اللُّجوء وكارثة التفتيت !

4 حزيران 2016 | 00:00

تتكاثَفُ المقاربات الوطنيَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة لقضيَّة اللَّاجئين السُّوريّين، مع شِبه انسِحابٍ مُمَنْهَج عن قضيَّة اللَّاجئين الفلسطينيّين، وشِبه تعامُلٍ براغماتيّ مع اللُّجوء العِراقيّ، ما يَشي بأنَّ ثمَّة من يَدفَعُ في اتِّجاه إعادة ترتيب أولويَّات الدُّوَل المانِحة من ناحِية، والدُّول المضيفة من ناحِيَةٍ أخرى.

تؤدّي الأمم المتّحدة بهيئاتها ووكالاتها وبرامجها حتَّى الآن دور الاستِجابة للحاجات الإنسانيَّة قصراً، مُشيحَةً بِنَظَرِها عن التَّداعيات الكيانيّة لقضيَّة اللُّجوء بما هي عامِلُ تفتيتٍ للهويَّات قد ينعكِسُ شظايا كارثيَّة في الجغرافيا والدّيموغرافيا على حدٍّ سواء. وافتِراضُ انعِكاس الشظايا الكارثيّ هذا لا ينبع من استِنادٍ إلى اقتناع بمؤامرةٍ ما تُحاك هُنا وثمَّة لإبقاء اللَّاجئين السُّوريّين حيثُ هُم دَمجاً أو تجنيساً، بقَدْر ما يحمِل هذا الافتِراض الجدّي اقتناعا بأنّ اُفُقَ عَوْدتِهم مأزِقيّ في ظِلّ استِمرار دمار وطنهم تحت وطأة صِراعاتٍ متعدّدة الطَّبقة كُنّا نحنُ اللُّبنانيّين قد عشناها، وخرجنا منها ناجين ومعطوبين في الوَقْتِ عينه.
ومهما يكُن من أَمرِ ما سَبَق، فإنّ الحَاجة مُلّحَّة، وبمنأى عن الارتِجال والدّيماغوجيا والشَّعبويَّة، الحاجة مُلِحَّة لتفكيك ما ورد في تقرير الأمين العامّ للأمم المتّحدة تحت عنوان: "بأمان وكرامة: التَّعامُل مع التحرُّكات الكبيرة للَّاجئين والمُهاجرين" (21/4/2016 )، كما إعلان البابا فرنسيس الأوَّل، والذي دعا فيه أوروبا إلى معاملة اللّاجئين والمُهاجرين بكرامَة ودمجهم (16/5/2016)، والقارِئ بِعُمْقٍ لأدبيّات تقرير بان ودعوة البابا يتنسَّمُ انسياقاً إنسانويّاً، يُغفِلُ السِّمة السِّياسيَّة المعقَّدة لقضيَّة اللُّجوء، أكثر منه في مسبّباتها.
بان: عَجْزٌ وفَشَل
إنّ تقرير الأمين العامّ للأمم المتّحدة والذي أسْلَفنا ذكْره، لا يَعْدو كَوْنَه جزءاً من الأدبيّات الأمميَّة المؤكَّدة على : (1) عجزٍ مؤسَّسي عن فرْضِ حلول سياسيَّةٍ جذريَّةٍ في قضايا ساخِنة: اللُّجوء الفلسطينيّ واللُّجوء السُّوري إحداها. (2) فَشَلٍ في إقْناعِ دُوَل النُّفوذ بِفَرْضِ حلول سياسيّة للقضايا عَيْنِها. (3) الإنزِلاق في البُعّدِ التمويلي الإغاثيّ مع تخوّفٍ من شحٍّ آتٍ لمُصادِره مع طول أمَد هذه القضايا.
(4) الإقتِناع بأنّ أزمة اللُّجوء والهجرة يجِب أن تنتَقِل، وبسبب من الوقائع الثلاثة السَّابقة، من الحيِّز الدَّوْلي إلى الإقليميّ فالوطنيّ، ما يُخفِّفُ الارتِباك الدَّولي وينقِذُهُ ممَّا يعوّق تنفيذ أجنداته، ويُهدِّىءُ من رَوْعِ التوتُّر الإقليميّ، ليُلقي على الوطنيّ بمُحفِّزات التَّمويل خيار الصُّمود المؤقَّت حتَّى تحقيق حلٍّ سياسيّ.
هذه المرتكزات الأربَعة برزت في إستدعاء توفير مقوِّمات البقاء للَّاجئين حيثُ وفدوا قسراً، ما يشير إلى إمكانِ تحتيم عدم عَوْدَتِهم خصوصاً في ظِلّ استِمرار الأزَمة، وهُنا بيتُ القصيد، إذ إنَّ التقرير أغْفَل خُطورَة الدَّفع باتِّجاه الدَّمج بما هُو اغتِيالٌ لهويَّة اللَّاجئين من ناحِية، وانقِضاضٌ على هويَّة المجتمعات المضيفة من ناحِيَةٍ أُخْرى. وإذا ما كان البُعْد السوسيو – اقتصاديّ يستأهِلُ التَّدقيق بما يُعْنى بالقُدرة الاستيعابيَّة للمجتمعات المضيفة، إلَّا أنَّه يجب أن لا يؤخذ كعُنْصُرٍ أحاديّ، وإلّا نُمسي في جدليَّة بين الإغاثيّ– التَّمويليّ والاستيعابيّ – الاقتِصاديّ، وفي كِلتا الحَالَين المُعالجة تبقى مبتورة إذا لم يتمّ استِكمالها بالمقوِّمات السِّياسيَّة والسِّياديَّة والقانونيَّة والثقافيَّة والأخلاقيَّة. إنْتاجُ التوتُّر بين مجتمع اللَّاجئين والمجتمعات المضيفَة خِدْمَة بنيويَّة لأصحابِ المصالِح الكبرى على خشبة المسرح ووراء الكواليس على حدٍّ سواء.
الأُمم المتَّحدة بتقرير أمينها العامّ أعْلَنَت قُصورها، وما على الدُّول المضيفة سِوى بناء سياسات متماسكة تُمهِّدُ لعَوْدَة اللَّاجئين. المناطق الآمنة والعازِلة حلٌّ ضروريّ. تُركيا والأردن جاهِزان. لبنان حتَّى الآن، وبسبب الاحتِكام لمراعاة مصالِح الأفرِقاء السياسيّين لم يقُم بسياسة متماسكة بل يتمسَّك بالرَّفضِ اللَّفظيّ. لم نتعلَّم من تجارِبنا السَّابقة ولن على ما يبدو.
البابا: أخلاقيَّة اللَّاعُنْصُريَّة
في موازاة تقرير بان كي مون ظهر الاهتِمام الاستثنائيّ للبابا فرنسيس الأوّل باللّاجئين والمهاجرين بخطوات عِدَّة، لا إمكان لتعدادِها في هذه العُجالة، عدا تصريحه الذي دعا فيه أوروبا إلى دمج هؤلاء.
حَتْماً إنَّه البُعْدُ الإنسانيُّ الأخلاقيُّ يطغى في هذه الدَّعْوَة، وكأنَّ البابا يتنسَّمُ بدء تنامٍ لِمَوْجة عنصريَّةٍ ما، بعد ما حدث في باريس وبروكسل.
لكِنْ، وعلى الرُّغمِ من إمكان تفهُّم دَعْوَة البابا، نستأهِلُ منه، وديبلوماسيّة الفاتيكان الصَّامتة غوصاً في السبب أكثر منه النَّتائج. وإنَّ أخلاقيَّة اللًّاعنصريَّة وصَوْن المواطنة بحُسن إدارة التعدُّديَّة يقتضيان وضع الأصْبَع على واجب رفض تكثيف موجاتِ الهجرة واللُّجوء، بما يعني تفكيك الالتِباس حول الدَّعوة إلى الدَّمج وكأنَّه موافقةٌ على تفتيت هويَّة اللًّاجئين، وهذا يتطلَّب الحثّ على إنجازِ حلّ عادِل وسلميّ قِوامُه عودة اللَّاجئين الفلسطينيّين والسُّوريّين على حدِّ سواء. أخلاقيّة اللّاعنصريّة ورفض يناءِ الجدران العازلة تُستَهلُّ بإنهاء الديكتاتوريّات والتيوقراطيَّات لمصلحة ديموقراطيَّات مواطنة قِوامها القانون والمساواة والكَفاءَة والمحاسبة والاستِدامَة.
لبنان – الرِّسالة في قلبِ وفكر الفاتيكان، ولبنان العضو المؤسِّس في الأمم المتَّحدة، لم يُقدِّم حُكَّامُه حتَّى الآن سياسَة عامَّة مرتبطة بالأمن القَوْمي في مواجهة قضيَّة اللُّجوئين الفلسطيني والسُّوري (النزوح مصطلحاً معتمداً ابتِكارٌ لبنانيّ جريء)، بل استَسْلم للشِّعارات والتجزئة القاتِلة... حانَ وَقْتُ صَحْوَةٍ علميَّة كي لا نكرِّر مراراتٍ مدمِّرة ... هل من يَفْقَه؟

خبير في شؤون اللاجئين

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard