سينما - مهرجان برلين في أول ويك أند: بين سخرية هوليوود ومآسي لمبيدوزا!

15 شباط 2016 | 00:00

افتُتحت مساء الخميس الفائت في مدينة برلين، الدورة السادسة والستون من مهرجانها السنوي (11 - 21 الجاري) الذي يحتفي هذه السنة باللاجئين ويردّ إليهم الاعتبار، في محاولة للبحث عن ماضيه في حاضر الوافدين. ظروف الطقس، خلافاً للعادة، وفّرت للضيوف وزائري ساحة بوتسدامر، مناخاً "حاراً" نسبياً للتسكع خارج الصالات والجلوس في مقاهي الأرصفة بين مشاهدة وأخرى، الأمر الذي لا يعجب دائماً خاطر المنظمين الذين يفضلون البرد القارس كي يجد المشاهدون ملجأ لهم داخل القاعات المظلمة.

عدد من نجوم السينما، جمهورها، صحافتها، والعاملون فيها، تجمهروا مساءً أمام قصر الـ"برليناله" (ساحة ماريلين ديتريتش) الذي ارتدى اللون الأحمر. فوضى عارمة دبّت على السجادة الحمراء، تداخل بعضهم ببعضهم الآخر في حركة عفوية. الأخوان كووين كانا هناك، مع فريق فيلمهما "هايل، سيزار"، الذي افتتح التظاهرة السينمائية الأهم في ألمانيا. كان هناك ايضاً جورج كلوني وتيلدا سوينتون وشانينغ تاتوم، والثلاثة يمثلون في الفيلم، وهو الأول للأخوين منذ "داخل لوين دايفس" العام 2013 الذي عُرض في كانّ. كلوني الذي حضر الافتتاح مع زوجته المحامية اللبنانية البريطانية أمل علم الدين، راح ينطّ من مكان الى آخر، في حين كانت العدسات كلّها مصوبة في اتجاهه. حيناً، يعطي تصريحاً لإحدى قنوات التلفزيون، وحيناً آخر يمازح أحدهم ويلتقط معه صورة سيلفي. الشيب الذي كسا شعره، زاد لمعاناً تحت أضواء البروجيكتورات. ديتر كوسليك، مدير الـ"برليناله"، أطلّ بشاله الأحمر الأسطوري، وبدا كشرطي سير ينظّم هذه الزحمة كلها! كنا داخل الصالة عندما نزلت سوينتون من السيارة التي أوصلتها الى ساحة ديتريتش. الكاميرامان أجرى زوماً لكشف طولها، وصولاً الى حذائها الأسود والأبيض. حذاء لا يقل غرابة عن تسريحتها التي تزيد قامتها بضعة سنتيمترات.
بيد ان النجمة الكبرى في هذه السهرة كانت ميريل ستريب، وهي رئيسة لجنة تحكيم هذه الدورة. خفة دمها ورونقها وألقها الدائمان، على رغم سنواتها الست والستين، جرفت التصريحات التي حشرتها فيها صحافة الفضائح الصفراء في اليوم نفسه، عندما سألتها عن تهميش الأفارقة السود في هوليوود، فما كان الا أن ردّت عليهم: "كلنا آفارقة". مقدمة البرنامج الفكاهية آنكا انغلكه، اغرقت الصالة في الضحك المتواصل طوال نحو ساعة. حتى الأخوان كووين اللذان يطلقان النكات في العادة ويكبتان الضحكة، لم يبقيا لامباليين. قالت انغلكه من جملة ما قالته انه يمكن الأميركيين الهجرة الى ألمانيا في حال فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية. خلافاً لمهرجانات دولية أخرى، ككانّ، يولي برلين الأهمية للخطب السياسية الرنانة في حفل الافتتاح، في مشهد يذكّرنا ببعض المناسبات الرسمية العربية المملة. لحسن الحظّ، لم تستغرق الكلمات الديبلوماسية طويلاً. حيّا الجمهور ميريل ستريب، صاحبة الـ"أوسكارات" الثلاثة، بحفاوة كبيرة، ووقف لها مصفقاً. قالت لها أنغلكه إنه عليها، باعتبارها رئيسة لجنة تحكيم، أن تسند الجائزة هذه المرة، إلى أحدهم، وأن تعتاد هذه الحركة (قامت بحركة بيدها ترمز الى العطاء) التي لم تقم بها قط من قبل. كان صعود ستريب على الخشبة، مناسبة لاظهار طرافتها خارج الشاشة.
نحو 400 عنوان جديد ينتظرها النقاد والجمهور في المهرجان، طوال 11 يوماً تستغرقها العروض، 18 منها في المسابقة الرسمية. فيلم الافتتاح "هايل، سيزار" (خارج المسابقة) حملنا الى خمسينات هوليوود من خلال شخصيات "كوونية" (نسبة الى الأخوين كووين، مخرجي الفيلم)، في مقدمها أدي مانيكس (جوش برولين)، الرجل الصلب لكل المواقف الصعبة التي تحدث داخل الاستوديوات، نراه ينتقل من حلّ مشكلة الى أخرى داخل المعمعة التي يحدثها تصوير الأفلام. يطمئن المخرجين، ينتشل الممثلين من ورطة معينة، ويرضي المنتجين ببعض الكلام المعسول. حتى انه يُجبر على التعامل مع طالبي فدية. الفيلم يتعاطى مع الشخصيات أكثر منها مع المواقف. كلّ واحدة منها طريفة على طريقتها. وهذه الطرافة ليست دائماً لمصلحتها، كما هي الحال مع جورج كلوني الذي يضطلع مرة أخرى بدور الأبله في فيلم للأخوين كووين. فكلوني في الفيلم، نجم "هايل، سيزار!"، احد الانتاجات السينمائية عن الأمبرطورية الرومانية التي كانت هوليوود تمتلك سرها خلال عصرها الذهبي. هناك أيضاً سكارليت يوهانسون، نجمة باليه على المياه، صاحبة طباع لا تُحتمل، وايضاً رالف فاينز في دور المخرج الرصين، الخ. كلّ هذه الشخصيات الملوّنة بألوان الفنّ والسينما والنجومية، هي المتن في نصّ يوجه تحية الى السينما، الا ان الصلة التي تربط الفصول بعضها ببعضها الآخر مفقودة أحياناً، حدّ اننا نشعر أنفسنا أمام فكرة غير مكتملة. الأخوان كووين من أسياد الحرفة والصنعة في السينما الأميركية، بيد ان فيلمهما هذا بلا روح. من شدة إغواء العين بمعالجة بصرية متقنة، حيناً بالوسترن وحيناً بالميوزيكال، يصبح اعطاء معنى لكلّ ما يمر أمام عيوننا هماً ثانوياً. مع ذلك، نحن في هذا الفيلم أمام ماضي صناعة يذكّرنا بحاضرها، ولا فرق كبيراً بين الأمس واليوم، وهذه هي الخلاصة التي نخرج بها من جديد الأخوين كووين.
في المقابل، أول فيلم كبير في برلين اكتشفناه صباح السبت: "فوكاماريه" لجيانفرنكو روزي عن جزيرة لمبيدوزا الصغيرة التي أصبحت مقصداً لعدد كبير من المراكب المحملة مهاجرين أفارقة هاربين من القتل والاضطهاد. نحو 15 الف شخص لقوا حتفهم على الطريق قبل الوصول الى الجنّة الموعودة. روزي يصوّر أهل الجزيرة، منتشلي الجثث، مسعفي الجرحى، وخصوصاً صبياً لمبيدوزياً في لحظة تتحول فيها حياته مما تشهده أرضه من موت، ولا ينسى الانتباه لامرأة ترتب السرير بدقة. مهاجر عبَر ليبيا الواقعة في يد الارهابيين، يروي: "لقد حبسوني لأنني افريقي!". الفائز بـ"أسد" البندقية عن "ساكرو غرا"، كان لا يزال يلتقط المَشاهد في الجزيرة في منتصف الشهر الماضي، وبعد اختياره في مسابقة برلين عاد اليها ليكمل التصوير. لنا عودة مفصّلة الى هذا الفيلم البديع الذي قد نجده في لائحة الجوائز الأحد المقبل.
للمرة الأولى منذ سنوات، دخل المسابقة البرلينية فيلمٌ عربي، تونسي تحديداً، هو "نحبك هادي" لمحمد بن عطية، ويصادف هذا مع مشاركة عدد جيد من الأفلام الناطقة بالعربية في دورة هذه السنة، انسجاماً مع الواقع الجديد الذي لا يمكن تجاهله وتماشياً مع الخط السياسي للمهرجان. هناك أيضاً كوميديا سعودية عنوانها "بركة يقابل بركة" لمحمود صباغ، شقّ طريقه الى المهرجان. كلاهما حظي بمدّاحين وغير متحمسين. بيد ان اختيار الأفلام الناطقة بالعربية في تظاهرة كهذه، يطرح أكثر من علامة استفهام، سنعود اليها لاحقاً. في المقابل، "آخر أيام المدينة" لتامر السعيد، هو حتماً من الأفلام الطموحة التي تستحق اهتماماً وتقديراً، على عيوبه وهناته. أخيراً، كان لجديد المخرج الفرنسي الكبير اندره تيشينه (قراءة الكادر على يسار الصفحة)، "عندما نكون في السابعة عشرة"، وقع جيد على المشاهدين مساء السبت في العرض الصحافي. من خلال حكاية مراهقين يتبادلان مشاعر الكراهية، ينسج مخرج "موعد"، العلاقات البشرية بعمقها وتناقضاتها. تيشينه واحد من رسامي تلك العلاقات التي أجادت السينما الفرنسية طوال تاريخها نقلها الى الشاشة.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard