زاد ملتقى قمح الزجل في غرباله لغة تنغيميّة مأسوية مكسّرة "حمّص" أوبرا ساخرة درامية لخمسة أصوات أكابيلاّ

4 نيسان 2016 | 00:00

(مروان عساف)


"إرتجال"، المهرجان السادس عشر للموسيقى التجريبية في لبنان، بدأت عروضه منذ ليلة الأربعاء الفائت في "مسرح المدينة"، مع مجموعة "الأصوات المتوسّطية"، المؤلّفة من خمسة منغّمين أوبراليين أكابيلاّ من شتوتغارت، وهبوا خامات حناجرهم لتنغيم تعبيري لسمير عودة تميمي كأنهم يؤدون مسرحية لا كلام فيها ولا حوار سوى أصواتهم النابعة من دراما أرضها المتوسّط. إلى أن عادوا وفي تنغيم أصواتهم أوبرا "حمّص" لزاد ملتقى المركّزة شمسه على الشرق.

كانوا على اختلاف طاقاتهم الصوتية، متآلفين مع هذا المنقّب في جذور موسيقى بلاده، ولا سيما الزجل كما ورثه من الصغر إلى أن أصبح الركيزة الأساسية لموسيقى كونيّة مغربلة من هويّة الأرض ومناخاتها العاطفية من دون التنصّل من مسلّمات لغتها الأصيلة. فاللحن القديم عالق في حنايا الذاكرة كحرق يهبّ من الأعماق مبعثرا، متعثّرا في نسيجه، مجهول الهويّة وليس دخيلا على الذاكرة الترابية، نحاول ترميم أوصاله المبتورة. فهذا الصوت رغم كسوره، وتفكيكه وتوزيعه على متطوّعين في إنشاء سقالات منيعة بين صوت وآخر، عنيد يجعل الذاكرة تغني، وقد حمله زاد ملتقى منذ نعومة عمره إلى الإغتراب كخيط يربط الضفتين. فلولا ذاكرة النغم لما عاد المغترب عن لبنان وحربه، يبحث عن هويّته الضائعة. فهل تكون الجدة التي ربّته هي التي، بأغانيها ومواويلها، زرعت منذ سنواته الأولى هذا المدماك الذي كان في انتظاره يوم ملّ العزف لليزت وبراهمز وشوبان؟
الحوار المتوازن بين الموروث والمكتسب بعدّة حديثة ورؤيا زمنية خلاّقة تعلو على قاعدة الموسيقى الكلاسيكية، أعاد الإبن الضال من موسيقى الغرب إلى رحم الينبوع. من "أناشيد" و"زارني" إلى موشّح "أيّها الساقي" وفاديا الحاج إلى عملها الغنائي مع فرقة سراباند، ضمّت حسّها الرهف وصوتها الطيّع إلى إبداعات زاد ملتقى، وفي صوتها حنين إلى أماكن الذاكرة.
ضحكة الطفولة كما عرفته، لا تزال مرتسمة في ملامحه، فالولد في ذاكرته، يسألها ومنها يستدل على مشرقية فرشت دربه بالإلهام. لعلّنا نتذكّر من بين أعماله "أوبرا الزجل العربية"، هذا العمل الباهر، الذي دخل في الإرث الثقافي العالمي للأونيسكو. يكشح زاد علامات النجاح عن جبينه ليبقى مستمرا في هذا التنقيب عن خيط الأصل، يغربل قمحه، ويمد يده إلى قمح الغرب يغبرله، فمن يا ترى يتذكّر زاد ملتقى يعزف في باريس "بريلودات" ديبوسي على البيانو بكساء خاص ألبسها إياه؟
إرث الشرق أنجب من وحي هذا الملهم مؤلّفات حلّقت في المهرجانات الفنيّة الثقافية في أوروبا ولبنان ولا سيما موشّح "الحرملك" في بيت الدين. فمن "أناشيد" إلى "الالام حسب مريم"، هذا الأوراتوريو السرياني، لصوت سوبرانو وجوقة وآلات باروكية كتبت عنه الصحف الفرنسية إثر تقديمه في مهرجان أمبروناي، ندرك كم ظل زاد ملتقى منقوشا بالأرض الأم رغم ابتعاده عنها.
كيف ولدت أوبرا "حمّص" المختصرة بالوقت، مرصّعة كلماتها الألمانية، المتكرّرة، دوما، في معدن يعلو به المغنّون حسب كتابته لأصوات "أكابيلاّ"، موزّعة على سوبرانو عالية وسوبرانو ليريكيّة وميزو سوبرانو وكونتر تينور وتينور وفي الوسط باريتون نخاله الراوي.
قبل بدء العرض تلقّيت من زاد بعض التفاصيل لعنوان لا بد أن يرتسم في البال صحنا من الحمّص بالطحينة. فما من آت إلى وطننا إلاّ ويتذكّر بعد عودته إلى بلده، طعم صحن الحمّص. في وعي زاد كان للكلمة مفترقا طرق: حمّص بلدنا و"الهوموس" العناصر العضوية التي تربى على التربة. الكلمتان تشابكتا، ودخلتا في صلب جوهر الكتابة يوم زال مذاق الزيت والطحينة والملح من ذاكرة أحد الذين أحبوا هذا الصحن التقليدي، حتى إذا عاد إلى البلد أثناء الحرب صار للحمّص صدى حوادث حرب دامية ومجزرة صبرا وشاتيلا على يد الموساد. تذكر حرب بلاده ألمانيا.
"على إيقاع قريب من الزجل شيّد زاد ملتقى جسرا ربط به حرب لبنان بحرب الآخرين". كلمات مبعثرة، مفكّكة، ارتفعت منها أصوات تزهو بالحمّص والضحك. سلام هنا، حريّة هناك. الأداء مكيّل على الفاصلة، على نقطة استفهام، يعلو من حناجر محترفة، مسنونة على حد سكين، قاطعة، كقطرة قصدير حامية، أدركت ما في نفس هذا المبدع من ويلات حرب لا تزال تجر ذيولها إلى الآن، فأخذت عنه حبة الحمص وحوّلتها من زهو إلى رثاء، قارص. إسمها مريم، يقولون، صراخ، صمت. ركعت، استنجدت. فساد، أسماء تصرخ في دمائي، أطفال، أطفال، الحمّص يخنقهم، الطبول تقرع على إيقاع اقدامهم. حرب. حرب.

may.menassa@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني