شاشة - مجزرة نيس: لحظة الدهس وضحاياها

16 تموز 2016 | 00:00

فيديو الدهس يختزل لحظات التلفزيون بأسرها. مجزرة نيس صدمة كونية تطرح سؤال إنسان الذهول المُحطَّم. شاشات العالم تنقل بلوغ الجنون أقصاه، والعدمية أقصاها، والجريمة. كثَّفت الصورة رعب الموت المُنتشر من دون وُجهة، وهو موتٌ مفاجئ، مخيف، يحاكي بشاعة الضمير الميت.

تحوّلت العين كاميرا مُصابة بالدهشة، لا تصدّق أنّ للجحيم أسناناً تنهش الجسد الطري. ليل الخميس في نيس، تخطّى كونه حدثاً ينقله التلفزيون ثم يتابع دورة البرامج اليومية. كان رعباً على مستوى الوجود الإنساني في عالم القلق والهشاشة، وعلى مستوى المصير المُهدَّد والنظرة إلى الغد. فيديو "يوتيوب" المُنتشر للحظة هجوم الشاحنة، دعوة للكفّ عن الصدمة طالما تتنفّس على هذا الكوكب وحوشٌ بشرية تقبض على أنفاس العالم، ورسالة لانتظار الموت في كلّ لحظة.
كانوا بشراً سعداء لا يتوقّعون مباغتة أقدار غاضبة. الأضواء في سماء المدينة، ليلها العائم على صفحة صاخبة، فرح عيدها الوطني وضحكات ناسها، وأولادٌ يركضون في شوارعها ويطاردون جمال الحياة. ثم تقدّمت الشاحنة، بخطى سريعة، بدواليب تختزل الانتقام، باحتقان مرعب، ودهست الليل وسماءه ونجومه وقمره، كما في الأغنية. دهست الطمأنينة والبهجة وإشراقة الفجر. وحوّلت المشهد مأساة على مستوى البشرية: أوجاع على الأرض، أرواح تملأ السماء، أطفال على أسرّة المستشفيات، ودمية تبكي جثّة، تسألها عما جرى، تحدّثها، والجثّة باردة، مرمية مثل انكسارات مقتول وحطام مُعذَّب.
استمرّ القاتل يدهس، يطارد ضحاياه على الأرصفة وزوايا النجاة القليلة. هشَّم ما في الليل من شياطين وملائكة، وما في الفجر من فراشات. دهس عربة طفل ووجه امرأة، ودهسنا جميعاً. نحن مَن نشاهد عبر المسافات، ونتألم كأنّنا ضريبة دولاب شاحنة. نحن بقايا الأمل بإنسانية ضئيلة وقلوب تخاف الحروب وأثمانها. نحن وجع ضحايا نيس و"شارلي إيبدو" وبروكسيل والقاع والعراق وسوريا، وصفعة الأموات جميعاً، كنّا أمام مشهد لا إعلان فيه ولا استراحة. موت متواصل، جرحه عميق جداً، كأنّه أسفل الهاوية.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter :@abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard