من النواحي الغيرية، ما يؤدي إلى تركيز سلطته أكثر، إلى درجة أن المجتمع الشيعي بدأ هو في انتاجها، وما عاد، في هذا المعنى، مأمورا بها، عنوةً وإرغاماً.

ندبة رحمية
إذاً، انشقّت الجماعة بين قوتين أبويتين، مختلفتين إيديولوجياً وسلوكياً. غير أن "أمل" سرعان ما تحولت إلى أب أوديبي، رحمي، بحيث باتت تكرر أن الحزب "خرج من أرحامها"، على قول نبيه بري في إحدى خُطبه ضد "حزب الله". ذلك، يوم احتدم الصراع الانشقاقي في إقليم التفاح بين الحركة، المدعومة من "سوريا حافظ الأسد"، والحزب، المدعوم من إيران الخامنئية: "أنا بحركة "أمل"، وإنتَ بحركة "أمل"، وأمّك بحركة
"أمل"، وأم "حزب الله" بحركة "أمل"، وقلنالهم خرجتم من أرحامنا... إبن ملجم قتل معلمه، أريد حياته ويريد قتلي".
الحق أن "حزب الله" انتصر على "أمل" داخل الطائفة التي اعتُقلت في مخيالها منذ تلك اللحظة. ما عادت الطائفة سوى جيش لـ"المقاومة" التي حسم آخرها بالاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يظهر في ما بعد أنه آخر متعدّد، مؤلّف من أعداء كُثر. فالقبض الطائفي، الذي انتهجته الحركة، ومن ثم الحزب، على العمل المقاوم في الجنوب اللبناني، سبقه ضرب للقوى اليسارية الحاضرة هناك، بالإضافة إلى محاربة الفلسطينيين في مخيماتهم، بوصفهم "جيش السُنّة في لبنان". بذلك، انطوى "الآخر" على أعداء مختلفين: اليسار، الذي احتوى الكثير من الشباب الشيعة، والطائفة السنية، بالإضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان قد استقبل باحتفاء عندما دخل بعض القرى الحدودية في بداية اجتياح 1982. هؤلاء "الأعداء"، ينظر إليهم الحزب بطريقة خرافية واحدة، فـ"الكافر" هو نفسه "التكفيري" و"العميل الصهيوني" أيضاً.
أمسك الحزب بالأبناء المشتّتين، جمعهم على أرض صلبة، بانياً مؤسساته، المرتبطة مباشرةً بالتضحية بهم. لا تتعزّز "مؤسسة الشهيد" مثلاً إلا بموتهم. من ناحية أخرى، ظهرت طبقة غنية داخل مجتمع "حزب الله"، تعتمد على الدعم الإيراني وعلى استثماراتها وتجارتها في إفريقيا وأميركا الجنوبية. في هذا الإطار، ربط الحزب بين تدنّي المستوى المعيشي لدى غالبية الشيعة، والإنتساب إليه، بحيث يستقطب في صفوفه الكثير من الشباب، الذي يعانون من البطالة والفقر، فلجأوا إليه تعويضاً عن وظيفة مفقودة خارجه. في النتيجة، تحكم الحزب بمصائر شريحة واسعة من الشيعة في الاقتصاد والاجتماع، وفي السياسة الخلاصية طبعاً.

أسرلة المصائر
جمع "حزب الله" الشيعة على أرض متماسكة، أمّن لهم السلاح، وعبّأهم بالذعر والتهديد، موحِّداً إياهم بالقضاء على الإختلاف بينهم. هذا الانغلاق الشيعي المستجدّ، يذكّر، مع كل التفاوتات، بما كانت الحركة الصهيونيّة تحاول فعله بيهود أوروبا التي ظهر في أوساطها من هم أكثر استعداداً للتعايش مع الآخر، والإندماج في فضائه. فاليهود، كما الشيعة، اضطُهدوا عبر مئات السنين، وكانوا من الجماعات الأكثر انفتاحاً على الغير، على رغم تكتّلهم في غيتوات أُرغموا عليها بسبب استبعادهم من المجتمع المسيحي. مع ذلك دأب اليهودي الأوروبي، المهمَّش سياسياً واجتماعياً، على الانخراط في المجتمعات المختلفة التي عاش فيها، ولم تكن "أرض الميعاد" سوى خرافة من الخرافات الكثيرة التي تحافظ عليها الجماعات كطقوس وأدوات لانتماء مشترك ذي طبيعة دينية. أغلب الظنّ أن الاستجابة الصهيونية لمآسي اليهود التي وجدت تتويجها في الهولوكوست، هي التي حدّت من أسبقيّة اليهود، وعطّلت إقدامهم على تجاوز حدود الدول القوميّة وثقافاتها، والانطلاق نحو فضاء الفرد الحر.
فمع قيام الدولة العبرية، وبغض النظر عن أسباب قيامها، قويت بين اليهود خرافة "الوطن" الخاص بهم، وتصلبت أسطورة "الدولة الحامية لليهود". في حين تراجعت النزعات الكوزموبوليتيّة بينهم، ليصير مجتمعهم من أكثر المجتمعات تشدداً وتعصباً واستعداداً للعنف بحق من يصفونهم بالأعداء. لقد فقد اليهودي عالميته في اللحظة التي صار يملك فيها قوة دولتية جبارة بعدما كان مظلوماً ومهمشاً. هذا بالضبط، ما حصل للشيعة اللبنانيين حين وصلوا إلى السلطة عبر قوة السلاح. ففي اللحظة التي صار فيها للشيعة سلاح فعلي وفعال، فقد المجتمع الشيعي أخلاقياته الأصلية، التي تؤمن بمناصرة المظلومين والمستضعفين على الأرض، لا بل مارس الغطرسة على الآخرين مهدّداً متوعداً المعارضين له والمشكّكين في قدسيته. وكما أننا لا نستطيع غض النظر عن مسؤولية أوروبا والعالم الغربي عما حلّ لليهود عبر قرون، كذلك لا نستطيع غض النظر عن مسؤولية السلطات السنيّة، التي حكمت المنطقة لعقود، عما آلت إليه حال الشيعة عبر التاريخ. إلا أن هذه المسؤولية، وهذا الواقع، لا يبرران السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين واللبنانيين، تماماً كما لا يبرران سياسة "حزب الله" تجاه السوريين في القصير.
في النتيجة، أسرَل "حزب الله" المجتمع الشيعي ولم يجعله فحسب منغلقاً على ذاته ومتغطرساً على الآخر، مثله مثل المجتمع الإسرائيلي، إنما أيضاً درّب شبابه على السلاح (تجنيد غير إجباري بالمعنى المؤسّساتي، لكنه كذلك بالمعنى الأهلي)، وصنع منهم متطوعين للموت من أجله. وقد نشرت إحدى الصفحات الموالية لـ"حزب الله" على الـ"فايسبوك"، جملةً نسبتها إلى أحد الشباب الشيعة، يقول فيها: "أنا لست منتسباً إلى الحزب، لكن إذا طلب مني المشاركة في المعركة فسألبّي طلبه، زهرة شبابنا يشاركون في المعركة لكي نعيش بكرامة، فلماذا لا أكون واحداً منهم؟". في هذا السياق، من اللافت أن الكثير ممن يحاربون اليوم في سوريا ليسوا منتسبين رسمياً إلى الحزب، أي أنهم ليسوا "مقاومين من الدرجة الأولى"، بحسب العبارات التي يشيعها الحزب بين الأهل في القرى والمدن الجنوبية والبقاعية، بل هم جزء من برنامجه العسكري، "سرايا المقاومة"، الطامح إلى تجنيد كل شاب شيعي، وتحويله جندياً متأهباً باستمرار لنصرة الحزب، وليس لنصرة المظلوم.
بمعنى آخر، تعسكر المجتمع الشيعي بالكامل، تماماً كما المجتمع الإسرائيلي الذي يصفه البعض بـ"المجتمع الذي لا مدنيين فيه".
وصلت هذه الهوية المعكوسة، التي تؤلف ذاتها بالتماثل مع الآخر، إلى ذروتها في الحرب التي يخوضها "حزب الله" في سوريا. بدا كأن الحزب انقلب إلى عدوه. يستخدم لغته، ويعتمد تكتيكاته الحربية. كما أن الصواريخ التي تُطلَق من الجانب السوري على بعض القرى البقاعية تشبه تلك الصواريخ التي كان يطلقها بنفسه على شمال فلسطين المحتلة. في هذه الجهة، أصبح واضحاً لماذا لجأ مؤيدو "حزب الله" إلى الاقتباس من كلام مدير التقييم الاستراتيجي في تل أبيب، "لقد سحقَ حزبُ الله، حلم عشرات السنين"، ومن تصريح معاون رئيس أركان الجيش الأميركي: "حزب الله في القصير قاتل 40 جيشا عالميا"، كي يبرهنوا على "انتصارهم" في القصير.
استمد الحزب شرعيته القتالية من أعداء حاضره، إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، من أجل هزيمة أعداء ماضيه الخرافي، الذين هم أعداؤه الأصليون منذ البداية: "نحن حزب الله، هزمنا اسرائيل ودمرنا جيشها، قادمون لكم أيها الأنجاس، سندافع عن زينب بأشفار عيوننا حتى الشهادة، نحن جنود عماد، وعشاق نصر الله". (من صفحة موالية لـ"حزب الله" على الـ"فايسبوك").
الحاضر بالنسبة إلى الحزب مجرّد متّكأ، يعتمد عليه كي يخوض الحرب في الماضي، وهي حرب تعبّر عن حقيقته أكثر. فبـ"مقاومته" الاحتلال الاسرائيلي كان يمهد لمعركته الأهلية ضد "التكفيريّين". كأن الفترة التي أمضاها على الجبهة الجنوبية، كانت مجرد توطئة كي يصير جنوده "جيش المنتظر"، الذي رفع راية "يا حسين" على مئذنة أحد الجوامع في القصير، بينما راحت جماعته توزع البقلاوة في بيروت. ذلك، من أجل الإحتفال بـ"المعجزة"، التي تحدثت عنها بعض الصفحات الـ"فايسبوكية": "هل تعلم أن معركة حصار القصير دامت 17 يوماً من تاريخ 19/5/2013م، وأن معركة حصار الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام لحصون خيبر دامت المدة نفسها 17 يوماً؟ هل تعلم أنه تم تحرير القصير بشكل نهائي اليوم الأربعاء 26 رجب 1434 هجري، وأنه تم فتح حصون خيبر يوم الأربعاء 24 رجب سنة 7 هجرية؟".

إطاعة الحتف
بقوة الخوف، التي وهبهم إياها، حاصر "حزب الله" الشيعة من كل النواحي، ثبّتهم على الحافة بين البداية والنهاية، بين الحضور والغياب الأبوي، مكرِّراً على مسامعهم، كما في اختبار عالِم النفس الإجتماعي ستانلي ملغرام، العبارة التي يوجّهها المشرف للشخص المختبَر "ليس لديكم خيار، عليكم الاستمرار حتى النهاية". وكان هدف هذا الاختبار، الذي أجري في الستينات، دراسة مدى استعداد الفرد للانصياع للسلطة حتى حين يُطلب منه تنفيذ عمل ما يتعارض كليّاً مع أخلاقيته. هم، على ما يبدو، سيستمرون في الإنصياع له، وللسردية التي رواها عنهم، بحيث يظهرون مظلومين إلى الأبد. لكنهم، في الوقت نفسه، لا يُقهرون، ولا ينهزمون، لأنهم "عشّاق الشهادة"، و"الموت لهم عادة". فالجماعة منتصرة دائماً، حتى لو ماتت قتلاً أو انتحاراً.
يعتقد الشيعة حين يمتثلون لسلطة الحزب، أنه لا يكذب عليهم. هو "صادق" معهم، ووفيّ لوعوده لهم. فالقائد قال إنه سينتصر في تموز 2006، وانتصر. قال إنه سيهزم "التكفيريّين" في القصير، وفعل. وعندما تحدث في خطاب 25 أيار الفائت عن الرسائل التي وصلته من آباء وأمهات يطلبون منه بإصرار أن يأذن لأولادهم الوحيدين بالتوجه إلى الجبهات السورية، تحدّث عن ذلك بصدق وإخلاص، لأن التطابق بين الحزب والجماعة، بين إيديولوجيا السلطة وهوية المحكومين، قد بلغ حدوده القصوى. فما صدْق الأب سوى اسم آخر لحتف الجماعة، كما لو أن الشيعة في انصياعهم له، يطالبون الحزب بأن يعجّل النهاية، أن يصدق مع موتهم، ويستمر في الانتصار عليهم، مثلما "انتصر" على السوريين، أي على أعداء الحاضر في الماضي.
بذلك، يكون الإنقلاب الجذري على الثقافة الشيعية قد بلغ تمامه، بحيث حلّ المتفوِّق مكان المظلوم، واستُبدلت المظلوميّة بالغلَبة. من هذه الناحية، يتجاور الأب المقدَّس مع الغائب الطوطمي، ويؤكِّد حضوره الدائم. فإذا به قائد الغياب، أي غياب الظالم، وليس غياب القوة، الذي يحرِّك الأبناء ويوجّههم سياسياً واجتماعياً نحو النهاية. وهؤلاء يستعينون بقائدهم للتفوق على المقهور في دواخلهم، لا لنصرته.
تالياً، يبدو أن الإمام الحسين، في خطاب "حزب الله" وسلوكه، لم يكن مظلوماً بل قاهراً، ولم يثر ضد الاضطهاد، بل انتصر في كربلاء.
إلا أن انتصار الظالم هو هزيمته الأفدح!
هذا ما يجري بين الحزب والشيعة الآن، وهذا ما جرى في أحيانٍ سابقة بين جماعات النظام اللبناني، نظام البداية المعوقة والنهاية المعلقة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard