رأي - أجنحة الشاعر ومقصّ الرقابة

11 تموز 2016 | 00:00

من أجمل الأوصاف التي تتسمّ بها عمليّة الخلق أنها ممارسة حرّة إلى أقصى حدود الحرية المطلقة لفن من الفنون. وهي شرط أساسي في عملية الابداع. فمن دونها لا نستطيع أن نطلق على العمل الفني صفة الابتكار. ثمَّة قيود ثقيلة تعوق طيرانه في فضاءات الجِدَّة والأصالة والانعتاق، وتحدّ من جموحه واتساع الفضاء.

اذا نظرنا إلى علاقة المثقف بالسلطة أو المؤسسة الحاكمة فإننا نجد شيئاً من الالتباس الغامض أو شبه حلقة ناقصة في فهم سيكولوجيا هذا الإنسان المختلف. علاقة ملتبسة غامضة، كثيراً ما تؤجج الصراع والمواجهة بين الطرفين، بين فكر سائد وفكر متغيِّر.
قال لي مرَّةً شاعرٌ صديق إن الكتابة في المواقع الأدبية الالكترونية تتسم بطابع عبثيّ وتختلف شيئاً ما عن الكتابة الأكثر أهميةً والتوثيقية التي نحتفي بها وننشرها في ما بعد في كتب كما هي من دون أن نبدِّل عبارةً هنا أو جملةً هناك إلا تلك السطور التي من الممكن أن تلتبس في مفهوم السلطة فيساق كاتبها بسببها إلى دهاليز السياسة والسجون المظلمة. وتابع أنه يكتب بحرية وبحماسة أكثر على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، الـ"فايسبوك"، لكنه عندما أراد أن يصدر ديوانه الجديد أسقط منه كل ما يتعلَّق بمواقفه السياسية خوفاً من تأويل خاطئ لها من السلطة التي غالباً ما تحضر في النصّ حسب قول الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.
كلنا يعرف المصير التراجيدي للكاتب العباسي عبدالله بن المقفع الذي ترجم كتاب "كليلة ودمنة"، الذي ألفَّه الفيلسوف الهندي بيدبا على ألسنة الحيوانات لكنه في مضمونه حوى نقداً لاذعاً للسلطة السياسية. وقرأنا عن كتَّاب وشعراء عالميين عانوا من الرقابة على كتاباتهم أمثال الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت والشعراء العراقيين عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وسعدي يوسف والشاعرين الفلسطينيين محمود درويش وسميح القاسم والشاعر الاسباني لوركا والشاعر المصري محمد عفيفي مطر الذي عانى من الرقابة وظلم المؤسسة الحاكمة معا، وكثيرون غيرهم. فمن الصعب الاحاطة بمن عانوا من نير الرقابة على ما يكتبون. فالنظام يدرك بما للكلمة الصادرة من كاتب أو شاعر له مركزه وقوَّته من خطورة وسرعة انتشار، لذلك نجده يحاصر قرائح الشعراء ويقيِّد أفكارهم التي تتوثَّب للحريَّة لأنهم محرِّك الشعوب وضميرها اليقظ. أتذكرُ شاعراً كان كلمَّا كتب شيئاً جديداً أو مارس نشاطاً ثقافياً معيَّناً تدهم بيته قوَّات الأمن بحثاً عما سيقضّ مضجعها في أشعاره. وكانت تدعوه في غرفة التحقيق إلى الكتابة عن المشكلات الوجودية والكونية أو عن المرأة والحب، أو عن كلّ شيٍء في الحياة سوى عن مشكلات بلده السياسية والتمييز التي يعاني شعبه منها.
الشعراء النبوئيون أو الاستفزازيون هم من يشكِّلون حالة قلقٍ مريرٍ لكل نظامٍ سالبٍ لحريَّة شعبه أو يشكو من وخزة الألم والندم تجاه تقصيره في قضايا كثيرة. لكن هذه الزمرة من الشعراء لم نرها تحيا بسعادة وتتناسل إلا في ظلال ديموقراطيات دول الغرب، بينما انقرضت ولم يعلم بوجودها أحد في دول ذات أنظمة قمع واستبداد وظلم. الشعراء والروائيون والفنانون الذين قتلتهم كتاباتهم في القرن العشرين وحده لا يكادون يحصون ومنهم من أبادته الشيوعية ومنهم من قضت عليه الفاشية. نستطيع أن نرى أسراب الطيور المهاجرة من الشعراء من أوطانهم إلى المنافي في دول أميركا وأوروبا، هذا كله بفعل مقص الرقيب الذي يتربَّص بأوراقهم وأجنحتهم معا.
في نظري لن تتطور أي كتابة وتصل إلى ذرى انسانية سامقة ما لم تحظ بفسح الحرية والجمال والبحث عن جوهر الحياة المطلق.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard