خطط صغيرة

19 كانون الأول 2015 | 00:00

لوحة لشوقي شمعون.

لا تقرّر التوقف عن التدخين. تضع خطة بديلة أكثر واقعية. تقول إنك ستدخن سيجارة كل ساعة وتعيّر منبّه الموبايل الذي يرنّ في الوقت المحدّد تماماً كأنما بقوة إرادة تخصّه وحده. ثم تكافئ نفسك بأن تنتظر السيجارة التالية.
لا تقرّر أن تكفّ عن الشجار وحبيبتك إلى الأبد. تعرف أن الوعود أشبه بفيلم ألماني مقرصن في الصين تجد فيه ترجمة مشوّهة لفيلم آخر، ويمكن أن يتعطّل في ذروة الحوادث. تكتفي إذاً بأن تقول لحبيبتك إنكما لن تتشاجرا أسبوعاً كاملاً. من الثلثاء إلى الثلثاء مثلاً.
لا تقرّر شطب الذكريات السيئة دفعةً واحدة. لا سيما الغائبون. تخصّص لكل منهم ثلاث دقائق قبل النوم ودقيقتين خلال النوم ودقيقة واحدة بعد النوم. ولا تسمح لأحدهم باحتلال وقت الآخر أو الدخول إلى حلم غائبٍ آخر.
كبيتٍ تقسّطه على دفعات، تقسّط ما بتّ تعرفه من الألم. وتحاول السهو عما لا تعرفه بعد مثل جار تؤجّل قصداً التعرف إليه.
أو مثل سيجارة تضعها وراء أذنك، مدركاً أن الموبايل سيرنّ في الساعة غير المفاجئة، بقوة إرادة تخصّه وحده.
■■■

هواء
هذا الهواء هو يدا أبي
تمسّدان شعري
هذا الضباب
هو نظرتُهُ
على ليل حياتي
هذه السحابة
فكرتُهُ عن النهار
الباقي
في ظلّ العتبة.
■■■

الملائكة المحتشدون
عشرون ملاكاً على الأقلّ
يحتشدون، ببزّاتهم الواقية، حول رأسي
أحدهم يمسك الشفرة
بيدٍ ترتجف
وعليه أن يقرّر الآن
ما إذا كان عليه أن يقطع
الشريط الأحمر أم الأزرق
البقية يتعرّقون
وعيونهم تلاحق عقرب الثواني في ساعاتهم:
4... 3... 2...
■■■

مبالغة في وصف الروح
روحي على الكنبة
وقد نبتَ لها بين الضحى والمساء
شعرٌ أكثف من قبلةٍ بين مراهقَين في حرّ حزيران
وأتخيّل صخرة سيزيف
طابة ضخمة تقبع أعلى البرج
مسنودة بمحور قلبي
وأعرف أنها ستسقط ذات يوم
وتسحق المدينة
لأنني منذ الآن
أرى السماء وقد خلت من العصافير
وأرى سيزيف سائقاً باكستانياً برتقاليّ اللحية
يحمل بضع غابات استوائية في صوته الجافّ
وأرى الطابة تنطنط
أعلى
من كلّ النوافذ المعتمة.
■■■

لمجرد ذلك
أن تُبقي السمّاعة مفتوحة
تهمس على سطح المكتب
أن تهدي إلى مرآة الحمّام أغنية مرتجلة
تسرّبت من سقف الجيران
أن تتأمّل الخريف في مقبض الباب
الذي تحسبه سلطعوناً تائهاً
من رواية ما عن الرمل
أن تُحدثَ مصادفة سعيدة لمن تحبّ
كأن تكفّ عن الأذية وعن تفسيرها
وأيضاً عن التطفّل على أشياء روحه
أن ترسم له شجرة
وتجعل العصافير تغرّد منها إليه
على افتراض أنه يحبّ العصافير
أكثر من الصمت الذي ربما يكون محبّذاً
في رواية أخرى عن اليأس

أن تخرج وحيداً إلى الباحة الفارغة
وتقف طويلاً في الشمس.
■■■

هل نرى أحلاماً سعيدة؟
كنتُ أتسلّق الجبل
وفي لحظةٍ ما أوقفه أحدهم مستقيماً كسلّم فوقعتُ،
وهدر شيء في قلبي،
وأدركتُ أن القذيفة وقعت على بيت أهلي؛
وأنني أخرجتهم جميعاً من الركام، وكانوا جميعاً – بمن فيهم أمي وأبي- أطفالاً،
وكانوا أحياء جداً لكنهم احتجّوا على إيقاظي لهم بهذه الطريقة؛ وذهبنا يومها أو في لحظتها للمشاركة في مسابقة أجمل هرّ، وفاز هرّ ابنتي، ومع ذلك بكت لأنها ظنّت أنها خسرت، ومع ذلك تمنيتُ لو كان هراً آخر لكنّا فزنا حقاً في المسابقة التي فزنا بها حقاً، ولوفّرنا دموع الفتاة،
وفي تلك الليلة أو في تلك اللحظة رأيتُ نفسي وجميع الذين أعرفهم في الجنة
التي هي مدينة باطونية بلون الرصاص
وكنا جميعاً نمشي كالزومبي
مادّين أيدينا إلى الأمام
احتفاءً بمجرّد المشي.
■■■

ماذا تفعل بليلةٍ كهذه؟
هذه فكرةٌ أخرى
تمرّ، كيد شحاذ،
ثم تغادر،
ولا تكاد تصدّق
أن مدناً تحدث في الخارج،
وتكاد تصلّي
من أجل ارتطامٍ
يحدث في الخارج
ولو بين غيمتَين
أو رأسَين
أو رغبتَين
أو
أن يطرق الباب فجأةً
عامل البيتزا.
■■■

بعد غياب
يدكَ على شجرةٍ قديمة
تجهل اسمها
قد تمسّد جذعها
وقد تطبع،
على ما تحسبه مكان قلبها،
قبلةً مبلّلة.
ربما تأتي الغيوم
من أبعد نقطة في السماء
ربما يكون مطر أخيراً
وربما لا يكون شيء

فقط تنظر إلى السماء
وتبكي
لأنها السماء.
مجدداً.
■■■
مجرد مطر
في الجميزة، الثانية بعد منتصف الليل. مطرٌ وبردٌ كثير. عثرتُ أخيراً على دكّان يبيع السجائر. وكنت أعرف أنني وصلتُ إلى شارع آخر لا أعرفه. لكنني نظرتُ إلى أعلى ورأيتُ يد أحدهم تلوّح لي من وراء نافذةٍ مقفلة ورأيتُ ظلّ اليد مضاعفاً على جدار المبنى المقابل المبلل بالمطر. وشعرتُ أنني أعرف هذه اليد، وأعرف ظلّها أيضاً، وافترضتُ أنها لصديقي الذي مات ذات يوم بطريقة غامضة لأن كلّ طريقة موت لا بدّ أن تكون غامضة... وبطريقة غامضة افترضتُ أنه ينتظرني الآن في بيته الذي في شارع آخر لكي ننهي "ماتش" بلياردو كنا قد بدأناه قبل عشر سنين. فوقفتُ ولوّحتُ لليد ثم لوّحت لظلّ اليد، ثم ضحكتُ من كل قلبي.
ثم بكيتُ
إذ أدركتُ
أنه صديقي
الذي الآن،
فجأةً،
صار مطراً.
■■■

محاولة غير شعرية لوصف بيروت
كأنكِ امرأةٌ من الطبقة الوسطى تقيم في حيّ مختلط لا يزال يضمّ بناية أو اثنتين من العصر الأريستوقراطي، وتحمل بالولادة اسماً إيروتيكياً، لنقل كاميليا، مثلاً، وهو كذلك لأن أحداً في الحيّ لا يصدّق أن اسماً مثيراً للشهوات كهذا يمكن أن يكون موجوداً حقاً وأن يستمر في أن يكون موجوداً. يعزّز الأمر أكثر أنكِ، رغم جمالكِ الأكيد، ورغم كل السنوات، بقيتِ عزباء أو غير متزوجة، لكن أحداً – لأسباب غامضة – لا يجرؤ على وصفكِ بالعانس، ليس حباً بكِ، لكن لشعور عميق بالحيرة تجاهكِ. ربما كان السرّ في فستانكِ الوحيد المزركش والأنيق الذي لا يبدو أنكِ تلبسينه في أي وقت، بل أنكِ ولدتِ به، فلا يستطيع أحدٌ أن ينفي أو يؤكّد أنكِ حين تتحركين به، بين بيوت الجارات، أو دكاكين الحي، بمثل هذه العادية الفاحشة، تصنعين بياناً ما، أو تغازلين أو تستفزّين أحداً ما. ربما كان شعركِ الذي الآن بالتأكيد – واحتراماً للريح أيضاً - لن نصفه بالغجري بسبب ابتذال الكلمة في الشعر وفي الإعلانات، الذي مثل اسمكِ، مثل فستانكِ، يصعب وصفه بكلماتٍ معيارية واضحة، لأن شَعر امرأةٍ تحمل اسم كاميليا، وتلبس فستاناً كالذي تلبسينه، لا يمكن إلا أن يذكّر بشعر النساء النادرات اللواتي يراهنّ مقبلٌ جديد على السينما الإيطالية في الستينات، مثلما يحبّ مقبلٌ جديد على الشعر الحديث لفظة "القطارات" أو "المصاعد" أو "النيون" في القصائد الأوروبية الحديثة. بوصفكِ كاميليا التي من الطبقة الوسطى وتلبس فستاناً مزركشاً كهذا، صاخباً كهذا، عادياً كهذا، فأنتِ تثيرين الشهوات حقاً، وتثيرين اللغز أيضاً، فلا أحد يجرؤ على وصفكِ بالمومس، ولكن لا أحد كذلك يستطيع أن يتهمكِ بالبراءة، لأنه في الأحوال كافةً سيشعر بخللٍ ما، ليس في الوصف، بل في روحه، لأنها – روحه – أشبه بمقعدٍ دائم يجلس عليه عجوز دائم في ظل شجرةٍ دائمة، ويعرف الجميع أننا، إذا جئنا ذات يوم ولم نجد المقعد أو العجوز أو الشجرة، في البقعة نفسها، فبكل تأكيد ستختفي الحديقة وأيضاً الطرق المؤدية إليها. عندها قد نفقد أثر البحر أيضاً. امرأةٌ مثلكِ، كاميليا مثلكِ، إيروتيكية مثلكِ، مزركشة مثلك، عادية مثلكِ، من النوع الذي يجعل النساء، الصغيرات وكذلك اللواتي يراهنّ المرء عادةً في سوق الخضر، والشعر نابتٌ على أرجلهنّ، راغبات بلمس أجسادهنّ تحت "الدوش" فقط لأنهن اكتشفن عرضاً الحرارة الكامنة على سطح جلودهنّ، الذي يجعل الرجال يستغفرون الله مئات المرات، ويوزّعون ربطات الخبز على الفقراء، من دون أن يشعروا بأيّ ذنب وهم يتخيلون أنفسهم يضاجعونكِ كالثيران على سلّم البناية أو في الزاروب أو في عتمة الدكان.
■■■

ذات يوم رائع
يوماً ما
سوف يأتي حفيدي سائحاً إلى لبنان
وبعد أن يمضي بضعة أيام جميلة
بين الساحل والجبل و"الداون تاون"
سوف يقرر أخيراً
زيارة أضرحة العائلة؛
سوف يستعين بوصفٍ غير مؤكّد
يوصله إلى تلك البقعة النائية
على تلك الهضبة؛
هناك سيقرأ على لافتةٍ شبه محطّمة:
"مقبرة الذين مرّوا من هنا"
وسيعرف أنه وصل إلى المكان الصحيح.
بحذرٍ أو برهبة
بحَيرةٍ أو ذهول
أو ربما بلا مبالاة
سوف يمشي
بين الشواهد القديمة المغبرة
وحين يعييه البحث عنا
يكتفي بوضع وردةٍ بسيطة
تحت شجرة حورٍ بسيطة
ثمّ يلقي تحيةً بسيطة
على ما تبقّى هناك
من ظلال الأسماء والوجوه
ثم يمضي بصمت.

■■■

تحت شمسٍ حارّة
وأسفٍ واحد
يقف في الباحة الخارجية
عشرون أو لنقل
واحداً وعشرين عاملاً
مرتدين عشرين أو لنقل
إحدى وعشرين بزة زرقاء
معتمرين عشرين أو لنقل
إحدى وعشرين خوذة بيضاء
ناظرين
إلى عشرين
أو لنقل
إحدى وعشرين سماء مقفلة.
■■■

الأشياء التي تبتعد
كسيارةٍ مسرعة،
الأشياء التي تبتعد
الوجوه التي لم تعد،
العيون والنظرات،
الخيبات الكثيرة،
السهرات،
الكلمات،
الأصوات،
ويمكنكَ فقط
أن تتخيّل الهواء
يلعب وحده في الخارج
وأنتَ تلوّح
وداعاً طويلاً
من نافذة.

* من ديوان "نحيك فيلماً
على مقاسنا"، يصدر قريباً.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني