موسيقى - الأوركسترا الفيلهارمونية بقيادة هاروت فازليان عزفت لزاد ملتقى ونيكولا شوفورو وبراهمز قصائد حبّ من ألكسندر نجّار إلى الحبيبة غنّتها السوبرانو كليمانتين دوكوتير

22 آذار 2016 | 00:00

إذا كنا بالموسيقى نعلو في رحاب الحب السماوي، تاركين للأرض أوراقنا اليابسة، ففي الغناء المرتفع من حنجرة السوبرانو كليمانتين دوكوتور، منشدة ليلة الجمعة في كنيسة القديس يوسف، من أحاسيس خامة صوتها وعلى أنغام نيكولا شوفورو الأوركسترالية، ست قصائد حب، كتبها ألكسندر نجار، لا روحا هائمة في الأثير بل من وليمة الأرض هي، يتناولها الجسد قربانا للروح.

جاءت ليلة الجمعة مميّزة عما اعتدناه، فهاروت فازليان وقبل أن يعطي التركيز كلّه للأوركسترا، كلّمنا عن الفقرات الثلاث التي يحويها البرنامج، بدءا بـ"بعل" التحفة الموسيقية الطليعية التي كتبها زاد ملتقى خصيصا لبعلبك، ضمن تحية للمدينة في آب الماضي بعنوان "إلك يابعلبك". بعد هذا المزمور الخارج عن الزمن، "ست قصائد حب" مغنّاة بمرافقة الأوركسترا وفي الختام السمفونية الرابعة لبراهمز.
بعد بعلبك، تجد "بعل" تحفة زاد ملتقى جوّا لها تحت قبّة كنيسة القديس يوسف بعيدا من هيكل سيّد الزرع، فالمكان يتماهى أمام الموسيقى التصويرية التي رسمها ملتقى بإصغائه إلى الطبيعة الأم في أعاصيرها وسكينتها، فنسمع في المدخل الأول قرع النحاسيات، هادرة، رعدية، تحتفل على طريقة الالهة بالطبيعة. من أربعة تصوّرات كتب ملتقى، لا أنغاما شجيّة بل فحيحا من جوف الأرض وعلامات برقيات من الفلك. لقد عثر في كل آلة من آلات الأوركسترا على الصوت الذي كان يدندن في فكره ويلبي به ما كان السيّد بعل يمليه عليه. فقطرات المطر والسيول والجفاف والعواصف، استطاع زاد ملتقى تصويرها لوحات إلى أن تولّى المايسترو نقلها إلينا، مشرّعا الذاكرة على مدينة الشمس، فنشعر على قرع الصنوج وزئير الأبواق كما لو أننا كنا في ضيافة بعل، سيّد الميتولوجيّات الأوغاريتيّة، يبث مزاجه ومواسمه في الآلات النحاسية، وحيا على فنّان بات على صلة وثيقة بالحضارات القديمة وأساطيرها، كأنه في هذا المزمور معتّق بها.
الانتقال من بعلبك مدينة الآلهة إلى قلب الشاعر، حدث بلمحة، والسوبرانو كليمانتين دوكوتور بفستانها الأحمر الناري، تستأذن إله العواصف لتوقف بشدوها زوابعه وأعاصيره، فتعم القلوب قصائد حب مهداة من ألكسندر نجار إلى تلك التي "تجذّرت في جذوره وارتوت من المياه التي ارتوى منها".
الكتابة الشعرية المسطّحة على الورقة، كانت بحاجة إلى موسيقى عمودية، دورانية، تأخذ الكلمة في زوغانها وتطير بها إلى حيث الحب يتألّق فوق جاذبية الأرض. نيكولا شوفورو صنع من بيدر الكسندر نجّار الشعري، نشيدا للحب، يعلو عاشقا، متيّما، من حنجرة كليمانتين دوكوتور، فتغدو هي الحبيبة، متوحدّة بشاعرها، فيما الأوركسترا تحت راية المايسترو تشي بأسرارهما، والكمانات بهمساتها الناعمة تشي بما يقوله لها سرّاً: "من قعر وحدتي أكتب لك/ من أرض منفاي أكتب لك/ الأعاصير والأسوار وأخطار الحرب لن تردعني/ سأظلّ أكتب لك".
بعد هذا الحب كلّه، تأخذنا سمفونية براهمز الرابعة في مغامرة رومنطيقية شائكة، ترتوي من الينبوع الكلاسيكي حتى لا يتيه هذا المؤلّف العبقري عن الخط الذي رسمه في خياله. فمن يسنّ السمع جيداً إلى السمفونية الرابعة، لا بد له، والمايسترو يقود اللحظة تلو اللحظة غيبا من دون الاستناد إلى النوطة المكتوبة، أن يلتقط رسائل حب، رومنطيقية، خاطفة، ربما كتبها براهمز سرّاً بالقوس والوتر إلى حبيبة القلب كلارا شومان. فقط أن نسنّ السمع، للتمتع بموسيقى دقيقة في حساباتها، ماهرة في هيكلية بنائها، تميل شمسها إلى الغروب، حميمة، سرّية، تبوح بها الأوركسترا في ارتقائها إلى طبقات كونيّة، تراجيدية، ترطب النفس بين الحين والاخر، دمعة، انهمرت عمدا من هوبوا أو كلارينيت.
أما وقد قرأنا في هذه الأمسية رسائل حب تسلمناها بواسطة البريد الأوركسترالي تارة، وتارة بالبوح الأوبرالي، لا بد لهذه السمفونية أن تأخذنا إلى طبقات أعمق من المشاعر الرومنطيقية المقشعرّة حنينا وحنانا، ليكون استمتاعنا بها من الجذور التي منها انطلقت هذه التحفة، فنتخيّلها تناسلت وتكوّنت من نواة واحدة وبضع نوطات، إلى أن عمّت فلك السمفونية، بما تطلّبه هذا الكنز الموسيقي من آفاق علمية، صارمة، مذهلة فيضبط رالإيقاع وتخريمه بتنويسات شفّافة، سمعناها تنساب في عروق الجمل وتضخ فيها دماً يافعا للاستمرار.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard