كتاب - "أولاد الغيتو" لالياس خوري صمت الضحايا أبلغ تعبيراً من الحكايا

5 آذار 2016 | 00:00

بعد سبع سنوات من تسلم الياس خوري ملفاً أزرق يحوي أوراقاً مكتوبة، غطّاه الرماد وعجز عنه الحريق الذي اندلع في شقة آدم دنون، فقضى عليه، وعلى محتويات الشقة، قرّر نشر محتويات هذا الملف، قائلاً إنه "النص الذي تمنيت أن أكون كاتبه"، بعد روايتَي "باب الشمس" و"يالو".

الرواية، "أولاد الغيتو" (دار الآداب)، هي سيرة دنون نفسه، لكنها من جزءين: الأول يتعلّق بحكاية وضاح اليمن، كما كان يتصورها، والثاني بحياة دنون منذ خروجه من فلسطين وإقامته في نيويورك حيث خطّ مصيره. يقول خوري إن هذه الدفاتر "تتضمن نصوصاً غير مكتملة تزاوج بين الرواية والسيرة الذاتية وبين الواقع والتخييل وتمزج النقد الأدبي بكتابة الأدب... والنص يمزج الكتابة بكتابة تمهيدية ويخلط السرد بالتأمل والحقيقة بالخيال، كأن الكلمات تصير مرايا للكلمات". ويضيف أن هذا الكتاب يضم مخطوطاً كاملاً، كما وصلني من سارانغ لي: "لم أضف اليه كلمة واحدة، سوى كتابة عناوين الفصول الداخلية، التي اعتقد أنها ضرورية كي تشكل دليلاً للقارئ، كما لم أحذف منه شيئاً، حتى النقد العنيف الذي وجهه المؤلف لروايتي أبقيته على حاله، وأنا متأكد من أن القارئ الكريم سيجد فيه إجحافاً في حقي وظلماً لي ولكتابي".
نجح مؤلف هذا الكتاب في ما فشل فيه جميع الكتّاب، وهو ان يتحوّل بطلاً لرواية عاشها وكتبها.

صراع حالتين
يقول الياس خوري: "يقرأ القارئ الحكاية بحسب آدم دنون وسيكون هو الحكم بيني وبينه، كما أن سارانغ لي سوف تقرأ حكايتها أو شذرات من حكايتها في هذا الكتاب – اذا ترجم الى الانكليزية – وعندها تكتشف أن الرجل الاسرائيلي الذي لم يكن اسرائيلياً، لم يحبها لأنه كان يعتقد أنها تحبني، وأن سوء التفاهم الذي طبع حياة بائع الفلافل انقذ الفتاة الكورية من علاقة كانت ستكون مدمّرة لحياتها".
يعارض آدم دنوف الياس خوري في روايته "باب الشمس" بقوله إنه "يعرف خليل أيوب راوي "باب الشمس" معرفة شخصية، بل اجرؤ على القول إنني أعرف جميع أبطال الروايات التي أحبها بالقدر نفسه الذي أعرف فيه خليل أيوب". ويضيف أن يونس (بطل رواية "باب الشمس") أكثر واقعية من هذا الكاتب اللبناني الذي شوّه صورته في رواية "باب الشمس".
أما دنون فكتب في وصيته التي جاءت مقدمة للكتاب: "وضعت في هذا الملف دفاتري وسأوصي بإحراقها ووضع رمادها في قنينة، وأطلب من صديقتي الصغيرة (سارانغ لي) أن تمزج رمادها برمادي قبل أن يرمى الرماد في النهر. غريب أمري وأمر هذه الفتاة التي جاءت من لا مكان، وبقيت في اللامكان الذي أتت منه. هل أحبتني أم أحبت استاذها (الياس خوري) في جامعة نيويورك؟ أم أحبّت فكرة الحب، فاستعاضت بالفكرة عن كلينا؟".
قضى دنون وهو يبحث عن الحب المثالي الذي تصوره في حكاية وضاح اليمن، وفي نفسه غصة من حب لم يكتمل، وبقي فكره في الهيولى. حتى أنه قصّر عن كتابة الرواية التي أراد، فكتب "استعارة كبرى، استعارة كونية صنعها شاعر عربي مغمور عاش في العصر الأموي، ومات كما يموت الأبطال" (حكاية وضاح اليمن).
العلاقة بين خوري ودنون كما رواها الاخير، مازجها الغضب المتبادل وربما التنافس على إمرأة! وربما عداوة "الكار"، بمعنى التأليف الروائي، وقد تكون هذه مجتمعة على حساسية مفرطة بين شخصين يتغالبان على الانتماء ويتصارعان على قضية، وكل يرى في نفسه أنه على حق. يقول دنون: "لا أذكر أنني قرأت شيئاً عن علاقة الغضب بالكتابة، لكن قراري بأن اكتب قصتي جاء بسبب الغضب، غضب وحشي استحوذ على كياني لسببين، لا علاقة لأحدهما بالآخر: لقائي بمأمون الأعمى وهو يفاجئني بقصة أهلي الغامضة، التي لم تعن لي شيئاً في البداية، لكنها بدأت تتخذ حجماً مخيفاً بعد زيارة المخرج الإسرائيلي حاييم زيلبرمان للمطعم، ودعوته لي لحضور فيلمه "نظرات متقاطعة" وهناك رأيت كيف تحوّلت قصة دالية صديقتي الى أشلاء، ثم رأيت مؤلف رواية "باب الشمس" يقف الى جانب المخرج الاسرائيلي الأصلع ويقدّم نفسه بوصفه خبيراً في الحكاية الفلسطينية ويكذب.
الاثنان كذبا كثيراً، فلم اتمالك نفسي من الصياح والخروج من الصالة، وكانت سارانغ لي الى جانبي خرجت وامسكت بذراعي وقادتني الى المقهى، لكنها بدل أن تتضامن معي، بدأت تشرح لي أنني أخطأت، نعم اخطأت، وما كتبته هنا هو سجل أخطائي، كتبت الغضب والخطأ، قلت هذا واجبي يجب أن أنهي حياتي بحكاية. فنحن نعيش كي نتحوّل حكايات ليس أكثر! فكتبت كثيراً، لأكتشف أن الصمت اكثر بلاغة من الكلام، وأنني أريد لهذه الكلمات أن تحترق".

ذكريات الموت والرائحة والذباب
هل يحنّ المرء الى مرارة ذكريات "الغيتو"؟ دنون يتساءل عن معنى هذا الحنين الى الذبان والعطش والقرف؟! لكنه يكتب عن أيام الغيتو. يتوقف عند تجربة الدكتور ميخائيل سمارة في غيتو اللد، ثم في مخيمي صبرا وشاتيلا، ويختصر تجربته بثلاث كلمات: الموت والرائحة والذباب. وتروى الحكايا نقلاً عن فلان عن فلان. الحكايا تروى لئلا تضيع. والقضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان فكيف لا تكون في الأدب؟ هكذا مهما دار الفلسطيني يعود الى معاناته التي تختصر بكلمات مأسوية لا يمكنها أن تعبّر كل التعبير ولا ان تختصر كل الحالة.
للمذابح في الحروب أهداف عسكرية أو سياسية، ومذبحة صبرا وشاتيلا غايتها "كيّ وعي الفلسطينيين واقناعهم بأن شوقهم وحنينهم الى بلادهم نافل، ولا يقود سوى الى الموت ذلاً".
أما أدب هذه القضية فقد "صنع من صمت الضحية فواصل تعيد بناء الصورة الشعرية (محمود درويش نموذجاً). "ارتفع صمت الضحايا ليغطي على أصوات الجنود الاسرائيليين".

آدم ابن الغيتو
أتى آدم الكاتب الذي يروي سيرته الذاتية من لا مكان، لم يعرف أباه ولا أمه وكان يفترض أن المرأة التي عاش معها، كانت أمه، حتى التقى مأمون الأعمى الذي عاش في غرفة في حديقة بيتهم قبل خمس وعشرين سنة، وكان وهو صغير يفترضه بالمعاملة أباً، رغم إدراكه حين ترك بيت والدته، أنه ليس كذلك. لكن فاجأه بما قاله. أصابه الذهول وتداعياته التي دفعت به الى كتابة سيرته بقدر ما يعرف عنها من خلال ما أخبره به مأمون، وكانت النهاية مأسوية بأسلوب التراجيديا اليونانية.
يقول آدم: "بعد لقائي بمأمون تغيّرت دلالات الأشياء، وصرت كالأعمى. الحكايات هذه المرة صارت حقيقية".
يشكك الياس خوري في هوية آدم: أهو فلسطيني أم يهودي؟ لكن آدم يقول: "أنا لكل الفلسطينيين الذين فقدوا كل شيء حين فقدوا وطنهم، لا أرمي اي شيء له علاقة بالذاكرة الهاربة (أوراق من جده الى أبيه وصلت اليه) فنحن عبيد ذاكرتنا".
أما حكاية آدم، كما رواها مأمون، فهي أنه وجده على صدر امرأة ميتة وجدت جثتها تحت شجرة زيتون، حين خروجه مع الخارجين من اللد، "في مسيرة الموت تحت الرصاص والشمس والعطش". فأخذه وقفل راجعاً الى اللد، وفي مستشفاها أخذته منال الممرضة هناك، وقالت إنه سيكون ابنها. وقد عرف هو نفسه وعرّف عنها بقوله: "أنا آدم الغيتو، وأبي مات في المستشفى قبل ولادتي، وأمي حملت بي بطريقة عجائبية حين نامت الى جانب الرجل المحتضر في سريره في مستشفى اللد، وايليا بطشون صرّح باسمي، عندما رآني مقمطاً بين يدي أمي، قائلاً: هذا آدم الغيتو".

لغة الغيتو هي لغة الصمت!
بعدما أُخرج الفلسطينيون من أرضهم ومدنهم وقراهم، أُخرجوا من لغتهم، لم يكن في مقدورهم أن ينطقوا العربية، أو أن يتعلموا العبرية، فتحوّلوا الى لغة جديدة هي لغة الصمت. تتردد هذه العبارة في الرواية كأنها تمدّ جذورها في نفس طفل الغيتو، ثم في شبابه وكهولته، على الرغم من أنه صار في نيويورك. وبمنحى الأمور يبدو أن لغة الصمت صارت عالمية تنطلق بها البشرية، ما دامت روح الشرائع مفقودة أو على وشك. هل لغة الصمت هي اللغة العالمية الأكثر تعبيراً؟
لكن لغة الصمت، لغة الغيتوات والمعتقلات والخوف والموت "مصنوعة من أنقاض الكلمات. لا تتشكل إلا كوشوشات أو همهمات. تكون الكلمات فيها كسوراً من الأحرف والتعبير. علامات ترسمها الأيدي أو العيون التي فقدت بريقها". حين تصمت الضحايا على حضيض الموت، صمت الهزيمة بليغ، تتجلى بلاغته في حكايات تراكمها الأسانيد فتصير أسارير. "هذه الحكايات التي أحاول كتابتها لم يروها أحد، إنها نثار كلمات وشظايا ذاكرات. اقترب منها بلغتي المتعثرة، وبدل أن ألتقطها وأجلو عنها غبار الأسى، امتزج بها وأصير جزءاً من غبارها". هذا بعض ما كتبه آدم عن الصمت الذي اخترق النص من الحكاية الى الأسطورة.
يحوّل الحكايا وقائع رواية فتخالها حقيقية. والحكايا هي المرويات الشعبية التي تداخلها الأسطورة البطولية والحدس الجماعي، إذا غلّفه الاضطهاد. إن الوعي الجماعي بالاضطهاد كتيار الوعي الفردي تتخلله اسقاطات فكرية وأحلام وأضغاثها. وتصبح حياتنا وأفكارنا وأحلامنا وكوابيسنا هي استعارات مكثفة لحكاياتنا مع أهلنا ومحيطنا وبيتنا.

حكايا الحالة الفلسطينية المستمرة
بسلاسة يعبر من السرد الى تيار الوعي، يمزج الحاضر بالماضي ويتجاوز بهما الى حالة إنسانية فريدة. صحيح أن كل انسان هو ابن ماضيه، لكن الماضي يستمر في حياة الفلسطيني حتى مماته. فالماضي ليس منفصلاً عن الحاضر، إنه الحاضر نفسه والمستقبل أيضاً، هذه الفكرة تعبّر عنها الرواية بدقة وتفصيل وتعبر في ثنايا الرواية خيطاً رفيعاً واصلاً فصولها ومقاطعها وأسطرها. الرواية حكايات تتقابل أو تتنافر لكنها تتكرر واحدة ومجموعات، هي في ماضي الحالة الفلسطينية وحاضرها.
حين ينحدر السرد تعلو الحكاية كي تبرز الأفكار والأقوال والأخبار والحِكم والعبر. يتداخل السرد بحوار خاص بين الأفكار، بسيناريو من تقاطع الحكايا بأسانيد ودونها، وبذلك يتكوّن تيار الوعي الذي يشق الحاضر بالذكريات والتهويمات... حتى يصير القتل أحد أشكال التعبير بعد الصمت.
أخيراً إذا كان الروائي الياس خوري أعجب بهذه الرواية – السيرة، فلا شك في أنها تستحق أن تقرأ.

joseph.bassil@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard