الأعاصير حولنا ونحن في الانتظار

21 حزيران 2013 | 01:12

في ما عدا فترات الحروب على لبنان وفي لبنان لا أذكر ان اللبنانيين عانوا فترة انتظار مقلقة كما هم اليوم.
المؤشرات الاقتصادية تبعث على القلق. الفائض الاولي تحوّل من سنة 2011 الى عجز سنة 2012 وهذا التحول وازى 1,5 مليار دولار.
مقياس الاستهلاك الذي وضعت تفاصيله بالتعاون بين بنك بيبلوس والجامعة الاميركية يبين ان الاستهلاك تدنى بنسبة 15 في المئة خلال الاشهر الثلاثة الاولى من هذه السنة.
حاكم مصرف لبنان يقول إن لدى المصارف فائض سيولة على مستوى 20 مليار دولار، لكن العنصر المفقود لتحريك الاقتصاد يتمثل في انحسار الطلب على الاقتراض سواء لتوسيع مشاريع قائمة أو لانجاز استثمارات جديدة.
الحالة الاقتصادية يمكن وصفها بالجمود المرافق للقلق، أي ان اللبنانيين، سواء من أصحاب الاعمال أو رواد الاعمال أو الخريجين الباحثين عن عمل، هم جميعاً في حال انتظار وخيبة وخوف من المستقبل.
ان هذا الوضع المتمثل بالاعتكاف عن بذل الجهود للتقدم والانتاج، من اخطر المظاهر التي تتآكل الآمال والمبادرات، وتزيد من خطورته التطورات في المنطقة.
اجتماع الدول الثماني في ايرلندا الشمالية كان موضوعه الاساسي الاقتصاد العالمي وسبل تحريكه. والواقع ان المجتمعين فشلوا حتى تاريخه في ابتكار سياسات تساهم في زيادة معدلات النمو في البلدان الصناعية حتى على حساب ارتفاع معدلات التضخم.
وما تبدى من نتائج الاجتماع مواقف روسيا والولايات المتحدة من الحرب الدائرة في سوريا. فالرئيس الاميركي استفاق بعد سنتين من حمامات الدم على استعمال السلطات السورية غاز السارين في ثلاث حالات، وبما انه كان قد صرح بأن هذا الاستعمال يمثل خطاً احمر، قرر امداد الثوار بأسلحة لوجستية خفيفة نسبيا. وهذه المبادرة اعترض عليها الرئيس بوتين قائلا ان هذا الامداد سيساهم في إطالة أمد الازمة وتوسيع الدمار. ورأى ان امدادات الاسلحة الروسية المتطورة للنظام السوري أمر يتماشى مع قواعد القانون الدولي لانها تمثل التزام روسيا عقوداً معروفة ومنجزة منذ زمن مع نظام قائم.
هذه المواجهة السلبية في المواقف تبين ان روسيا والولايات المتحدة ترغبان في استمرار القتال. فكل من الدولتين لها اعتبارات تتعلق بفئات من المقاتلين، وكل من الدولتين تعتبر ان اهدافها بالنسبة الى اضعاف قدرات الطرفين الى أي جهة انتسبا تتحقق تدريجاً مع استمرار الحرب.
وجاء موقف السعودية بقرار إمداد الثوار بالصواريخ المضادة للطائرات، وخصوصاً المروحيات، والدبابات، والتوضيح المرافق أن هذه الأسلحة توافرت من فرنسا وبلجيكا من أجل إبعاد فكرة التسليح المتطور عن الولايات المتحدة، هذا مع العلم أن القرار السعودي اتخذ بكل تأكيد بمعرفة السلطات الأميركية.
وإضافة إلى هذه التطورات، كان الحدث انتخاب المرشح الاصلاحي رئيساً لايران بأكثرية مريحة منذ الدورة الأولى وفي وجه عدد من المتشددين دينياً. والرئيس الايراني المنتخب كشف عن توجه صريح نحو تفاقم يحفظ حق ايران في إنشاء مصانع نووية لتوليد الكهرباء مع طمأنة الغرب الى ابتعادها عن تشجيع تطوير أسلحة نووية. وهو اعتبر تدخل أفرقاء أجانب في سوريا، من الجانبين، أي محاربي "جبهة النصرة" الوافدين من العراق والاردن وبلدان عربية أخرى، كما مقاتلي "حزب الله"، بمثابة خرق للالتزامات الدولية والأعراف، لكنه مع تأكيده ضرورة وقف القتال خلص الى أن الوضع يجب أن يستقر ويمكن تعديله بانتخابات حرة سنة 2014.
الرئيس الايراني المنتخب يلتقي والرئيسين الاميركي والروسي في تحديد تاريخ تعديل النظام في سوريا، أي بعد سنة على الأقل. والأمر المقلق أن هؤلاء الرؤساء لم ينظروا الى الدمار اللاحق بسوريا والتشتت اللاحق بالسوريين المسالمين، فالنظرة الى الانسان تبدو مغيبة عن نظرهم.
ورئيس الوزراء التركي انشغل بما كان ينبه اليه في سوريا وهو الذي اعتبر ان الرئيس الأسد فوت على نفسه وبلاده فرصة لتهدئة النفوس لو أقر بضرورة إجراء إصلاحات جذرية في شباط 2011، والأمر المحير أن أردوغان الذي كان يشدد على اغتنام فرصة التوافق، اتخذ مواقف تشددية قد تواجهه بمشاكل كبيرة مدى أسابيع.
وحينئذ لا تبقى في شرق المتوسط دولة هادئة ومتحفزة تجاه أي أخطار سوى اسرائيل. ولبنان يشهد حال ترقب مقلقة من غير أن تبدو ملامح حل سياسي يرضي طموحات اللبنانيين وآمالهم.
ان مستقبل لبنان مرهون بتوقف الحرب في سوريا وانطلاق أعمال اعادة البناء، وحينئذ سيكون للصناعيين اللبنانيين، والمقاولين، والمصارف، والمدارس، ومؤسسات الاستشفاء دور كبير في اعادة اعمار سوريا، وإطلاق الاقتصاد اللبناني وآمال اللبنانيين في مناخ تفاؤلي حضاري ومفيد.
لكن السؤال هو هل يمكن السماح باستمرار القتال واستمرار اختبار قدرات الفريقين على المواجهة وخسارة الأرواح والأملاك كما إطاحة أمل البدء بتضميد جروح الأمة واعادة الاطمئنان الى السوريين مقيمين ومهجرين، والى اللبنانيين المنقسمين بصورة عمياء؟!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard