غريغوار حداد، رحل وجه المسيح

25 كانون الأول 2015 | 00:10

أرشيف "النهار".

فشل المطران غريغوار حداد في ثورته. لو كان مطراناً ممارساً صلاحياته في زمن البابا فرنسيس، لكان وجد نصيراً له. فقيراً عاش، فقيراً مات. لم يلبس الذهب، ولم يرتفع على رأسه تاج مذهب او ذهب. آمن بالفقير، اي بالمسيح الذي احب الفقراء والضعفاء والمرضى. لم يكن مطراناً للأغنياء كما هي الحال اليوم مع اكثرية المطارنة كي لا نعمم. جهد ليضع املاك الاوقاف في خدمة الاكثر حاجة، وان يثور على التقاليد البالية الموروثة والعالقة بالمسيحية من زمن الممالك والامبراطوريات والحضارات المتعاقبة. انطلق من تربية بروتستانتية متحررة من المظاهر، فحاول ان ينقل تجربة التواضع الى الكنيسة الكاثوليكية، فيبدل في الخارج، من دون ان يمس العقيدة.
آمن بالانسان الذي دفع الله بابنه الوحيد الى الصليب من اجل خلاص كل انسان، فلم يميز بين جنس ودين ولون. هذا جوهر المسيحية. دافع عن العلمانية ودفع لعيشها. وهو الوحيد ربما في زمانه، لم يجد فيها ما يناقض المسيحية. قريب من فكره كان المطران سليم غزال الذي حورب ايضا، وطويلا، من داخل الكنيسة. ادَوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، كان شعاره. لذا اعتبر ان الانسان يخضع لدولة مدنية علمانية ومؤسسات منتظمة في عملها، تجعله مساوياً لأخيه الانسان في حقوقه وواجباته. حتى في زواجه وطلاقه، فإنه يخضع للانظمة المرعية الاجراء. وما على الكنيسة الا ان تبارك العقد وتقدسه. لكنها ليست مسؤولة عن مترتبات الزواج والطلاق بما هي اجراءات قانونية ومالية وعقابية، وحسابات دنيوية موحلة تغرق بها المحاكم المسماة روحية حالياً.
آمن بلبنان وطناً نهائياً لجميع ابنائه. لذا كان خياره المجتمع المدني الذي يساوي بين المواطنين، حتى في داخل الطوائف نفسها. أليس السريان والكلدان واللاتين محرومين ايضا في لبنان؟ أسس "تيار المجتمع المدني" لا رفضاً للدين بل تعميقاً للايمان، لان الروح التي بثها بين اعضائه كانت من روح المسيح الذي آمن به وجعلته رافعته الدائمة خصوصاً في مواجهة الظلم الذي لحق به.
واجه جبهة رفض مبطن من اهل الدين والدنيا. وهؤلاء تجمعهم مصالح واحدة. فرجال الدين اهل سلطة ايضاً، وهم اذ ينادون باجتثاث الفساد، فانهم يتحالفون مع الفاسدين والمفسدين. هذا التواطؤ، يجعل من غريغوار حداد "الابونا"، وليس سيدنا كما كان يحب ان ينادى لان الاب اقرب الى القلب والى الله الاب السماوي، ضحية الفريقين.
لم يكن غريغوار حداد مسيحياً تقليدياً، كان وجها للمسيح الفكر النير والحب اللامحدود. واذا كان الموت محتوماً على كل كائن حي، فحسناً انه مات في زمن البابا فرنسيس، ذاك الانسان الوجه الاخر للمسيح، حتى لا نشعر نحن معشر طالبي التغيير، باليتم الشديد.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb | Twitter: @ghassanhajjar

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard