"حرائق اليمن" وحرائق خيرالله خيرالله

14 تموز 2016 | 00:00

الحوثيون في قلب صنعاء. (الأرشيف)

حين يكتب صحافي عن تجربة في بلد ومعه اختزلت نصف عمره وأكثر، يقدم نصاً لا يشبه سواه. ففيه يمتزج التأريخ المتحرر من جمود التوثيق، بالتحليل والقدرة على النظر عن بُعد لأنه شاهد لا مواطن، إلى التجربة المهنية، في الميدان وكواليس القصور.

لا يزعم خيرالله خيرالله في "حرائق اليمن، شهادات من الداخل-من انهيار دولة الجنوب إلى انهيار الدولة" الصادر حديثاً عن "دار العرب للنشر والتوزيع"، الفهم الكامل لبلد معقد، لكنه يجهد ليطرح جعبة تجربته ليُسهل على قارئه استيعاب الراهن. كتاب هو نص مفتوح يوحي أن واضِعه يمهد لمنشور جديد حين ينجلي الراهن ويتضح كم يمناً سيصير اليمن، ففي غير موقع، يبدو عارِفاً بأكثر مما يبوح.
بواقعية مع الذات قبل القارئ، يدرك أن جانباً من خياراته وعلاقاته يثير حفيظة بعض أهل الجنوب الطامحين حالياً إلى استعادة دولتهم. لا يُنكر صداقاته، لا بل يفاخر بها، حتى تلك المثيرة للجدل وأبرزها مع علي عبدالله صالح، لكنه ينتقد بعض قراراته، خصوصاً استخدامه ورقة الحوثيين. والمفارقة أن مروحة صِلات خيرالله التي أفرد لها صفحات، ليس من موقع التباهي، ففي وصفه لها الكثير من المودة، تشمل زعامات تاريخية للجنوب، وأن "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" التي كانت الدولة العربية الوحيدة يصل فيها حزب شيوعي إلى الحكم، شكلت المدخل الذي ولج منه المتاهة اليمنية فاختبرها جنوباً قبل الشمال.

تاريخ ثقيل
في لحظة تاريخية مضطربة، وصل إلى عدن، وهي مدينة ازدهرت في الستينات وكانت تشبه بيروت وفيها مثلها وجود فلسطيني، وحضور بارز للحزب الشيوعي اللبناني، فجورج حاوي توسَطَ عبثاً لتفادي المواجهة بين الرئيس علي ناصر محمد وخصومه، وعاد إلى بيروت قبل ساعات من موقعة 13 كانون الثاني 1986.
لكن النزال حصل، ثم انتهى حكم علي ناصر محمد ولجأ إلى صنعاء يتنقل بينها ودمشق، وانتصرت لحج والضالع وحضرموت وقسم من عدن على الآخر وأبين شبوة في صراع أهلي لم تعقبه مصالحة بل الهرب إلى الوحدة التي "قضت على النظام وأنقذت أهله، أقله موقتاً".
في شباط 1986، في مقر اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، شهد الصحافي الزائر آثار النزاع، دم "يابس" لا يزال على الأرض، وكرسي ثقبته من الخلف رصاصة قتلت نائب الرئيس علي عنتر. ونجا علي سالم البيض بعدما استخدم ستائر للتدلي هارباً من شباك، وفر في مُصفحة.
ولم يشف السبق الصحافي الذي حققه لـ"النهار" بمقابلة البيض وشريكه في الحكم حيدر أبوبكر العطاس، غليله، فغادر البلاد بتساؤلات عن الترددات الإقليمية لما حدث. آنذاك كان للعراق المنغمس في محاربة إيران يد انتقامية من علي ناصر محمد ذي الصلات بطهران من طريق نظامَي حافظ الأسد ومعمر القذافي. و"أكثر من ذلك، كان مُفترضاً أن يصل إلى عدن في 13 كانون الثاني مسؤول إيراني كبير اضطر بعد وقوع الأحداث إلى إرجاء زيارته". ووفق علي ناصر محمد، لم يكن الرجل غير مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، رئيسها حينها.
استشرف الكاتب مبكراً بداية نهاية الاتحاد السوفياتي، من ضعف أداء خبرائه في موطئ القدم الوحيد في شبه الجزيرة العربية. كان اليمن بشطريه مرصده لمتابعة اختلال توازنات الحرب الباردة.
وشاء القدر أن تتأخر زيارته الأولى لصنعاء تسع سنوات، إلى آب 1986، وألا تتم في حقبة الرئيس ابرهيم الحمدي بل في عهد المقدم علي عبدالله صالح. وكان انطباعه المسبق عنه أنه "يفتقد إلى الكاريزما وعسكري لا يزال ريفياً"، وحين التقاه وجده خجولاً. وبعد سنوات تبدل الرجل ونظرة محاوره إليه. صار يراه صاحب كاريزما، خصوصاً بعد انتصاره في معركة الانفصال عام 1994، لكنه مزاجي و"زئبقي". و"ما لم يتغير يوماً فيه هو حسه الأمني ويقظته الدائمة".

الوحدة الهشة
شكلت وحدة الشمال والجنوب خيار الضرورة لصنعاء وعدن. ومن المفارقات العجيبة حد العبث، أن قيام "الجمهورية اليمنية" في 22 أيار 1990، تم في مبنى شُيد على أنقاض مكان مجزرة 13 كانون الثاني.
كانت غير متجانسة لم يصلح حالها إجراء انتخابات تعددية أولى. جيشا "الجمهورية العربية اليمنية" و"جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" لم يُدمجا. قال علي سالم البيض لكاتبنا :"لم ندخل بيوتهم ولم يدخلوا بيوتنا". وفي مقارنة مثيرة للاهتمام، شبَه السياسي الجنوبي حُكمَ الشمال بـ"المارونية السياسية" و"ممارسات الزعماء الموارنة قبل اتفاق الطائف". لكن خيرالله رأى في ذاك ظلماً لليمن ولبنان حيث "الوجود المسلح الفلسطيني المتنامي" و"الوصاية السورية المباشرة".
في نظر الكاتب الذي لا يخفي إيمانه بالوحدة، وقد نال وساماً يحمل اسمها، خطط البيض للانفصال، فهو ذهب إلى مؤتمر للمصالحة استضافته عمان في شباط 1994 في طائرة لخطوط "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية". وجاء الاتفاق حبراً على ورق، فعلي صالح كان لا يزال في العاصمة الأردنية حين شبت معارك في حرف سفيان بمحافظة عمران. تواجه الجانبان في كل مكان، ففي الشمال قوات جنوبية، وفي الجنوب وحدات شمالية.
حين قامت الوحدة، كان السعودية تعارضها، لكن صدام حسين الخارج مما يعده انتصاراً على إيران، ساهم في استعجالها، كأنما لـ"إظهار النفوذ الواسع الذي بات يمتلكه". وبعد غزو الكويت، بدت إدانة الرئيس اليمني للمقامرة العراقية ملتبسة. وما تلا كان ثقيلاً وعجزت السلطة عن تحمل عبء إعادة مليون يمني من بلدان الخليج.
وعام 1994 كان ثمة رغبة إقليمية في إنهاء دولة الوحدة تقاطعت مع الانهيار النهائي للثقة بين "العليين"، صالح والبيض الذي أساء تفسير الموقف الأميركي. وفي المقابل، كان من نقاط قوة الرئيس اليمني مستشارون رجال دولة من قماشة عبدالكريم الأرياني الذي ذكره خيرالله في ملحق عن شخصيات يفتقدها اليمن في محنته، إلى تحالفه مع الشيخ عبدالله الأحمر، وهو مثله من حاشد. والأخير لم يرفض الوحدة، على ما ينقل عنه الكاتب، بل كان ضد الحزب الاشتراكي "الملحد". كما اتكأ علي صالح على ضباط لجأوا إلى صنعاء مع علي ناصر محمد، بينهم عبدربه منصور هادي الذي يتوقع خيرالله إبقاءه "رئيساً انتقالياً" مطولاً لتعذر إجراء انتخابات والحاجة إلى "شرعية"، ولو شكلية. وهو إذ يستخدم المزدوحين في أسلوب يفهمه الصحافيون، خصوصاً أهل "النهار"، يقصد أن الشرعية وحتى الرئاسة، كنظام وكيان حكم، غير متحققتين في يمن اليوم غير السعيد.
وبعدما خسر البيض، غادر إلى سلطنة عُمان، وبعدها بيروت وأخيراً الرياض في مرحلة ما بعد "عاصفة الحزم". وفي العاصمة اللبنانية، وهي دائماً على تماس برجالات اليمن من كل المشارب، تصالح مع غريمه اللدود علي ناصر محمد، بعدما قلب التفشي الحوثي معادلات الشمال والجنوب والخصومات التقليدية.

تمدد التشدد
وبدأت مرحلة لا تقل تعقيداً، فالميليشات الإسلامية التي تحالف معها علي صالح للقتال في الجنوب، دمرت مقامات الأولياء مسيئة إلى تقاليد عمرها قرون، مما اضطر الرئيس إلى الإقامة في عدن لتهدأ النفوس. لكن الجنوبيين عانوا كذلك تسلط ضباط من منطقة سنحان، ودخول شماليين شركاء في حقول النفط والغاز. ودفعهم الإحباط إلى الانغلاق، وتنامى نفوذ الإسلاميين وانتشر تنظيم "القاعدة".
صحيح أن خيرالله بقي على اتصال بصديقه الرئيس الذي غادر الحكم، لكنه لا يغفر له خطيئة صعود الحوثيين، وأنه فتح لهم "طريق "حزب الله" وإيران، وحاول استخدامهم إلى أبعد الحدود منذ حرب الانفصال"، بداية للوقوف في وجه العائلات الهاشمية والتصدي للمدارس الدينية السلفية والإخوانية، وليُظهرَ للسعوديين، "خصوصاً بعد دعمهم للانفصال، أنه قادر على فتح خطوط مع إيران". لكن العلاقة بطهران تجاوزت الهدف المرسوم، فابتعد الحوثيون عن الزيدية إلى الشيعية. أضف أن "حزب الله"، وفق الكاتب، "متورط إلى أبعد الحدود، إن من ناحية التدريب، أو التزويد بالأسلحة، وبناء شبكة اتصالات لا تخضع لرقابة السلطات اليمنية". وكلنا نعلم حجم اتكال الحزب على شبكة مماثلة في لبنان وأهميتها العسكرية لتكريس معادلة الدولة داخل الدولة، في بيروت، والآن في صنعاء.
انقلب السحر على الساحر، فأدرك علي صالح أنه لا يتحكم بصنيعته واندلعت ست حروب بين عامي 2004 و2010. لكن المصلحة عادت لتجمع الطرفين على خلفية الحاجة المتبادلة "في مواجهة السعودية و"الإخوان" وآل الأحمر".
ويُلاحظ أن الكاتب لا يمر إلا عرضاً على ما سماه "ثورة الشباب" عام 2011، في تقليل لشأن انخراط اليمن في "الربيع العربي". في كتاب يقدم رواية مسهبة لأحداث اليمن، يبدو مستغرباً ألا تأخد الثورة على علي صالح إلا سطوراً قليلة بالقول إن "الإخوان المسلمين" خطفوها.
هول سقوط صنعاء طغى على ما عداه. ويحمل المولف منصور هادي مسؤولية بلوغ الحوثيين "انتقامهم الكبير"، ومرة جديدة يلوم علي صالح على دعمهم.
يؤلم خيرالله انهيار الجمهورية اليمنية. "اليمن الذي عرفناه انتهى"، يجزم، متسائلاً هل سيصير لكل من الأقاليم الستة دولة مستقلة بمنياء ومطار...

الصحافي صانعاً للحدث
لا يمكن صحافياً يقرأ الكتاب إلا التوقف عنده من منظور مهني بعد ذاك السياسي.
يتباهى المؤلف، وهذا حقه، بكل سبق حققه في اليمن، والكثير من انفراداته نُشر في "النهار". كان يلهث "وراء كل ما يمكن أن يساعدني في بناء اسم"، لكنه امتنع عن نشر صور توحي بأن اغتيال ابرهيم الحمدي نتيجةُ علاقة نسائية، وفي ذلك درس عملي لمن يريد ممارسة مهنة بعض أخلاقياتها ذاهبة إلى الاندثار، وإن لاحت أحياناً بين سطوره مرارة تتعلق بأحوال الصحافة اللبنانية.
مرة دفعه حسه إلى تقديم الخبر على السبق، فأعطى نبأ حصرياً حصل عليه لزميلة في وكالة أنباء لأنه "لم يكن مفيداً لجريدة يومية ستصدر في اليوم التالي". وفي حادثة تصلح درساً في كليات الإعلام، طلب من محرر إبدال كلمة "يدعون" بـ"يقولون"، وذلك على لسان علي صالح متحدثاً عن ترسيم الحدود مع السعودية. لكن "الزميل" لم يفعل، "نسي أو تناسى"، فخسر موقعه في جريدة "الحياة" بينما كان يتعافى من جراحة في القلب. الخلاصة، في المرة الوحيدة التي لم يتابع عمله بنفسه، كان الثمن باهظاً.
ولعل الإشكالية الأكبر التي يطرحها، وإن من غير قصد، هي علاقة الصحافي بالسياسي وحدودها، وموقع الصديق والمُحاوِر في تلك المعادلة الدقيقة الهشة، وقدرة صاحب القلم على الاحتفاظ باستقلاليته وإبقاء حدسه متقداً.
هذا الكتاب، وإن كان شهادة من بلد وله، فهو كذلك نواة سيرة ذاتية لصحافي ندعوه إلى تسجيلها كاملة.

[email protected]
Twitter:@SawssanAbouZahr

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard