"حي البنفسج" لفواغي القاسمي: لا بدّ من الاحتراق بالحبّ!

13 كانون الثاني 2016 | 00:15

هو الحب سلطان القلوب وحاكمها المستبدّ الأوحد. لا مفرّ من براثنه، ولا مهرب من أقداره. هذا الحب، بأفراحه وأتراحه، بانكساراته وانتصاراته، بعذوبته ومرارته، بيقينه وشكّه، بعصفه وهدوّه، بلحظات الوصال والفراق، هو ما تفيض به قصائد فواغي القاسمي في ديوانها الجديد، "حي البنفسج"، الصادر عن "دار الفارابي".
الحب الذي تدعونا إليه فواغي القاسمي، لا بدّ من أن نتعمّد بناره ونوره. لا بد من أن نحترق بلهيبه ليصقل معدننا وجوهرنا. لا بدّ من الموت بين يديه وبيديه. وما أجمل هذا الاحتراق والموت! لا بدّ من أن نمرّ بفصوله الأربعة لتتمّ الحياة. لغة القاسمي في هذا الديوان هي محضُ بوحٍ، محضُ همسٍ، محضُ ابتهالٍ. كلماتُها من القلب طالِعةٌ، لا تبغي الاستعراض ولا تتوخى الإشادة، بل هي دَلقُ أحاسيس فاض بها الفؤادُ فانسكبَت على ورق. بوح القاسمي رقيق، عذب، شفاف، نديّ. هو بوح كل أنثى عاشقة، كلّ حبيبة، كلّ زوجة، كلّ أمّ، كل شرقيّة، كل إنسانة. الحبّ هنا ليس حب امرأة لرجل فقط، بل هو حبّ الزوج، حبّ الأولاد، حبّ الوطن. الحبّ هنا يُمسي وجوداً، ثورةً، انتفاضةً، حريةً. الحبّ هنا يرسم كينونة المرأة خارج محدودية جنسها، خارج الصورة النمطية المؤطرة لها، يُصيّرها فرداً فاعلاً، يُصيّرها إنسانةً.
"بنفسج" فواغي القاسمي، وإن كانت تربتُه من شجن ومياهه من دمع، غير أن زهره غضّ مخضر وشذاه فوّاح. لا بدّ من سيل هذا الوجد والصبابة والجرح ودفقها لتنبجس قصائد، لا بد من نار لتنضج الروح وتختمر الأشواق فنثمل بعُصارة الحب. تعيش الشاعرة في قصائدها غربة الروح التي تحملها على استعادة الزمن الجميل، زمن زرياب بألحانه الشجية، وزمن بغداد والشام والأندلس وهارون الرشيد، ومجالس السَّمَر والشعر والفكر. وهذا الهروب هو نتيجة الواقع المأزوم الذي يعيشه الإنسان على المستوى الهوياتي والنفسي، لينضاف إليه واقع الدول العربية المكلوم والدامي ولا سيما منها سوريا التي تحوّل أزرق فراته إلى أحمر تملأه الجثث، وأذان الأموي يخالطها النحيب، وياسمين الشام اسودّ حزناً فكتم ضوعه.
يبدو شِعر القاسمي كأنه محوك من خيطان الحب. كأنه مُعتصرٌ بحبر الأنين. معجون بخميرة الألم. ولكن لولا هذا الحبّ لما كان فجرٌ، لولا هذا الحبّ لما نبتت عشبة في صخر، لولا هذا الحب لما انقشع ضبابٌ وبانت شمس.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard