نحو حركة نسائية جديدة

17 آذار 2016 | 00:00

من تحركات الدعوة للزواج المدني.

"أغلب المصاعب التي واجهتُها كان سببها اني امرأة". هذا ما قالته زهى حديد في المقابلة التي اجرتها معها جريدة "الشرق الاوسط" بتاريخ 10/2/2016. ومن لا يعرف زهى حديد، فهي المهندسة المعمارية العراقية الاصل التي اتقنت مهنتها وادخلت عليها اشكالا والوانا اكسبتها شهرتها العالمية.

استحقت زهى حديد عن جدارة جائزة بريتكنز التي تعد بمثابة "نوبل" الهندسة المعمارية في 2014 واول امرأة تحصل على الوسام الذهبي الملكي الذي يعتبر اعلى تكريم يقدمه المعهد الملكي البريطاني.
ذكّرني هذا الخبر والمقابلة الرائعة التي اجرتها زهى حديد بقول لجوليا كريستيفا يختصر موقف حديد ويؤكد شجاعتها في التعبير عن العوائق الاضافية التي تعترض طريق النساء. لقد دعتنا جوليا كريستيفا الى "التجاسر على الفرادة". وهي في قولها هذا تقيم رابطاً عضوياً بين الفرادة وعملية تحرير النساء.
لا تدّعي جوليا كريستيفا ان الفرادة وحدها قادرة على ذلك لكنها تذكر ان الحركات النسائية لم تنجز الكثير قياساً على الوعود التي اطلقتها خلال القرنين الماضيين. لقد تجاسرت زهى حديد على خوض غمار الهندسة المعمارية التي ظلت طويلاً حكراً على الرجال، بينما دُفعتِ المرأة دفعاً نحو بناء الدواخل في الساحات.
لقد انتظرت زهى حديد كثيراً لتعلن ان مشكلات كثيرة تواجه النساء لا لشيء الا لكونهن نساء كما يقول هشام شرابي. ولكن ما هو "التجاسر على الفرادة"؟ انه كما نعرف جميعاً قبول التحدي والانخراط في عمليات الابداع التي تتشكل منها تيارات التطور المفضي الى التقدم.
لقد تسنى لي اثناء عملي على دراسات عن تاريخ الحركات النسائية في لبنان ان اراجع الكثير من الكتب والسير التي تحدثت عما سمّته الحركات النسائية، كما ان انخراطي في نشاط هذه الحركات اتاح لي فرصة الملاحظة والتقويم، ولا ادري اذا كان بإمكاني الانضمام الى جوليا كريستيفا في حديثها عن التجاسر على الفرادة.
يقول غوستاف سميث في مقدمته للتقرير الخاص عن المرأة الذي اطلقته الامم المتحدة خلال مؤتمر بيجينغ سنة 1995، ما يلي: "ان اعظم الثورات في القرن العشرين هي الثورة من اجل المساواة بين الجنسين".
واذا كان النضال الذي هيمن على القرن العشرين تمحور حول رفض اختزال المرأة وافعالها في البيولوجيا، وتأكيد المقولة الرائعة لسيمون دوبوفوار:ة "المرأة لا تولد امرأة وانما تصبح كذلك"، الا ان ذلك لم يكن كافياً، والباحث في تاريخ الحركات النسائية العربية او الاوروبية او الاميركية يرى بوضوح ان هذه التواريخ قد اهملت خصوصيات كثيرة اشارت اليها الباحثة الاميركية سارة ديفيس في كتابها "الحرية".
وفي بلادنا العربية عرف نضال المرأة مراحل عدة من اجل تغيير صورة المرأة النمطية القائمة على البيولوجيا التي كرستها مناهج التعليم ونظام القيم الثقافية المتوارثة.
لكن المشكلة كانت اعمق من ذلك، لقد ظلت الرؤية التي تتوارثها الحركات النسائية خلال القرن العشرين تقوم على عنصرين اساسيين كان قاسم امين قد كرسهما في كتابه "المرأة الجديدة" نهاية القرن التاسع عشر وهما تعليم النساء واتاحة الفرصة لهن للعمل
عند الضرورة. كما ان المقاربات والحلول التي اعتمدتها هذه الحركات نهلت من المرجعيات التوتاليتارية التي سادت في القرن العشرين وتناغمت معها ولم تستطع الكثير فظلت النساء بصيغة الجمع وحدة مندمجة دون تمييز بين فئة واخرى...
ونحن الآن نعرف جيداً كم كانت عميقة تلك المآزق التي اوقعتنا فيها الوعود التوتاليتارية.
لقد اهملت الحركات النسائية "الفرادة" التي تتمحور حول الابداع والحرية، واستبدلتها بمفهوم للريادة يعطي الاهمية للأسبقية الزمنية فأين تقع فكرة الفرادة في سياق عمل الحركات النسائية؟
اين هي مي زيادة في سياق تاريخ الحركات النسائية اللبنانية؟ واين هي ليلى بعلبكي؟ الاثنتان لم تكونا مناضلتين في الحركات النسائية، لكنهما اختارتا لحياتيهما طرقاً فريدة في ذلك الزمن فافتحت الاولى صالوناً ادبياً وقدمت ليلى بعلبكي نموذجاً للرواية التي تكتبها النساء ويتردد صدها الآن لدى الروائيات اللبنانيات.
تتكاثر الاسئلة حول المسالك التي انتهجتها الحركات النسائية طوال قرن، واذا كان لا بد من النظر اليها كحركة تعبر التاريخ وتخضع لمتغيراته، كما هو الامر في جميع الحركات الاجتماعية، فإن ما يدعونا للحيرة هو ثبات هذه المسالك واستمرارها حتى الآن، هذه المسالك القائمة على "الجمهرة" وعلى توحيد المطالب لافراد مختلفين بالرغم من تغيّر المناخ الفكري في نهاية القرن الماضي الذي انحاز كليا للفرد.
"التجاسر على الفرادة" مفهوم عميق جدير بالنقاش. انه معطى يستطيع ان يواجه ما سمّاه بيار بورديو "الخضوع المفتون" الذي يشكل الاثر الخالص للعنف الرمزي ويتجسد بالمعادلة التالية "ان النساء بشكل عام توافق على الاقصاء ولا تفعل الكثير من اجل تغييره".
التجاسر على الفرادة هو الذي سيعبد الطريق امام النساء، على سبيل المثال زواج خلود ونضال هل هو محطة اساسية في تاريخ الحركة النسائية اللبنانية ام لا؟ وماذا نقول عن النساء اللواتي رفضن الخضوع للعنف الاسري ونقول اين هن الكاتبات والفنانات... لقد آن الآوان لتغيير هذا المسار الذي تسلكه الحركات النسائية. نحن بحاجة لصوغ رؤية اخرى تتناسب مع متغيرات العصر اساس هذه الرؤية هي الحرية.
ان تعديل القوانين المتصلة باحتياجات النساء العملية كالتعليم والعمل والصحة لا يمكن اهماله، فهي شروط للتنمية والتقدم لكنها غير كافية لاطلاق ابداعات النساء، واذا كان الاستقلال الاقتصادي يتيح للنساء فرصاً للحرية، فإن قوانين الاحوال الشخصية تضع شروطاً عليها تؤدي الى الغائها. اليس من المؤسف ان تشيح الحركات النسائية عن الحرية التي توفرها القوانين المدنية للاحوال الشخصية؟
ان الحرية هي الاساس الموضوعي للتقدم، وحرية النساء شرط اول لتمارس المرأة ابداعاتها. لقد تغير العالم وباتت الجمهرة فعلاً ماضوياً، فمتى يتغير عالمنا، وتصبح نساؤنا افراداً احراراً في حياتهن الخاصة والعامة تماماً كما الرجال؟ متى تعيد الحركات النسائية النظر في رؤواها وفي مناهج عملها؟ تلك التساؤلات وكثير غيرها، امامنا على طاولة البحث فلنبدأ العمل.

استاذة جامعية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard