كتاب - "خبّأتُ الحياة" لجورج شلهوب: سقطتُ سَهواً من حسابات الله

23 نيسان 2016 | 00:00

يبدو شعر جورج كميل شلهوب في ديوانه "خبّأتُ الحياة ولا أعرف كيف أجدها" الصادر لدى "الدار العربية للعلوم ناشرون" عمليةَ بحثٍ عن هذه الحياة المعطّلة التي تُحوّل صيّاديها إلى فرائس حيّة. وفي عملية البحث هذه ثمة عملية أخرى تجري تَوازياً، وإن كانت غير مرئية، يتحرّى فيها شلهوب هويتَه الشعرية وسيلةً للوجود.أستعيد هنا قولاً لتشارلز بوكوفسكي يصف فيه الكتابة بأنها "غالباً هي الشيء الوحيد بينكَ وبين الاستحالة. لا شرابٌ، ولا حبُّ امرأةٍ، ولا ثروةٌ، يمكن أن تضارعها!". الكتابة، إذاً، هنا تُمسي اختراقاً في جدار الحياة الأصمّ، هذه الحياة التي تبدو "سيرةً معطّلة". الكتابة هنا لا تنعش العالم أو تحييه، هي فقط محاولةٌ لهزّه، للتأكد من أنه ليس سراباً أو بالأحرى للإحساس بوجودنا وبالحياة: "أكتب اليوم كي أنكز جثّة هذا العالم!".

هذا العالم المتهالك، المتداعي، الغريق، لا خشبة خلاص فيه للتمسك بها غير الكتابة، وتحديداً الشعر. مَن يدمل جرح هذه الحياة، أو يفكّ لغزها، أو يستدلّ إلى بابها؟ أسئلة يدأب شلهوب في البحث عن إجابات عنها، غير أن هذه الحياة لا تنفكّ تكون وقتاً ضائعاً، وخيبات، وخسارات وانكسارات. لا شيء، في رأيه، يرتق هوّة هذا العمر، فـ"العمر ثقب كبير لا أرى منه شيئاً". ومهما حاول أن يفقَه سرّ الحياة أو يعثر عليها، فإن كلّ محاولاته تبوء بالفشل: "بين يديّ حياةٌ لا أفقهها/ أمواتٌ ينبعثون مني/ لا أعرف كيف أدملهم. كنتُ صغيراً/ وحين خبّأتُ الحياة/ لألعب بها،/ لم أعرف كيف أعثر عليها/ عند انتهاء اللعبة!". الوجود لدى شلهوب، إذاً، يتراءى جُرحاً، سهواً من حسابات الله، اتصالاً خاطئاً، جنيناً يتيماً، ذاتاً مكسورة. ولكن، ما دام هذا الوجود فقداناً، وهواءً يختنق، وشمساً مريضة، ودوراناً في متاهة العدم، فأيّ فائدة من كلمات لن تُحيي ألعازر جديداً؟!
لا يبقى للشاعر ما يعلّل نفسه به غير هذه الكلمات، نداء الاستغاثة الأخير، أمام الغرق والتبدّد والعدم. فكلماته تُقنّع وراءها صوتاً يستدلّ مساره في تربة العدم هذه ليخرج إلى هواء الأمل، ضوءاً يسعى بعض شعاعه أن يخترق ظلمة هذه الغابة، وهماً جميلاً يدغدغ وجه اليأس. شعر شلهوب هنا هو عملية ترميم لهذه الحياة، عملية تطهير ذاتية، عملية طرق متواصل لزجاج العالم المضاد للحياة علّه يتشقق وينكسر. لا يجد جورج شلهوب خياراً غير طلاق الحياة كأبغض الحلال، لكنّ شعره يخلّصه!

charbel.abimansour@annahar.com.lb
Twitter: @Abimansourc

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard