الجامعة الأنطونية تختار النخبة كي تبقى الموسيقى فوق كل اعتبار فرنشيسكا ديغو وفرنشيسكا ليوناردي ثنائي مطعّم بداء بيتهوفن وشوبان

16 أيار 2016 | 01:01

اسمان، فرنشيسكا ديغو وفرنشيسكا ليوناردي، يدلاّن إلى الهويّة الإيطالية. لكننا نعلم، من خلال الاطلاع على مساريهما، أن ضيفتي الجامعة الأنطونية مواطنتان كونيّتان وصلتا إلى الشهرة، بما اكتسبتاه معاً، أو كل على حدة، بحضورهما على المسارح العالمية. السوناتا العاشرة لبيتهوفن كانت البداية في هذه الأمسية الحميمة التي خصّصتها الجامعة الأنطونية لموسم موسيقى الحجرة. لهذه البداية مع بيتهوفن إشارة، فالعازفتان مصمّمتان للسنتين المقبلتين على أن تسجلا معاً السوناتات الكاملة التي كتبها بيتهوفن لكمان وبيانو، فكان لنا منها حصة.
من تركيبة هذا العمل ودقة الائتلاف بين القوس والملامس، ندخل في عالم مختلف عما خزّنته الذاكرة من روح بيتهوفن ووجعه وحنينه وعشقه، إن في سوناتا "أباسيوناتا" الهائلة أو في تلوين الأمل وبث انتعاش ونضارة في سوناتا "الربيع". لم يكن في هذه المقطوعة ما يوحي بالبوح والهمسات الممزّقة، بل كنا نسمع الكمان المتعالي إلى مستوى رفيع من الدقة، يختصر الخطاب الميلودي بجمل قصيرة، متقطّعة، باهرة بمعانيها، تلتقي مع الملامس في لحظة مهيبة يتوقف فيها الزمن البيتهوفيني.
بالرغم من نجومية الكمان والقوس في يد فرنشيسكا ديغو، تنقّب في أرض بيتهوفن، وتروي عطشها أكثر من نزهة في إطار رومنطيقي، كان لملامس البيانو تحت أنامل فرنشيسكا الصغيرة مجراه الدافق في مسار الكمان. رنانة الملامس نتلقاها في اتحاد ميمون مع مزاج الوتر.
الأداجيو له في سلوك بيتهوفن هويّة لا تخفى على أحد. هذا الجرح الذي تحزّه القوس عليه هو جرح بيتهوفن، والعازفة على بيّنة من سرّ هذا العبقري الغامض، تطرق بأصابعها على الأوتار فتهيّج قدر سوناتا مكتوبة كامتحان للذات. ففي عبور هذا السيل من وجع مكفّن تحت نغم متكابر على المشاعر الضعيفة، يتوسع البيانو في الحركة الثالثة، "السكيرزو الليغرو"، وتتنفّس الملامس في احتضانها جنون الكمان ومهارة العازفة. في الحركة الرابعة يتباطأ الزهو بعض الشيء لحوار أنيس حيث يعلو في هذا التوحّد طابع السوناتا والمناخ الدرامي الذي تفرضه.
شوبان في الأندانت والبولونيز الكبرى، كان بين يدي فرنشيسكا ليوناردي حلماً كما كل عازف اختار حتى اليوم البيانو شاطئا لأسفاره البعيدة. هذه الفنّانة الصغيرة القد واليد، بدت كأنها في مسابقة عالمية راهنت على بلوغ ذروة نجاحها. شوبان ينصب للطامحين إلى عالمه ألغاماً خفيّة، حتى بات المتفوّقون في اعتلاء قممه أمثلة تعطى في المقارنة بين عازف وآخر. هذه الصبيّة المتمرّسة في غير نوع، رفعت بالمعزوفتين إلى حيث تحلو المقارنة بينها هي الصغيرة العملاقة بعزفها وبين بوريس بيريزوفسكي المارد بالجسد والبراعة.
عادت فرنشيسكا ديغو إلى المنصة تتحدى على أوتارها، إمتحانات صعبة في الحركات الأربع لسوناتا أوجين إزاي، هذه السوناتا التي كان يعزفها هذا الفنان الكبير حيثما وجد. السوناتا الثانية استهوت بغرابة جملها القصيرة المفكّكة مشاهير الكمان، أمثال أوجين يونيسكو ويهودي منوهين وغلين غولد، فأناروا بمنارتهم أجيالا من الكمانيين الباحثين عن تجارب موسيقية يمتحنون فيها حدود إمكاناتهم، فكانت من بينهم فرنشيسكا ديغو وليس عجباً أن تحذو هذه المكلّلة بجائزة باغانيني عام 1961 حذوهم فتدخل في هذا المعترك المتطلّب منكاشاً يحفر الصخر ليرفع من عمقه قطرة ماء. فمن الحركة الأولى، "هلوسة"، وطئنا بالسمع عالماً منفصماً، مبلبلاً، يستكين لحظة دخول الكمان في الحركة الثانية، "مالنكونيا"، فنتخيّل حذراً، في استراحة مشبوهة. هذا العالم لا يخلو من اضطرابات أجادت العازفة وصفها بين أزيز القوس وارتعاشات الوتر. إلى أن تهيم ظلال من تساؤلات، كانت القوس بليغة في ترجمتها بما يشبه إيقاعاً لرقصة مجونية يفيض هيجانها في الحركة الأخيرة حين تقدم هذه الفنّانة الرائعة أوراق اعتمادها لأوجين إزاي.
لموريس رافيل كان الختام مع مقطوعته الشهيرة "غجر". النغم وحده في البداية حرّض القوس على شق سبيلها في شموس الوتر الحارقة. إلى أن دخل البيانو حذراً في البداية وراح قلبه ينبض على إيقاع الكمان، ويلاحقه كالظل في دروب غامضة. فالمقطوعة احتفلت بالكمان لغة غجرية ملتهبة، يطفئ البيانو نارها ويهمد غربتها. بهذه التقنيات العالية كانت الشراكة بين فرنشيسكا ديغو وفرنشيسكا ليوناردي مطعّمة بنكهة قارصة تستفز المشاعر.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard