"النهار" تلتقي جيانفرنكو روزي الفائز بـ"الدبّ الذهب" في مهرجان برلين: الهجرة من أكبر المآسي التي تواجهها أوروبا منذ المحرقة

22 شباط 2016 | 00:00

 

فاز "فوكاماريه" لجيانفرنكو روزي بقلوب رواد الـ"برليناله"، منذ عرضه الأول في الدورة السادسة والستين لمهرجان برلين حتى لحظة نيله "الدبّ الذهب" مساء السبت من يدي ميريل ستريب. حتى إنه انتزع المرتبة الأولى في لائحة النقّاد المعتمدين في مجلة "سكرين" التي تصدر يومياً. المخرج الايطالي (1964) الذي سبق أن فاز بـ"الأسد الذهب" عن "ساكرو غرا" في البندقية، يعود الينا بوثائقي يُعدّ درساً في كيفية توظيف الصورة، وأيضاً درساً في الانسانية. في لقاء مع "النهار"، روى المخرج العذابات التي شعر بها وهو يصوّر ظاهرة الهجرة غير الشرعية من ليبيا الى جزيرة لمبيدوزا حيث وضع كاميراته لأشهر طويلة، ناقلاً يوميات سكان أهل الجزيرة وآخر القادمين اليها من بلدان الفقر والحروب والنزاعات التي لا تنتهي.

■ متى بدأتَ تهتم بجزيرة لمبيدوزا؟
- سمعت عنها بداية في وسائل الاعلام. لمبيدوزا أصبحت في الواجهة منذ أكثر من 20 عاماً مع قضية اللاجئين المتوافدين اليها. المفارقة التي تجعلني أبتسم اليوم هي أن أوروبا بدأت تكتشف الهجرة منذ 3 أو 4 أشهر. ايطاليا تتعامل مع هذه المسألة منذ عقدين. ملايين مروا بها ولم تكن يوماً قضية كبيرة، في حين أوروبا كانت دائماً تقول: "هذه مشكلتكم!". الآن، تكتشف أوروبا ان هناك عالماً يتحرك، وبشراً يهربون من المآسي، وتراهم يتعاطون مع القضية بأبشع الطرق، عبر اقامة جدران، سواء الحقيقية منها أو المعنوية. ولكن، دعك من السياسة، لا أريد السقوط في فخّها الآن (ضحك). لنتكلم عن الفيلم. اهتممتُ بلمبيدوزا بعدما شهدت كارثة لقي فيها أكثر من 350 شخصاً مصرعهم. حصل هذا على مقربة من الجزيرة. الطبيب في لمبيدوزا يقول ان عددهم 358، بيد ان العدد الذي تم تناقله هو 357. هذه الحادثة المأسوية أثارت ضجة كبيرة، فطلب اليّ أحدهم التوجه الى هناك، بعد ستة أشهر من وقوع التراجيديا، لمسح الأحوال في الجزيرة. عندما وصلتُ الى هناك، كانت لمبيدوزا فارغة من الناس، لم يكن هناك مهاجرون، لأن وسط المدينة كان قد أقفل، فبدأ المهاجرون يقصدون صقلية. يجب القول ان النحو الذي يصل به المهاجرون الى لمبيدوزا، قد تغيرفي السنوات الثلاث الأخيرة. شهدت الهجرة ثلاث عمليات كبيرة: "ماريه نوستروم" و"ترايتون" و"فرونتيكس". تم نقل حدود الجزيرة الى عرض البحر. قبل أن يبلغ المركب الآتي من ليبيا أو تونس شواطئ لمبيدوزا، يتم ايقافه في عرض البحر. سابقاً، كانوا يصلون الى الجزيرة ويصبحون جزءاً منها. الآن، أخذت المسألة طابعاً مؤسساتياً؛ فيتم اقتيادهم الى المرفأ ثم تُلتقط لهم الصور ويجري فحصهم، ثم تأخدهم الشرطة الى مركز للعناية. لهذا السبب، لا يوجد أي تواصل بين سكان الجزيرة والمهاجرين.

■ لماذا قررتَ التركيز على سكان لمبيدوزا؟
- عندما وصلتُ الى الجزيرة، لم يكن هناك أي شيء. وددتُ أن أصوّر الفراغ ما بعد التراجيديا. ثم، بدأت الأشياء تتغير، مع فتح المركز من جديد. في البداية، كان هدفي تصوير الجزيرة والحدود التي انتقلت الى البحر. ولكن، بعد تغير المعطيات، وجدتُ نفسي أمام حقائق ثلاث: المركز والجزيرة وفرق الانقاذ. عندما تباشر إنجاز وثائقي، لا تعرف بالضبط أياً من الأشياء التي تصوّرها ستضعه في الفيلم. صوّرتُ طوال سنة، وعندما حان وقت تصوير الصبي سامويله، كنتُ أشعر انه استعارة لشيء ما. عندما يمارس الصيد، يصبح الفعل مثقلاً بالمعاني. شعرتُ خلال التصوير ان كلّ هذه العناصر تعكس أحد العالمين الذي أريد نقله الى الشاشة. الصبي سامويله شاهد على شيء لا يعرف ما هو، ما يولّد عنده القلق.

■ هل غيّر إنجاز هذا الفيلم نظرتك الى البحر الأبيض المتوسط؟
- البحر قبر. قبرٌ عميق. طبعاً، كلّ ما يحصل يجعلني في حال من الغضب الشديد. يجب ألا نسمح بحدوث أشياء مماثلة. قلتها وأكرّر: هذه إحدى أكبر المآسي التي تواجهها أوروبا منذ المحرقة. لا أريد أن أقارن بين الحدثين، لكن كلاهما تراجيدي. يموت خمسون ألف شخص هكذا، ولا نفعل أي شيء من أجلهم. المأساة التي ألتقطها تحدث على بعد 20 كم من ليبيا حيث يعاني الناس من اضطهاد الارهابيين لهم. هم يجدون أنفسهم أمام خيارين: إما أن يموتوا هناك وإما أن يعبروا البحر مع إن احتمال الموت في البحر أقوى من احتمال النجاة. لذا، سألتُ نفسي: كيف نقبل بحدوث هذا؟ الشيء الوحيد الذي كان يستطيعه فيلمي هو خلق الوعي. لهذا السبب، عندما صوّرتُ الميت - وهذا موضوع سجالي جداً -، كنت أسأل نفسي: "هل أصوّره أم أتظاهر انه ليس موجوداً؟". اخترتُ أن أستعمل صورة واحدة فقط.

■ لماذا تلك اللحظة تحديداً؟
- كان في حوزتي 80 ساعة من الـ"راشز". بدت لي اللقطة التي استعملتها كأنها صُوّرت في احدى غرف الغاز النازية. كنت أصوّر إحدى عمليات الانقاذ الروتينية التي صوّرتُ مثلها ربما خمسين أو ستين. كلّ شيء كان يجري بشكل طبيعي. ولكن، فجأة في ذلك اليوم، شعرتُ بحجم التراجيديا، رأيتُ الناس يموتون أمامي. وعندما تمسّكتُ بالشجاعة وذهبتُ لتصوير عملية استخراج الجثث، جاء القبطان وقال لي: "جيانفرنكو، هلّ صورتَ أسفل القارب؟ أرأيت ماذا يحصل هناك؟". فقلت له انني لا أريد أن أذهب الى هناك، ولا أريد أن أصوّر الجثث عن كثب. لكنه أصرّ ان من واجبي أن أصوّر هذا لنقله الى العالم. قال لي: "لا يمكنك أن تتغاضى عن هذا، عليك الذهاب الى هناك والتصوير". وهذا ما فعلتُه. لكن هذا خلق عندي أزمة، لأنني لم أكن أعرف أين أضعه في المونتاج. وضعتُ نفسي محلّ المتفرج ورحتُ أسأل نفسي ماذا سيقول المُشاهد. هل يبقى يتفرّج ويتواطأ، أم سيقول لي: "تباً لك، لا أريد أن أكون جزءاً من هذا". كان خياراً صعباً.

(*) النسخة الكاملة لهذه المقابلة على موقع "النهار" الالكتروني.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard