سينما - مهرجان برلين يبحث عن ماضيه في حاضر اللاجئين

11 شباط 2016 | 00:00

مهرجان برلين، أو الـ"برليناله" (11 - 21 الجاري)، يدخل هذه السنة دورته السادسة والستين في ظروف أقل ما يقال فيها انها استثنائية ومربكة للجميع. مديره ديتر كوسليك، لا يخفي مواقفه من قضية الهجرة التي صار تجاهلها غير ممكن في ألمانيا التي باتت تؤوي أكثر من مليون لاجئ.

قال كوسليك ذلك بصراحة قبل فترة، في واحد من أغرب التصريحات: "نريد أن نكون سعداء، تحق لنا السعادة، يحق لنا الحبّ، يحق لنا أن نختار الحياة التي نريدها!". من دون أن نعلم فعلاً ماذا يعني هذا البحث المفاجئ عن السعادة، وليس في أي فصل، بل في فصل الثلوج والصقيع! تصريح يشبه طباع الرجل الفكاهي صاحب الروح المرحة، الذي لا يتوقف عن اطلاق الدعابات. فالشعار الضخم المرفوع هذه السنة هو صون اللاجئين وتأمين حقوقهم وحفظ كرامتهم وتلميع صورتهم أمام العالم، هذا كله من خلال إعطائهم مساحة داخل المهرجان. هذه الخطوة لا يلتزمها الـ"برليناله" فحسب، انما الدولة برمتها، والصحافة أيضاً، وعدد من الهيئات الرسمية الحكومية.
اللافت ان الموقف الرسمي للمهرجان لم يتغير بعد حوادث التحرش والاغتصاب في كولونيا ليلة رأس السنة، بل تم اصدار بيان يوضح ان كل شيء باق على حاله. أما كيف تتحقق هذه الأحلام والطوباويات ميدانياً، فهذا بحثٌ آخر خارج مجال إهتمامنا هنا كنقّاد سينما. كلّ ما نأمله الا يتحوّل المهرجان ملعباً للسياسة، وإن من باب التحجج بصحوة الضمير أو الحرص الانساني، علماً ان الـ"برليناله" لم يخف يوماً ميوله هذه، وتجلى هذا الجانب من شخصيته في خياراته على مدار العقود الماضية. أحياناً، أفضى التسييس الى فوز مخرج مثل جعفر بناهي بـ"الدبّ الذهب" (العام الماضي عن "تاكسي")، وهذا الجانب الايجابي في الموضوع، خلافاً للمرات التي بدا فيها التسييس تدليساً باهتاً. في المقابل، يجب ألا ننسى شيئاً مهماً. فهذا المهرجان المولود في زمن الحرب الباردة الذي اضطلع بدور محوري في لمّ شمل الألمانيتين، كان طموحه دائماً أكبر من حجمه. "أحد المبادئ التأسيسية للمهرجان"، يقول كوسليك، "المساهمة في تعزيز تواصل أفضل بين الأمم والثقافات".
الطريقة الأكثر سهولة للتعبير عن هذا الخطّ التحريري في المهرجان، هي ضمّ مجموعة أفلام تتحدث عن الاندماج الثقافي والعبور بين العالمين وكلّ هذه الأمور التي تعطي أفضل الأفلام وأسوئها. التشكيلة الرسمية حافلة هذه السنة، على ما تبدى لنا من نظرة سريعة ألقيناها على الأسماء المشاركة، بهذه النوعية من الأفلام. هناك في مقدمها جديد جيانفرنكو روزي، المخرج الايطالي الذي سبق أن فاز بـ"أسد" البندقية. في "نار في البحر"، نصب كاميراه طوال سبعة أشهر في جزيرة لامبيدوزا الايطالية التي تحولت الى موطئ قدم للهاربين من الحروب والصراعات في أفريقيا. يقول الملف الصحافي للفيلم ان لامبيدوزا هي الحدود الأوروبية الأكثر رمزية.
الفرنسية ألين فيشر تواكب في "شارع ميتيور" رحلة فتى في الثامنة عشرة، يهاجر من لبنان الى ألمانيا هرباً من الحرب، الا ان منفاه الجديد لن يكون في حجم توقعاته. بدأت فيشر تصوير الفيلم عام 2012، قبل حلول الأزمة، لكن الفيلم بالنسبة لها ليس عن الأزمة بقدر ما هو حكاية عن القيم العالمية. الى هذا، هناك أيضاً فيلمان عربيان (من بين عدد كبير من الأفلام العربية المعروضة في الـ"برليناله" يصل مجموعها الى عشرين بين طويل وقصير)، يطرحان الأزمة، كلٌّ منهما بطريقته: "منازل بلا أبواب" للسوري آفو كابرئليان الذي يحملنا الى أحد أحياء الجالية الأرمنية في حلب. أما المصري تامر السعيد، فيطل أخيراً بفيلمه المنتظر منذ فترة طويلة، وعنوانه "آخر أيام المدينة"، الذي عمل عليه منذ ما يقارب السنين العشر. كلّ هذه الأفلام، وغيرها الكثير، على صلة عميقة بما يدور في منطقتنا وبانعكاسه على الغرب، وفي المقدمة ألمانيا. باستثناء فيلم روزي، كل الأفلام المذكورة تُعرض في أقسام موازية خارج المسابقة الرسمية.
في الحقيقة، ما يسعى اليه المهرجان، هو البحث عن ماضيه في حاضر الآخرين، وهذا ما يؤكده كلام الادارة: "عندما انطلق المهرجان عام 1951، كان هناك ملايين اللاجئين الألمان والمتشردين في كلّ أنحاء أوروبا. لذا، نريد من الـ"برليناله" أن يروّج للتسامح وقبول الآخر". وفي هذا الاطار، شجّعت الادارة المشاركين في المهرجان على الاتصال بالجمعيات التي تُعنى بشؤون اللاجئين، بهدف دعوة بعضهم لحضور العروض والاندماج في الحال الثقافية للبلاد، الأمر الذي من شأنه أن يكرّس فكرة الترحيب التي ينتصر اليها المهرجان. هذا ليس كلّ شيء: هناك أيضاً ألف بطاقة ستوزع مجاناً على من يريد!
رئاسة لجنة التحكيم تتولاها الممثلة الكبيرة ميريل ستريب، الفائزة بثلاث جوائز "أوسكار" وعدد لا يُحصى من الجوائز الأخرى، منها ثلاث جوائز من الـ"برليناله"، آخرها كان "دبّ" تكريمي عام 2012. من بين 430 فيلماً طويلاً وقصيراً ستُعرض خلال 11يوماً، فقط 18 تتسابق على "الدبّ الذهب"، جائزة المهرجان الكبرى. الافتتاح اسند الى الأخوين كووين وجديدهما "تحية، قيصر!" الذي يصوّر موظفاً في هوليوود الخمسينات يتولى حلّ مشكلات نجوم السينما. مع توزيع الأدوار البديع الذي يقوم عليه الفيلم، قد يتكرر خلال الافتتاح المشهد الذي رأيناه قبل عامين مع "فندق بودابست". يشارك في "تحية، قيصر!" كلّ من جورج كلوني وتيلدا سوينتون وسكارليت يوهانسون وشانينغ تاتوم وكريستوف لامبير ورالف فاينز. فيلم الأخوين يُعرض خارج المسابقة.
لا أسماء عريقة ومخضرمة في المسابقة، باستثناء الفرنسي أندره تيشينه الذي يعود مع "عندما نكون في السابعة عشرة". البرنامج يتألف من سينمائيين شباب أو في منتصف عمرهم، بعضهم ظهر أو أثبت موهبته في السنين العشر الأخيرة. هناك الدانماركي توماس فينتربرغ، والبوسني دانيس تانوفيتش (اقرأ الاطار) والايراني رفيع بيتس الذي سبق أن أدهشنا بفيلم "الصياد". يضاف اليهم الكندي دوني كوته والفيليبيني لاف دياز الذي يقدّم ملحمة من 485 دقيقة (في المسابقة الرسمية!)، أي ان مشاهدته تتطلب البقاء يوماً كاملاً داخل الصالة. وليس أقل موهبة من هؤلاء، الفرنسية ميا هانسن لاف، التي ستعرض فيلمها "المستقبل" من بطولة ايزابيل أوبير. خارج المسابقة، أفلام لكلّ من الياباني كيوشي كوروساوا وسوزان بيير، وأيضاً وخصوصاً مايكل مور، هذا المشاكس الذي يأتينا بكوميديا سياسية جديدة عنوانها "أين سنجتاح في المرة المقبلة"، في إشارة واضحة الى الحروب الأميركية التي سبق أن خصص لها مور فيلماً.
ختاماً، مهرجان برلين يحيي هذه السنة ثلاثة من الذين رحلوا الشهر الماضي: المخرج الايطالي ايتوريه سكولا، والمغني البريطاني ديفيد بووي والممثل الانكليزي ألن ريكمان. هناك أيضاً تكريم خاص لمدير التصوير الكبير ميشائيل بالهاوس، الذي صوّر عدداً كبيراً من أفلام فاسبيندر، وثم بعد رحيله إلتقط مَشاهد بعض من أهم أفلام سكورسزي، مثل "التجربة الأخيرة للمسيح" و"عصابات نيويورك".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard