تراجيديا الموت في قداس مأتمي لدونيزيتي بقيادة الأب توفيق معتوق أصوات أوبرالية وكورال الجامعة الأنطونية بمواكبة الأوركسترا الوطنية

4 نيسان 2016 | 00:00

  • م. م.

(مروان عساف)


الموت نعته الآلات النحاسية الصارخة، تؤازرها الصنوج في تضخيمها الحدث، إلى أن التفّت الوتريات على آلات النفخ الخشبيّة، محتشمة في أحزانها، تهدهد ضراوة الموت بدموع مزمار مرتعش. بهذه اللوحة الأولى لقداس غايتانو دونيزيتي المأتمي، تنقشع رؤيا الموت، بمراحلها، موزّعة على كورال وخمسة منشدين منفردين وأوركسترا، بقيادة الأب توفيق معتوق القادر كما عهدناه، على إيصال هذه التحفة بحذافيرها الصوتية والعزفية إلى برّ الأمان.

كورال الجامعة الأنطونية، المؤلّف من خمسين منشدا ومنشدة، بشموليتها الصوتية ومستواها الأكاديمي العالي، لا يختلف قيمة واحترافا عن الجوقات الأوروبية الجامعة بين الغناء الديني والدنيوي.
ففي هذا القداس كان للجوقة الدور الكبير مع الأوركسترا في إبراز معالم تحفة دونيزيتي حين الموت يعلو من الحناجر كإعصار، تتذاوب فيه الخامات الأنثوية بالخامات الذكورية في مشهدية سمعية يتماهى فيها الصوت البشري في ما يشبه عوامل متفجّرة من الطبيعة.
ست عشرة مرحلة كتبها دونيزيتي من أناشيد متنوّعة، إحياء لوفاة بلليني، الذي اشتهر قبله بمؤلّفاته الأوبرالية، من "نورما" و"المروبصة" و"الطاهرة والفارس".
المقاطع توزّعت على مغنّين أوبراليين محترفين عالميا، من السوبرانو كاترينا دي تونو والميزو روزا بوف والتينور بشارة مفرّج والباريتون شادي طربيه والباص كارلو ماليفيرو، توحي بألحان رومنطيقية من آيات دونيزيتي الأوبرالية، الناضحة بالمشاعر الإنسانية. ففي الغناء المنفرد كان لكل منشد ومنشدة مؤثرات ذاتية في التعبير عن العشق والألم برهافة آسرة.
المشهد يرتسم أمامنا منتقلا من الكورال إلى الغناء الفردي، فيتعظّم الرثاء كجموع جاءت تعزي الأفراد واحدا تلو آخر.
كان لا بد من إطار روحاني لـ"ريكوييم" دونيزيتي في كنيسة القديس يوسف حتى نستشعر القوة الليريكية الناجمة من خيال دونيزيتي المدهش. كل فقرة وكل خامة صوتية كانت لها مؤثرات مباشرة على الحضور في تراجيديا الموت هذه، حتى أن الذاكرة لعبت في بعض الأحيان في مقارنتها ببعض من فقرات أوبرا "آن بولين"، و"إكسير الحب" و"لوتشيا دي لامرمور". كان مزيج من الواقع والذاكرة في مسرح ليريكي واحد.
من فقرة إلى أخرى، الأدوار منسّقة في تسلسل دقيق، تتعانق فيه أصوات الكورال بأصوات الصولو، ببراعة توحيد النمط الديني والأوبرا بهندسة فنيّة مذهلة. الإصغاء كان لا بد منه على الصعيدين البصري والسمعي التقي. في أعلى المذبح إصطفّت غابة من الغناء الجوقي، تلتها الأوركسترا بآلاتها النحاسية ثم الوترية. على المنصّة المايسترو وإلى جانبيه المنشدون المنفردون.
من منارة هذا المشهد المؤثر الذي فرد الأب توفيق معتوق ذراعيه عليه، نعي الابتكار الفني، الأساسي، في استعمال آلات خاصة تتناسب مع أصوات المنشدين. لقد كان الدمج محسوسا بين الأصوات المنفردة والأوركسترا، بدءا من "ذكرى الأبدية" وصولا إلى "حرّرني يا إلهي"، كما كان لكل صوت منفرد آريا انارت خامة كل مغنّ ومغنية، اذكر منها "إنجيميسكو" التي أجاد بشارة مفرّج التينور في أدائها، كما آريا "أورو سابليكس" منطلقة من حنجرة شادي طربيه الذي حوى في حنجرته الباريتونية الذكورية كل الحنان ومنه إلى آريا "لاكريموزا" بصوت السوبرانو كاترينا دي تونون الكولوراتور.
في الختام وقف المنشدون الخمسة، وبإيحاء من الإعصار الجوقي والعزفي عادوا إلى البدايات مع "كيرياليسون" يعظّمون بها دراما الآلام.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard