أنطاكية وأجندة الروح القدس

27 حزيران 2016 | 00:00

مُجتمعات مَشرقية مُتفجِّرة في دول مُفكّكة تعصِف بها الأخطار. عالم أرثوذكسي مُتأزِّم مُتأرجح بين التقليد والحداثة. لقاءُ قمة لبعض الكنائس الأرثوذكسية في كريت، وهذا المَجمع كان يُرادُ منهُ "مَجمعاً كبيراً مقدسا"، فأمسى "اجتماعاً" لعشر كنائس مَحليّة بدل الأربع عشرة التي تشكل "سوية" الكنيسة الأرثوذكسية. أزمة "المجمع الأرثوذكسي الكبير" قبل "المجمع" تظهر للعلن بحدة كونها وليدة تراكمات تحمل في طيّاتها أخطار انقسامات جمّة.

في ظل هذا المشهد المُتأزِّم والحسَّاس، يَنعقد المجمع الإنطاكي المُقدَّس مطلع الأسبوع ليُقارب سلامياً نتائج "لقاء" الكنائس الأرثوذكسية التي اجتمعت في كريت من دون أنطاكية، وهي : جورجيا وبلغاريا، والكنيسة الروسية الأكثر عدداً. مهما قيل أو كتب عن أهداف مكتومة أو مُعلنة لموسكو، يبقى موقف الكنيسة الروسيّة مُشرِّفاً، كونه على تضامُنِه مع أنطاكية وبقيّة الكنائس غير المُشاركة في كريت، يُشير أيضًا إلى ضرورة تطبيق الكنائسيات الأرثوذكسية بشكل صحيح. أمّا الموقف الأنطاكي فهو في العمق مُنَزَّه بالكليّة عن أي اعتبارات غير كنسية. وهو في العمق والجوهر موقفٌ مُحقٌ، مبدئيٌ، مُستقيم، صَلبٌ، ثابتٌ ومُتماسك يقول بضرورة أن تنتظم "المَجمَعيّة" في "المَجمع" الكبير. فالمجمع ليس هو الهدف، بل صون المجمعية الأرثوذكسية، لئلا يكون المجمع، إذا عُقِد في ظل نظام يتعارض وروح المَجمعيّة الحقة، أداة انقسام وليس فعلُ وحدة، كما هو الآن في كريت.
مُساهمة أنطاكية كانت دائماً فعّالة وإيجابية في التحضير للمجمع الكبير في كل مراحله منذ ستينات القرن العشرين وحتى أيار الماضي، حيث كان الجهد لا يزال مُستمرأً. وأنطاكية كانت دائماً سبّاقة في المُساهمَات الفكرية والكنسية وفي إيصال صوتها النبوي الذي يُشير إلى الجوهر وإلى ضرورة تخطي الخلافات. لم تبخل يوماً بجهد لتقريب الأخوة وتدوير الزوايا. يخطئ إذاً من يعتقد أن مواقف الكنائس غير المُشاركة في لقاء كريت أتت من عبث أو من قرارات مُتسرِّعة وليد ساعتها. كلها تطلبت جُرأةً وتمحيصاً ودراسة مُعمَّقة مسؤولة عما هو "مُهِم" وما هو "أهم". ما يحصل اليوم هو نتيجة مسارات انحرفت عن التطبيق المُستقيم لكنائسيات الشركة الأرثوذكسية. مسارات، إن لم تصوّب، قد تضرب أسس الوحدة الأرثوذكسية وجوهر رسالتها في عالم اليوم والغد. يُخطئ من يَحصُر الموقف الأنطاكي بقضية قطر. بالطبع التعدي المقدسي على ولاية أنطاكية الكنسية في قطر مؤلم وخطير جداً كون النيات التوسعية المُعلنة لمجمع القدس "الحالي" تطال بقاعاً كبيرة في الخليج والمشرق العربي تابعة لأنطاكية. قضية قطر مُهمة كونها ليست عنواناً لأزمة حدود كنسية بين بطريركيتين فحسب، بل لكونها ضربة لوحدة كل الكنائس الأرثوذكسية القائمة على شركة الإيمان واحترام قرارات المجامع المسكونية السبعة ومنها، احترام جغرافية كل كنيسة. نبّهت إنطاكية، كل الكنائس، مِراراً وتكراراً، وعلى رأسها البطريركية المسكونية، الى ضرورة حل هذه المشكلة نهائيًا من دون لبس "قبل" المجمع الكبير في كريت ليتمكن الأخوة، كل الأخوة، من المشاركة في الكأس الواحدة، كأس الرب. هذا للأسف لم يحصل على رغم الجهد المستمر للبطريرك يوحنا بسلاميته الأنطاكية المعهودة. الأهم في الموقف الأنطاكي من المجمع الكبير، كانت إشارة أنطاكية لمُشكلات عضوية في رؤية المجمع وتكوينه، أي ضرورة مُقاربة مُعضلات عالم اليوم، تطوير النصوص المُقدمة للمجمع وتنقيحها، والأهم، مشكلات "نظام" المجمع ومناهج أتخاذ القرارات فيه، الذي لم توقّعه أنطاكية. فقد قالت أنطاكية بضرورة أن يَعكُس نظام المجمع، "المجمعية" الأرثوذكسية الحقّة في الكنيسة من خلال اعتماد صريح في النظام، قاعدة "الإجماع" في الدعوة، وفي الحضور، وفي المُشاركة، وفي اتخاذ القرارات، فكلمة "التوافق" المُبهمة التي تمسَّك بها البعض ليست إلاّ تغليفاً لسياسات مُبطّنة تريد فرض منطق أكثريات وأقليات في التصويت في المجمع. وهذا غير مقبول في التقليد الكنسي الأرثوذكسي. فمبدأ "الإجماع" هو القاعدة المُعتمدة منذ إنشاء نظام البطريركيات الخمس في القرون الأولى للكنيسة. وعندما لم يُقبل هذا المبدأ بقيت أنطاكية الكنيسة الوحيدة التي لم توقّع قرارات قمة البطاركة في جنيف في كانون الثاني 2016، لكنها تركت الباب مفتوحاً للتصحيح، فكان تدبيرها بالإستمرار في المشاركة في التحضير للمجمع على رجاء أن يأتي التصحيح.
ما يحصل اليوم هو من أجندة الروح القدس. فالسياسات "التنافسية" بين الكنائس الأرثوذكسية، خصوصاً بين اليونانية والسلافية، أضرَّت بالكنيسة ووحدتها. المطلوب اليوم هو العودة الى كنائسيات بولس الرسول "وأمّا أنتم فجسد المسيح واعضاؤه". وهذا يتطلب من كل الكنائس الأرثوذكسية الـ 14أن تضع أسساً حديثة للسياسة "التكامُليّة" في ما بينها، كون كل منها، كما علّمنا بولس، ليست الجسد بأكمله، بل عضو فيه يحتاج الى بقية الأعضاء. هذا لُبّ موقف أنطاكية النبوي الأنطاكي بإمامة بطريركنا الحبيب يوحنا، أدامه الله.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard